إشارة: طُرح البحث عن «حق المساواة الإنسانية» أو «حق العدالة» حتى الآن في علم الكلام أكثر مما نُوقش في علم الفقه. وربما يُعدّ المرحوم آية الله الصانعي من أبرز الأشخاص بين الفقهاء المعاصرين ممن تحدثوا عن هذا الحق وطبّقوه في فروع فقهية متعددة. وقد شهد تفسيره لـ «حق العدالة» بطبيعة الحال موافقين ومعارضين كثيرين. غير أن حجة الإسلام والمسلمين سيف الله صرامي يعتقد أن تعبير «حق العدالة» هو في الأساس تعبير غير صحيح؛ لأن العدالة من مقولة الحكم لا الحق. وهو يعتقد في الوقت نفسه أن العدالة قابلة للتطبيق بمعانٍ متعددة في علم الفقه. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع رئيس معهد أبحاث الفقه والحقوق حول العلاقة بين حق المساواة الإنسانية والعدالة:
الفقه المعاصر: ما معنى «حق التمتع بالعدالة»؟ هل المراد عدالة الله في حق العباد أم الحوكمة العادلة للسلطة تجاه الشعب أم السلوك العادل للمواطنين تجاه بعضهم البعض؟
صرامي: أولاً، على الأقل في أدبياتنا الفقهية، فإن العدالة -بمعنى السلوك العادل وهو ظاهر السؤال- ليست حقاً؛ بل هي حكم. طبعاً في تقسيم كلي، نسمي كافة المجعولات الفقهية حكماً. والحكم بهذا المعنى الأعم على قسمين: إما حقٌ، وإما حكمٌ بالمعنى الأخص (الأحكام الخمسة لدى المشهور). وممارسة العدالة هي متعلق الحكم بالمعنى الأخص، وهو واجب أو ربما مستحب في بعض الموارد. وقد ورد حكم العدالة في مثل هذه الجمل في القرآن الكريم: «اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى» (المائدة: ٨)، أو «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» (النحل: ٩٠). أو افترضوا أنهم من الجهة الأخرى يبيّنون ألا تظلموا أو أن الله لا يظلم للإشارة إلى أنه يجب عليكم ألا يظلم بعضكم بعضاً. وبناءً عليه فإن عدم الظلم وممارسة العدالة هما حكم، ولأنه حكم فإن التعبير بـ «حق التمتع به» ليس تعبيراً فنياً (تخصصياً). وقد يعبّر شخصٌ بمثل هذا التعبير تسامحاً، ولكن عليه في التسامح أن ينتبه إلى أن الأمر ليس بالفرض المترتب على كونه كـ حق الحضانة أو الولاية أو الكثير من الحقوق الأخرى الموجودة في الفقه والقابلة للإسقاط أحياناً؛ ولذا فإن تعبير «حق التمتع بالعدالة» في رأيي ليس تعبيراً صحيحاً، وهذا المعنى يجب تصحيحه في بقية الأسئلة في رأيي.
ولكن فيما يتعلق بصلب البحث بوصف العدالة حكماً، يجب أولاً توضيح ما هي نسبة العدالة بالمساواة؟ هل المقصود بالعدالة في الأدبيات الإسلامية هو المساواة؟ أم إن لم يكن المقصود ذلك، فهل الأصل أن العدالة تعني المساواة ولها استثناءات مثلاً؟ أم لا، بل إن العدالة في الثقافة الإسلامية تعني مراعاة الأحكام والحقوق المحددة في الإسلام؛ سواء الأحكام المبيّنة في علاقة الإنسان بالإنسان، أم في علاقة الإنسان بالله، أم علاقة الإنسان بالحكومة، والتي يحقق مجموعها العدالة في الإسلام.
ولكن البعض اعتبر العدالة أو نفي الظلم أوسع نطاقاً من الملاك الواقعي للأحكام، وجعلوهما موجِبَيْن لإثبات الأحكام أو نفیها. وطبعاً عندما نقول هنا إنهم جعلوا العدالة ونفي الظلم ملاكاً، فإننا نعني العدالة ونفي الظلم العرفيَيْن؛ لأن العدالة ونفي الظلم الواقعيَيْن بنحو كلامي وفي الواقع وعند الثبوت ليسا أمراً فقهياً بل أمراً كلامياً، ومعناهما أن جميع الأحكام الإلهية مطابقة للعدل، ولا يوجد أي حكم من الأحكام الإلهية ظالماً بنحو واقعي وعند الله وعند الواقع.
ويبدو أن المرحوم آية الله الصانعي يعتقد بـ «قاعدة العدالة» بما يتجاوز ملاك العدالة الواقعية في الأحكام الثابتة فقهياً. ففي كتاب “قاعدة العدالة” الذي دوّنه السيد علي أكبريان وهو مجموعة من المقابلات، توجد مقابلة مع المرحوم السيد الصانعي وهي مفصلة جداً وبعضها مكتوب، أي إنهم سألوه وأجاب مكتوباً وهو ما يعطي اعتباراً أكبر من حيث النسبة إليه. ويمكن الاستفادة من تصريحاته تلك أنه قائل بقاعدة العدالة. طبعاً تلك القاعدة للعدالة التي يقول بها هي أوسع من التوضيح الذي قدمتُه. أنا قلتُ إن العدالة تعني أحكام الإسلام نفسها؛ ولكنه يقول: أوسع من أحكام الإسلام في المصادر الفقهية، فإن العدالة العرفية في كل زمان إذا كانت عرفاً عقلائياً واقعاً، لا عرفاً متبعاً للأهواء والشهوات والثقافة غیر المطلوبة إسلامياً؛ أي ليس حيث تحكم ثقافة خاطئة فهذه كلا، بل العرف العقلائي واقعاً إذا شخّص الإنسان شيئاً بأنه عدل، فإن ذلك الشيء يكون حكماً شرعياً بنحو إثباتي، ويمكن إدراجه كـ حكم فقهي ضمن القوانين.
وإلى جانب القاعدة الفقهية للعدالة، يعتقد المرحوم السيد الصانعي أيضاً بـ القاعدة الفقهية لنفي الظلم. بل إنه صرّح بهذه الثانية أكثر وأوردها في كتاب القصاص بنحو خاص ومفصل. وفي قاعدة نفي الظلم يقول: إذا فرضنا أن الحكم الشرعي مستند إلى رواية معتبرة سنداً ودلالة، ولكن العرف يرى هذا الحكم الشرعي ظالماً؛ كأن تفترضوا دية العاقلة حيث يقال إن شخصاً هنا ضرب شخصاً وقتله ثم لديه أقارب في أمريكا وربما لم يروا بعضهم إطلاقاً، كأن يكون له ابن عم ولم يذهب هذا العم إلى أمريكا منذ سنوات وأنجب ولداً، والآن هذا الذي كان في تهران ضرب وقتل شخصاً مثلاً، ثم نأتي ونقول إن دية الخطأ المحض لهذا القاتل تقع على عاتق ابن العم الأمريكي؛ فإذا قال شخصٌ: إن هذا يُعدّ ظالماً اليوم، فإن المرحوم السيد الصانعي يعتبر ذلك مشمولاً لقاعدة نفي الظلم.
والمصداق الآخر لقاعدة نفي الظلم الذي أورد فيه المرحوم الصانعي القاعدة الفقهية لنفي الظلم بمناسبة بحثه، هو «رد فاضل دية الرجل» من قبل أولياء دم المرأة المقتولة. يقال إنه إذا قتل رجلٌ امرأةً وقرر أولياء هذه المرأة قصاص الرجل القاتل وقتله، فبسبب اختلاف دية المرأة والرجل عن بعضهما، إذا اختاروا قصاص هذا الرجل لا الدية وقالوا إننا نريد قصاص هذا الرجل الذي قتل أمنا مثلاً ولا نريد ديته، فهنا يقول المرحوم الصانعي: لدينا في الرواية المعتبرة أنه يجب عليهم دفع فاضل الدية؛ أي بنسبة نصف دية الرجل يجب على أولياء هذه المرأة الدفع لأولياء القاتل لكي يستطيعوا قصاص ذلك الرجل وقتله؛ ويُصطلح على هذا بـ رد فاضل الدية. والمرحوم السيد الصانعي طرح القاعدة الفقهية لنفي الظلم وبحثها واستدل عليها بهذه المناسبة تحديداً وقال إن وجوب رد فاضل الدية ظلم، ولأنه ظلم فإنه حتى مع وجود الرواية المعتبرة لا يمكننا الإذعان لروايتها ويجب إبعادها؛ لأنها مخالفة للآيات القائلة إن الله لا يظلم، ومن هذا المنطلق تصبح الرواية مخالفة للقرآن ولا تمتلك اعتباراً وحجية وفق المبنى الأصولي.
على أي حال، لم يكن قصدي ورود هذا البحث؛ بل كان قصدي أن العدالة حكم. ومن جهة، فإن النظام الكلي -أي كافة الأحكام الإسلامية- عادلٌ، ومن جهة أخرى فإن الشارع أمر كـ حكم شرعي بوجوب ممارسة الناس للعدالة؛ ولذا فإن العدالة ليست حقاً، والتعبير بـ «حق العدالة» ليس تعبیراً فنياً.
والآن سؤالك هو: هل المراد بالعدالة هو عدالة الله في حق العباد أم الحوكمة العادلة للسلطة أم ممارسة الناس للعدالة مع بعضهم؟
والإجابة هي أن كل هذه الأمور موجودة؛ أي إن الله قد حكم بنحو عادل تجاه العباد وجميع أحكامه عادلة، والحكام مأمورون بالحوكمة العادلة، والناس يجب أن يتعاملوا مع بعضهم بنحو عادل. والدليل على كل هذا يمكن أن يكون «اعْدِلُوا» و«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ» كما ذكُرتُ سابقاً. وهؤلاء مأمورون كـ حكم شرعي بالتعامل بـ عدل مع بعضهم، لكن اسمها ليس حقاً ولذا لا يستطيع أحد القول: أنا تنازلتُ عن تعامل شخص أو جهة معي بـ عدل ولا اعتراض لدي على التعامل معي بـ ظلم.
الفقه المعاصر: ما هي الفوارق بين العدالة بوصفها حقاً من حقوق المواطنة، وبين العدالة بوصفها قاعدة فقهية أو نظرية إسلامية؟
صرامي: العدالة ليست حقاً، وكونها قاعدة فقهية أوضحته من قول المرحوم الصانعي.
الفقه المعاصر: أيعني هذا أنكم لا تقبلونها في بحث المواطنة؟
صرامي: أقبلها ولكنها حكم؛ أي إن الحاكم مأمور بممارسة العدالة بين الناس. والناس كبقية الأحكام يستطيعون المطالبة بها؛ غير أن المطالبة بالحكم هي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو حقوقهم من باب آخر وهو أن وظيفة الحاكم هي تطبيق الأحكام والحقوق الشرعية في المجتمع، وجميع الناس يستطيعون المطالبة بذلك؛ يستطيعون المطالبة بتطبيق الأحكام الشرعية من هذا المنطلق، لا من جهة القول بـ حق العدالة. فـ الحق بهذا المعنى لا وجود له؛ لكن مثلاً (ولا مناقشة في المثال) الشخص المستوفي للشروط يستطيع المطالبة بـ حق الترشح أو الانتخاب في الانتخابات المشروعة.
أما القاعدة الفقهية للعدالة التي أشرتُ إليها وقال بها البعض وإن كنتُ لا أقبلها ونقدتُها في المقالات والكراسي والندوات التي عقدناها، فإن معنى القاعدة الفقهية هو بعينه ما ذكُرتُه؛ أي أن نأتي بنشخيص العرف العقلائي للعدل ونجعله ملاكاً لإثبات الحكم. فعلى سبيل المثال فيما يتعلق بـ «حق التأليف»، لا نمتلك أي حكم شرعي أو رواية لإثباته، لكن بالنظر إلى أن حق التأليف يُفرض كـ حكم وضعي عادل عرفاً (لأن قاعدة العدالة المدعاة لا تتعلق بالحكم التكليفي فحسب بل تشمل الأحكام الوضعية أيضاً)، فإنه يوجد كـ حكم وضعي عادل في مجتمعات اليوم ولذا فهو حكم شرعي؛ لأن العرف العقلائي للمجتمعات اليوم يعتبره كـ حق، ولذا فإن حق التأليف ثابتٌ وله أحكامه الفقهية الخاصة. هذا هو معنى القاعدة الفقهية للعدالة.
أما النظرية الإسلامية للعدالة، فهي أوسع نطاقاً بكثير وقد تشمل القاعدة الفقهية للعدالة والقاعدة الفقهية لنفي الظلم أيضاً؛ أي إنها رؤية كليّة وأساسية لموضوع ما في مجال معين يلزم أن تكون المباني اللاهوتية (الكلامية) للعدالة واضحة فيها، وتكون العلاقة بين العدل والظلم وما شابه ذلك محدّدةً بنحو ثبوتي وكلامي، وتكون آثارها الفقهية معلومة، ويتبين دورها في علم أصول الفقه وهل هي قاعدة أم أصل؛ ويمكن إطلاق اسم «النظرية الإسلامية للعدالة» على مجموع كل هذه المباحث؛ أي إن القاعدة الفقهية يمكن أن تكون جزءاً من النظرية الإسلامية للعدالة. وعلى أي حال، فإن النظرية الإسلامية للعدالة أوسع بكثير من القاعدة الفقهية للعدالة، وقد يكون الحجم مثلاً إذا كانت القاعدة الفقهية كتاباً من ١٠٠ صفحة، فإن النظرية الإسلامية للعدالة قد تصبح كتاباً من ٥٠٠ صفحة يشمل كافة جوانب العدالة ومقارنتها بنظريات العدالة في مجتمعات اليوم.
الفقه المعاصر: هل يسعى «حق المساواة الإنسانية» مجرداً إلى تساوي البشر في الحقوق حتى لو كان هذا التساوي في الظلم، أم أنه يشتمل على السلوكيات العادلة أيضاً؟
صرامي: فيما يتعلق بتعبير حق المساواة، وعلى فرض اعتبار المساواة كالعدالة، فإن كلامي هو عين ما مرّ في تعبير حق العدالة. وطبعاً فإن المساواة بنحو كلي ليست في الإسلام؛ بل المفهومان هما العدالة والقسط واللذان أُوضح أنهما حكم. ولكن فيما يتعلق بصلب السؤال، أرى أن الإجابة مكفولة في نفس السؤال؛ لأنه من الواضح أن التساوي في الظلم غير مرضيّ في الإسلام إطلاقاً. فالظلم في الإسلام سلبي ومبغوض ومقبّح، ولذا فإن أتينا وسمينا التساوي في الظلم عدالةً، فهو كلام باطل وغير صحيح.
أما بتلك المعنى التي تكون فيها السلوكيات العادلة مصداقاً لـ «اعْدِلُوا» و«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ»، فهذا المعنى موجود في المصادر الإسلامية ومنها في الفقه بل وفي الآراء الفقهية، وسبق أن قلتُ في إحدى النظرات إنه يعني لزوم مراعاة أحكام الإسلام، وفي نظرة أخرى كـ المرحوم السيد الصانعي، یعنی أنه إلى جانب كون كافة أحكام الإسلام عادلة ويجب مراعاتها، فإن ما يعتبره العرف العقلائي عدلاً هو حكم شرعي ويجب مراعاتها أيضاً؛ ولذا فإن الظلم ونفی الظلم يمتلكان دوراً كابحاً وضابطاً بالنسبة لسائر أحكام الإسلام أيضاً. وهذه النظرة تريد في الواقع القول إنه أوسع من أحكام الإسلام، وبإدراك العرف العقلائي للعدل والظلم، يمكننا اعتبار دائرة الظلم والعدل أوسع من أحكام الشرع.
الفقه المعاصر: هل يختلف حق المساواة الإنسانية عن العدالة؟ وفي أي الأمور يكمن هذا الاختلاف؟
صرامي: فيما يتعلق بـ «حق المساواة»، أشرتُ أيضاً إلى أنه لا وجود لمثل هذا التعبير إطلاقاً بصفة عامة في الأدبيات الإسلامية والأدبيات الفقهية؛ ولكن يوجد في بعض الموارد الخاصة؛ فعلى سبيل المثال ورد في الروايات والكتب الفقهية أن القاضي مكلفٌ بمراعاة المساواة في التعامل تجاه الشاكي والمشتكى عليه، بنحوٍ قد لا يوجد بمثل هذه الدقة في أي نظام حقوقي وقضائي آخر؛ حتى مثلاً نوع النظر إلى هذا وذاك يجب أن يكون متساوياً ومماثلاً. وهذه المساواة هي تجلٍّ من تجليات العدالة. وهذه المساواة توجد في بعض الصعد.
أو مثلاً لدينا «حقّ القَسْم»؛ أي إن الرجل الذي يمتلك عدة زوجات يجب عليه تقسيم الليالي وسائر الإمكانيات بين زوجاته بنحو متساوٍ. وفي هذا المورد تكون العدالة بمعنى المساواة مجدداً.
وقصدي هو أن المساواة في موارد خاصة قد تكون مواردها كثيرة جداً، كـ المساواة أمام القانون إلا في بعض الموارد الاستثنائية. لكن العدالة لا تمتلك مورداً خاصاً بل هي شاملة وتجري في كل مكان؛ إما بتلك التعبير الذي ذكُرتُه أو مجرد حدّ الأحكام بل وحتى أوسع من ذلك كـ رأي المرحوم السيد الصانعي الذي يرى العدالة جارية وسارية في كافة النظام الفقهي والنظام الإسلامي.
