قم – عقد معهد دراسات الفقه المعاصر، بالتعاون مع معاونية البحث بكلية الحقوق بمجمع فارابي الجامعي بجامعة تهران، ندوته العلمية الثالثة والتسعين بعد المائتين تحت عنوان «مسؤولية بيت المال تجاه دية شهداء الحرب». وعُقدت هذه الندوة بهدف دراسة الأبعاد الحقوقية والفقهية لدفع الدية لمضحّي الحرب المفروضة والمصابين في الحوادث المماثلة، بحضور أساتذة بارزين في الفقه والحقوق الإسلامية.
في بداية الندوة، أكد الدكتور أحمد حاجي ده آبادي، عضو الهيئة التدريسية بجامعة تهران ومقرر الندوة العلمي، على أهمية الموضوع ولزوم الاهتمام بحقوق المتضررين. وأشار إلى الخلفية التاريخية لجبر الأضرار الناجمة عن الجرائم، مبيناً أنه في الماضي كان التركيز الرئيسي ينصب على تعويض المجني عليهم المباشرين، ولكن مع التحولات الاجتماعية والحقوقية، برز دور الدول في هذا المجال بشكل أكبر.
مسؤولية بيت المال تجاه دية شهداء الحرب
استعرض المقرر العلمي سير تحول مفهوم جبر التعويض من قبل الدول على المستوى الدولي. وأشار الدكتور حاجي ده آبادي إلى التحولات التي تلت عامي ١٩٥٠ و١٩٦٠م، مؤكداً على أهمية تعويض ضحايا الجرائم بوصفه أحد المكونات الأساسية للسياسة الجنائية في كثير من الدول. وأوضح أن الاعتماد الصرف على قدرة الجاني في التعويض يواجه تحديات في حالات عديدة؛ إذ قد لا يُتعرف على الجاني أو لا يمتلك الملاءة المالية اللازمة. ويُسهم تعويض الدولة، إلى جانب إحقاق حق الضحية، إسهاماً كبيراً في الوقاية من الانتقام وتجنب وقوع الضحية في الجريمة مجدداً. وكان الاستشهاد بالقوانين في نيوزيلندا (١٩٦٣م) وإنكلترا (١٩٦٤م) كرواد لهذا النهج من النقاط الأخرى المطروحة.
وتطرق عضو الهيئة التدريسية بجامعة تهران إلى المبادئ الفقهية والحقوقية لدفع الدية من بيت المال في الإسلام، واستند إلى قواعد مثل «لا يبطل دم امرئ مسلم» و«لا يذهب حق امرئ مسلم»، مؤكداً على تأكيد الدين الإسلامي الحنيف على تعويض الضحايا. ثم تصدى لتصنيف حالات دفع الدية من بيت المال بناءً على القوانين الفعلية وشرح أربعة موارد من هذا التصنيف:
-
التصرفات غير العمدية لموظفي الحكومة: في الحالات التي يرتكب فيها موظفو الدولة تصرفات غير عمدية تؤدي إلى خسارة فرد أو شهادته، تكون الدولة مكلفة بتعويض الخسارة الناجمة عن هذه التصرفات.
-
استكمال دية الجاني (فاضل الدية): في الحالات التي لا يتمكن فيها أولياء دم المقتول من دفع “فاضل الدية” (الفارق في الدية في حال تفاوت دية المرأة والرجل أو القصاص)، تقوم الدولة عبر بيت المال بتأمين هذا المبلغ لتمكين تنفيذ حكم القصاص (موضوع المادة ٤٢٨ من قانون العقوبات الإسلامي).
-
الدفع المشترك للدية من قبل الجاني وبيت المال: في هذه الحالة، يُدفع جزء من الدية من قبل الجاني والجزء الآخر من بيت المال (مثل صندوق تعويض الأضرار البدنية). وعلى سبيل المثال، في الحالات التي تدفع فيها زوجة المقتول نصف دية الرجل، يُؤمن النصف الآخر من مصادر غير الجاني.
-
حلول بيت المال محل الجاني: يحظى هذا المورد بأهمية خاصة. ففي الظروف التي لا يُتعرف فيها على القاتل، أو يتعذر الوصول إليه بسبب الموت أو الفرار، ولا تكفي أموال الجاني أو العاقلة لدفع الدية، يتولى بيت المال مهمة دفع الدية. وقد توقع المشرع لدينا، إتباعاً لبعض الفقهاء، دفع الدية من بيت المال حتى في الجرائم شبه العمد والخطأ المحض في حال إعسار الجاني. وأكد الدكتور حاجي ده آبادي أن دفع الدية من بيت المال يُعد اليوم من المباحث المتكررة في المحاكم.
وانصرف المحور الرئيسي للبحث في الاستمرار نحو هذا السؤال المفصلي: هل تترتب الدية لشهداء الحرب المفروضة أيضاً؟ وفي هذا الصدد، جرى فحص اتجاهين رئيسيين:
-
أصل عدم الضمان: هل ينبغي الاعتماد على أصل عدم الضمان في خصوص ضمان بيت المال؟
-
ماهية دفع الدية: هل دفع الدية من بيت المال ذو ماهية “دَيْنِية” (دَيْن) أم “حماة/رعائية”؟
وأوضح الدكتور حاجي ده آبادي أن التركيز الرئيسي للبحث يدور حول الماهية “الدَيْنِية”؛ أي هل يمكن القول بالضمان وثبوت الدين على بيت المال؟ في المقابل، إذا اعتبرت ماهية هذه المدفوعات “حماية ورعاية”، فسيكون البحث أسهل؛ لأن بيت مال المسلمين قد أُعد لتأمين المصالح العامة للمسلمين، ومنها هذه المدفوعات.
وأشار في استمرار كلامه إلى برنامج «مشروع تعويض الإصابات الجنائية» في إنكلترا، طارحاً نقطة لافتة؛ إذ أعلنت الحكومة صراحة في هذا المشروع أنها ليست “مدينة” تجاه ضحايا الجرائم، بل تقدم مجرد “إعانة” ومساعدة. وإن هذا الاختلاف الماهوي يبرز لزوم الاهتمام به في مباحثنا الحقوقية والفقهية؛ إذ يكون الهدف تارة إيجاد تكليف على بيت المال، وتارة إيجاد دَيْن. وقد نوقشت هذه المسألة كمحور مهم في المباحث الآتية لهذه الندوة.
وفي استمرار الندوة، تصدى حجة الإسلام والمسلمين إبراهيم باقري، مدير قسم الفقه الجنائي بالمؤسسة العليا للفقه والعلوم الإسلامية، لشرح أبعاد جديدة لموضوع دفع الدية من بيت المال، ولا سيما في خصوص شهداء الحروب الأخيرة.
وأعرب حجة الإسلام والمسلمين إبراهيم باقري عن تقديره للقائمين على الندوة والحاضرين، وقدم إحصائية عن شهداء الحروب الثلاث الأخيرة (الحرب المفروضة من العراق ضد إيران، والحربين الأخيرتين المفروضتين من أمريكا والكيان الصهيوني) والتي بلغت في مجموعها ٣٦٩,٢٠١ شخصاً. وأكد أن الموضوع الرئيسي لهذا البحث هو “ثبوت” حق الدية على بيت المال، لا القدرة التنفيذية عليه. وأشار مدير قسم الفقه الجنائي بالمؤسسة العليا للفقه والعلوم الإسلامية إلى الخسائر الواسعة في الحرب الأخيرة (التي قُدرت بـ ٢٧٠ مليار دولار)، معترفاً بأن الحجم العالي للالتزامات المالية قد يوهم أن الدولة تعجز عن دفعها. ومع ذلك، اعتبر هذه المسألة شبيهة بوضع الأشخاص الحقيقيين المعسرين عن دفع الدية، وأكد على لزوم دراسة أصل “ثبوت” حق الدية.
ولفت مدير قسم الفقه الجنائي بالمؤسسة العليا للفقه والعلوم الإسلامية إلى وجود إبهامات جادة في الأبعاد الحقوقية، ولا سيما القانون الدولي في هذا المجال، داعياً معهد دراسات الفقه المعاصر والسيد شريفي إلى المساعدة في رفع هذه الإبهامات عبر عقد سلسلة ندوات متواصلة. وأشار الدكتور باقري بشكل خاص إلى مشاكل النيابة العامة للشؤون الدولية بتهران في دراسة هذا الموضوع، واعتبر أن إبهامات مثل المعاونة والمباشرة والتسبب وكذا الزامات القانون الدولي تتطلب دراسة تخصصية، ولا سيما بحضور متخصصين مثل الدكتور رُهائي.
وفي استمرار كلامه، جعل حجة الإسلام والمسلمين باقري المحور الرئيسي لحديثه هذا السؤال: هل دفع الدية من بيت المال جائز من المنظور القانوني والفقهي أم لا؟ ويُعد هذا السؤال مفتاح الدخول في مباحث حقوقية وفقهية أكثر عمقاً حول مسؤولية الدولة تجاه الضحايا والمصابين في الحوادث القهرية والحربية. وأكدت الأبعاد الواسعة والمعقدة للمسألة على ضرورة متابعة وتعميق البحوث في مجال القانون الدولي والفقه الإسلامي المرتبط بدفع الدية من بيت المال، وتطرق إلى فحص محورين أساسيين آخرين: شبهة محدودية موارد دفع الدية من بيت المال، والتعريف الفقهي لـ «الشهيد» وشمول الدية له.
دفع شبهة محدودية موارد دفع الدية من بيت المال:
برفضه لشبهة أن موارد دفع الدية من بيت المال محصورة في القانون ولم تُذكر فيها الموارد المتعلقة بشهداء الحرب، عقد مقارنة بين قانون العقوبات الإسلامي لعام ١٤١٢هـ (١٩٩١م) ولعام ١٤٣٤هـ (٢٠١٣م). وأظهر أن عدد الموارد المتوقعة لدفع الدية من بيت المال ارتفع من سبعة موارد في قانون ١٩٩١م إلى ستة عشر مورداً في قانون ٢٠١٣م. وهذا يدل على مرونة المشرع في إضافة موارد جديدة، ومن ثَمّ لا توجد مشكلة من هذا المنظور لإدراج دية الشهداء ضمن الموارد القابلة للدفع من بيت المال. وأضاف أنه في حال عدم قدرة الدولة على الدفع، فإن هذه المسألة ستكون قابلة للدراسة كغيرها من الحالات.
التعريف الفقهي لـ «الشهيد» وحق التمتع بالدية:
تطرق مدير قسم الفقه الجنائي بالمؤسسة العليا للفقه والعلوم الإسلامية إلى البحث الرئيسي حول شمول الدية لـ «الشهيد» أو عدم شمولها. واستناداً إلى النصوص الفقهية، قدم تعريفاً دقيقاً للشهيد في معركة الحرب، وأحصى ثلاثة شروط أساسية:
-
القتل في الحرب بأمر الحاكم الإسلامي: يشمل هذا الشرط الحرب الابتدائية والدفاعية، ويلزم إذن حاكم الشرع (المعصوم، أو النائب الخاص، أو النائب العام في بعض الآراء). وفيما يتعلق بالحرب الدفاعية، يرى بعض الفقهاء أن وجوب الدفاع يُسقط الحاجة إلى إذن الحاكم.
-
القتل «في سبيل الله»: يؤكد هذا الشرط على الدافع الإلهي للقتل، ولا ينبغي خلطه بحالات مثل القتل في الجماعات غير المشروعة.
-
الاتصاف بعنوان «المقاتل»: يجب أن يكون الفرد مصداقاً للمقاتل عرفاً، حتى وإن لم يكن مشغولاً بالقتال المباشر في لحظة الشهادة.
وأشار حجة الإسلام والمسلمين باقري إلى استفتائات مراجع التقليد العظام، مؤكداً على لزوم تحقق هذه الشروط لإطلاق عنوان «الشهيد»، وبالتالي فحص حق الاستحقاق للدية. وبيّن أن هذه المباحث الفقهية تشكل الأساس الحقوقي لبحث “ثبوت” الدية للشهداء، وشرح أبعاداً جديدة لمفهوم «الشهيد في المعركة» والإجابة عن الشبهات الفقهية حول نيلهم للدية.
توسعة مفهوم «الشهيد في المعركة» في الحروب الحديثة:
أشار مدير قسم الفقه الجنائي بالمؤسسة العليا للفقه والعلوم الإسلامية إلى تحولات ميدان الحرب، ومنها استخدام الصواريخ والهجمات الواسعة، مبيناً أن مفهوم «الشهيد في المعركة» يجب أن يتوسع أيضاً. وأضاف أن الأفراد الذين يتعرضون للهجمات الصاروخية، حتى وإن كانوا يؤدون الخدمة في الثكنات العسكرية أو المواقع الصاروخية أو مراكز الدفاع في البلاد، يمكن إطلاق عنوان «الشهيد في المعركة» عليهم بالنظر إلى نطاق أرض المعركة اليوم؛ بينما يحتاج وضع الأفراد المقيمين في منازلهم والذين استُشهدوا جراء القصف إلى دراسة وتحقيق.
وأكد أن هؤلاء الأفراد يفتقرون لعنوان «المقاتل»، وتثير هذه المسألة تحديات في شمول الدية لهم. ومع ذلك، استدل بأنه لا يمكن مجرد عدم إطلاق عنوان “المقاتل” على هؤلاء الأفراد سلب حق استحقاق الدية منهم. وإحدى الشبهات المطروحة هي أنه نظراً لأن مؤسسات مثل “مؤسسة الشهيد” تدفع رواتب تقاعدية/إعانات لهؤلاء الأفراد، فلا ينبغي أن تترتب لهم الدية.
ورفض حجة الإسلام والمسلمين باقري هذا الاستدلال وقدم دليلين رئيسيين:
-
تفاوت الماهية الحقوقية: تترتب الرواتب والخدمات وفقاً لـ «القانون الشامل لتقديم الخدمات للمضحين» لورثة مخصوصين (الزوجة، الأطفال، وفي بعض الحالات الوالدان)، وتختلف ماهيتها عن الدية التي تترتب على كل التركة وتخضع لأحكام الإرث والوصايا والديون. والديون مقدمة على الإرث والوصايا.
-
تفاوت النطاق: إن ترتيب أولويات المدفوعات (الأهم والمهم) بناءً على ظروف المجتمع والوضع الاقتصادي للبلاد أمر منفصل، ولا ينبغي أن يمنع من إحقاق حق الدية.
الإجابة عن شبهة عدم الحاجة للدية الدنيوية بسبب الأجر الأخروي:
طرح شبهة أنه لما كان للشهداء أجر أخروي عند الله («أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»)، فلا حاجة لهم لنيل الدية الدنيوية؛ ورفض هذا الاستدلال مبيناً أن القاعدة الفقهية «لا يبطل دم امرئ مسلم» تجري حتى في حق الشهداء. وأكد أن نيل الأجر الأخروي لا يمنع من إحقاق الحق المادي والدنيوي للفرد في قالب الدية.
نقد الدكتور أرسطا والدكتور رُهائي لمسؤولية الدولة في دفع دية شهداء الحرب
تحدث حجة الإسلام والمسلمين الدكتور جواد أرسطا، عضو الهيئة التدريسية بجامعة تهران، والدكتور رُهائي، بوصفهما ناقدين لهذا البحث، فطرحا مجموعة من الإيرادات الفقهية والمنهجية وانتقدا المبادئ وعنوان المسألة والأدلة المقدمة في التحقيق، مؤكدين على لزوم إعادة التعريف الدقيق للموضوع.
وفي بداية كلامه، أشار حجة الإسلام والمسلمين الدكتور جواد أرسطا، عضو الهيئة التدريسية بجامعة تهران، إلى كيفية الدخول في البحث قائلاً: «كان المتوقع من أستاذنا الشيخ باقري أن يؤسس أولاً قاعدة أو حكماً مفاده أن الدية يجب أن تُدفع من قبل الدولة الإسلامية، ثم يتناول الإشكالات المطروحة في هذا المجال ويجيب عنها». وأضاف أنه بدلاً من هذا التوجه، كان ينبغي الذهاب مباشرة إلى الأدلة وتوضيح ما إذا كانت الدولة الإسلامية مكلفة أساساً بدفع الدية في الفرض المبحوث أم لا.
وطرح عضو الهيئة التدريسية بجامعة تهران قاعدة أولية قائلاً: «ثبوت الدية يرتبط بـما إذا كان القتل منسوباً إلى شخص معين». وبحسب قوله، فإن الدية تتحدد موضوعيتها حيث يُنسب القتل إلى فرد مشخص؛ وبناءً عليه، في الفرض الذي لا يُنسب فيه قتل المتوفين/الشهداء إلى دولة إيران، فإن الدولة «لا تتحمل وظيفة قائمة على دفع الدية لعوائل المتوفين».
ثم أشار الدكتور أرسطا إلى أدلة استند إليها الباحث نفسه؛ ومنها إجماع الفقهاء على أن «الدية لا تثبت للمسلم الذي جُعل تترسة/ستراً للكفار». واستدل قائلاً: «إذا لم تثبت الدية للمسلمين الذين جُعلوا تترساً للكفار، فيمكننا القول في مورد المقتولين في الحرب الراهنة الذين يختلف وضعهم بمراتب عن الذين جُعلوا تترساً دفاعياً للكفار، بطريق الأولوية… بـ عدم ثبوت الدية على بيت مال المسلمين».
واعتبر السيرة المستمرة للمسلمين دليلاً مهماً آخر، وقال إن هذه السيرة كانت قائمة منذ زمن النبي الأكرم (ص) وأمير المؤمنين (ع) وتدل على «عدم دفع الدية لعوائل المسلمين الذين قُتلوا جراء الحرب أو قُتلوا جراء الغارات». وأوضح بالاستناد إلى كتاب الغارات أنه على الرغم من الغارات الواسعة في عهد أمير المؤمنين (ع)، «لم تُدفع دية لعوائل هؤلاء الأفراد الذين قُتلوا جراء هذه الغارات».
واستند الدكتور أرسطا أيضاً إلى الآية ٣٣ من سورة الإسراء: «وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»، مؤكداً أن هذه الآية «تدل على القصاص بالذات»، وأن تحويله إلى الدية «يحتاج إلى دليل ولم يُقم مثل هذا الدليل». وبحسب قوله، حتى لو تحول حق القصاص في بعض الحالات إلى الدية، فإن إطلاق الآية يُقيد بالسيرة المستمرة للمسلمين وعمل النبي (ص) وأمير المؤمنين (ع).
كما ناقش قاعدة «لا يبطل دم امرئ مسلم»، وقال إن هذه القاعدة لا تشمل شهداء/ضحايا الحروب مثل الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل؛ لأننا «لا نستطيع إسناد قتل هؤلاء الأفراد إلى الدولة الإسلامية». وبطبيعة الحال، تصرح بأنه إذا قصرت الدولة الإسلامية في تأمين الأمن، فحينئذٍ يمكن قبول الإسناد وتوجيه المسؤولية نحو الدولة.
واعتمد حجة الإسلام والمسلمين أرسطا على قاعدة «بيت المال معد للمصالح»، وذكر رواية من عهد أمير المؤمنين (ع) حول الشيخ الأعمى النصراني: «استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه… أنفقوا عليه من بيت المال». واستنتج من هذه الرواية أن بيت المال ليس مخصصاً للمسلمين أو المحتاجين فحسب، بل هو للمصالح العامة للمجتمع الإسلامي ويمكن أن يشمل دعم غير المسلمين المحتاجين أيضاً.
ومن جانبه، اعتبر حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سعيد رُهائي، أستاذ البحث الخارجي والأستاذ المشارك بجامعة مفيد، بوصفه الناقد الثاني للندوة، أن عنوان البحث فيه إشكال قبل الورود في الأدلة، وقال: «المسؤولية متوجهة للدولة أو الحاكم، وبيت المال هو مجرد محل الدفع». كما أكد أن تعبير «الشهداء» في عنوان البحث ليس له مدخلية في رأيه، وكان الأولى استخدام عنوان «ضحايا الحرب». وبحسب قوله، فإن كون الفرد “ضحية حرب” أو لا، لا يمنع من طرح بحث الضمان وجبر الخسارة.
وحذر أستاذ البحث الخارجي والأستاذ المشارك بجامعة مفيد بشأن المبنى الفقهي للمسؤولية، وقال إنه يجب أن يتضح على أي قاعدة تقوم هذه المسؤولية؛ لأن «الدولة ليست مُتلفة»، وفرض البحث هو أن الدولة الإسلامية كانت تقوم بواجبها وتعرَضت للهجوم. واعتبر أجواء الحرب مختلفة عن أجواء السلم، مؤكداً أنه في الحرب لا تجري قاعدة القصاص بالصورة المعتادة ولا تجب الدية بالضرورة.
وأشار في استمرار كلامه إلى المسؤولية الدولية للدول قائلاً: «المسؤولية الدولية متوجهة للدولة المعتدية، لا للدولة التي تعرضت للعدوان». وأضاف أنه في القانون الدولي الإنساني، إذا قُتل أفراد غير مقاتلين، فإن تعويض الخسارة يقع على عاتق الدولة المعتدية، ولكن في حقوق الإنسان، تجب على الدولة المُعتدى عليها حماية حقوق الأفراد تقديم المساعدات الرعائية؛ حتى وإن لم تكن هذه المساعدات “دية” بمعناها الفقهي.
وفي استمرار الندوة، تصدى حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمدي، بوصفه أحد الحاضرين في الندوة، لبيان وجهات نظره، وأكد في تحليله لمسؤولية الدولة تجاه ضحايا الحرب على لزوم إعادة النظر في المبادئ الفقهية والآثار العملية لهذا الموضوع. وأشار إلى فقدان المستندات التاريخية الكافية في مجال سيرة النبي (ص) والأئمة (ع) حول دفع الدية في الحالات المماثلة، واعتبر هذا الموضوع محل شك جاد.
وبيّن الدكتور محمدي: «لو كانت [سيرة دفع الدية في الحروب موجودة]، لَوصلت إلينا حتماً. فعدم وصولها دليل على عدم وجودها أساساً». وأكد بهذا الاستدلال على لزوم الاحتياط في الاستناد إلى موارد لا تمتلك سنداً تاريخياً متيناً.
كما طرح الباحث أسئلة حول تبعات قبول المسؤولية الكاملة للدولة لدفع الدية في سيناريوهات الحروب الواسعة، بما في ذلك استخدام أسلحة الدمار الشامل، قائلاً: «احسبوا لو أن العدو استخدم سلاحاً نووياً وقتل مئات الآلاف، فهل تقولون بمسؤولية الدولة عن دفع الدية لجميع هؤلاء؟ واقعاً لا يمكن هذا».
وواصل حجة الإسلام والمسلمين محمدي اعتبار قاعدة «بيت المال معد للمصالح» مبنىً لـ «الرعاية والدعم» للمتضررين، لا بالضرورة لـ «دفع الدية». وسعى لتعريف وظيفة الدولة في هذا المجال بتأمين المصالح العامة ودعم الأفراد المتضررين، لا أداء دَيْن الدية بمعناها الفقهي. وتنقل هذه الرؤية التركيز من المسؤولية الحقوقية للدولة نحو الوظائف الرعائية والاجتماعية.
وكذلك أكد حجة الإسلام والمسلمين الدكتور بای في هذه الندوة، بالإشارة إلى الاستدلالات المطروحة، على لزوم التفكيك بين أحكام القتل الفردي والجماعي في الحرب، وقال: «إن آيات مثل «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ» ناظرة إلى القتل الفردي والشخصي، لا القتل الجماعي في الحرب».
وأشار أيضاً إلى الروايات المتعلقة بشهادة المقاتلين وأضاف: «لم يجعل النبي (ص) دية للمقاتلين الذين يجاهدون في سبيل الله، بل اعتبر ذلك “تجارة” مع الله وقرر الأجر الأخروي لمجاهدتهم».
وأوضح حجة الإسلام والمسلمين باي أن بعض الاستدلالات القائمة على تدخل اولياء الدم في القصاص في الحالات الحربية، ولا سيما في معارك صدر الإسلام، غير مقبولة وتتنافى مع الطبيعة الفوضوية للحروب. وأكد على السيرة المستمرة للمسلمين والقواعد الفقهية المتعلقة بالأراضي المفتوحة قائلاً: «لم يحدث في أي مكان أن يستدعي النبي (ص) الأفراد واحداً تلو الآخر في الحرب ويطالبهم بالخسائر الواردة على الأموال أو النفوس».
وبحسب قوله، فإن هذه القواعد تشمل الإصابات البدنية (النفس وما دون النفس) والخسائر المالية (مثل الخيل، والجمال، والدروع و…)، وتصدق هذه السيرة في مورد الأسرى أيضاً؛ إذ أشار القرآن إلى «المنّ» أو «الفداء» في حق الأسرى لا إلى إجراء أحكام الديات. واختتم الدكتور باي بالتأكيد على أن عدم نقل بعض تفاصيل الحروب ليس دليلاً على عدم وجود السيرة أو الحكم، مشدداً على لزوم مراعاة هذه التفكيكات في المباحث الفقهية.
