إشارة: على الرغم من أن ختان الإناث يُعدّ موضوعاً قديماً في الفقه الإسلامي وحظي بالسؤال والنقاش منذ عهد الرسول الأكرم (ص)، إلا أنه لا يزال ينشأ حوله البحث والتداول بين الفينة والأخرى في الوسط الفقهي. فمن جهة، يراه البعض نوعاً من الظلم والجناية بحق النساء، ومن جهة أخرى، يعتبره آخرون أمراً مستحسناً ومفيداً للفتيات. وإلى جانب المذاهب الفقهية، توجد آراء مختلفة حول ختان الفتيات بين المجتمعات والأقوام المتنوعة. وفيما يلي تقرير عن أهم فتاوى المذاهب الإسلامية حول هذه المسألة:
أ) الإمامية
ينبغي دراسة رؤية فقهاء الإمامية في عدة حقب تاريخية:
حقبة المتقدمين (القرون الإسلامية الأولى)
في هذه الحقبة، اعتبر بعض فقهاء الشيعة ختان الإناث مستحباً استناداً إلى بعض الروايات. وعلى سبيل المثال، نُقل حديث عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: «الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء». وقد ذُكر هذا الحديث في مصادر مثل «الكافي» للشيخ الكليني.
الحقبة المتوسطة (القرون الإسلامية الوسطى)
تفاوتت آراء الفقهاء في هذه الحقبة حول ختان الإناث. فبينما اعتبره بعضهم مستحباً استناداً إلى الروايات، يرى آخرون بالنظر إلى عدم وجود دلائل قطعية وكذا بالنظر إلى الأضرار المحتملة، أنه غير مستحب بل اعتبروه مكروهاً. وعلى سبيل المثال، تناول الشهيد الثاني في كتاب «مسالك الأفهام» دراسة هذا الموضوع وطرح الآراء المختلفة حوله.
الحقبة المعاصرة
في الحقبة المعاصرة، صرح بعض الفقهاء بمعارضتهم لختان الإناث. وعلى سبيل المثال، اعتبر آية الله السيد علي السيستاني في إجابته عن استفتاء بهذا الخصوص أن ختان الإناث ليس سنة ولا مستحباً، مبيناً أن بعض الروايات تدل أيضاً على اختصاص الختان بالذكور ونفي كونه سنة للفتيات.
كما بيّن آية الله بيات زنجاني في إجابته عن استفتاء حول ختان الإناث: «موضوع الختان في الفقه مختص بالذكور، وليس للنساء شيء يُسمى الختان».
ب) الشافعية
في المذهب الشافعي، يُعرف ختان الإناث بوصفه عملاً مستحباً يتوقف الالتزام به على ظروف خاصة. وقد تطرق الإمام الشافعي في آثاره الفقهية، ومنها كتاب «الأم»، إلى أن ختان الإناث يُعدّ سنة معروفة في بعض المجتمعات الإسلامية. وكان هذا العمل يُعتبر في المجتمعات الإسلامية، ولا سيما في العصور القديمة، رمزاً للنظافة وحفظ العفاف.
الأحاديث المستندة في الفقه الشافعي
يستند الفقه الشافعي لتأييد استحباب ختان الإناث إلى أحاديث تُؤكد على ألا يكون هذا العمل ضاراً. ومنها الحديث الذي قال فيه نبي الإسلام (ص):
«إذا خَتَنْتِ المرأةَ، فلا تُنْهِكِي؛ فإنَّ ذلك أحظى لها وأحبُّ للبعلِ» (أبو داود، ١٩٩٩، الحديث رقم ٥٢٧١).
وفي هذا الحديث، أوصى النبي (ص) بألا يؤدي ختان الإناث إلى الضرر، وأن يُنجز هذا العمل بدقة واحتياط.
فتوى الإمام الشافعي
يؤكد الإمام الشافعي أن ختان الإناث لا يُنجز إلا في ظروف يكون الهدف منها مراعاة السنة، ولا ينبغي أن يؤدي إنجازه إلى الإضرار بصحة الفرد (الشافعي، ٢٠٠٠). وفي هذه الرؤية، يُقدم الختان كسنة تساعد على النظافة والعفاف، غير أنه ليس واجباً.
الأدلة الفقهية وأصول الشافعية
يعتبر المذهب الشافعي ختان الإناث مستحباً للأسباب التالية:
-
حفظ النظافة: يساعد هذا العمل على مراعاة النظافة والصحة، وهو أحد الأهداف الشرعية (النووي، ٢٠٠٣).
-
حفظ العفاف: يعتقد بعض علماء الشافعية أن ختان الإناث يمكن أن يلعب دوراً في ضبط الشهوة (الشافعي، ٢٠٠٠).
-
عدم الضرر: تؤكد القاعدة الفقهية «لا ضرر ولا ضرار» على أنه لا ينبغي لأي عمل ديني أن يؤدي إلى أذى جسدي أو نفسي (أبو داود، ١٩٩٩).
رؤية علماء الشافعية المعاصرين
في العصر الراهن، يؤكد العديد من علماء الشافعية، مثل العاملين في المجامع الفقهية في مصر وإندونيسيا وماليزيا، على أن ختان الإناث لا يجوز إلا في حالة عدم وجود الضرر الجسدي والنفسي. وقد تصدى هؤلاء العلماء لإعادة النظر في هذه السنة وتطبيقها مع الأصول العامة للشريعة، بما في ذلك حفظ الكرامة الإنسانية (النووي، ٢٠٠٣).
ج) المالكية
في الفقه المالكي، لا يُعتبر ختان الإناث واجباً بشكل عام، وتُرِك أمره غالباً للظروف الثقافية والاجتماعية للمجتمع. ويرى علماء المالكية أن هذا العمل ليس ضرورة شرعية ولا سنة واجبة، بل يُطرح بوصفه عملاً مباحاً واختيارياً. وفي الواقع، تؤكد هذه الرؤية على أصل عدم الإضرار ومراعاة مصلحة الفرد.
الأحاديث المرتبطة في الفقه المالكي
بخلاف المذاهب الأخرى، يرى المالكية أنه لا يوجد نص قرآني أو حديث صريح يدل على وجوب ختان الإناث. وفي حديث النبي (ص): «إذا خَتَنْتِ المرأةَ، فلا تُنْهِكِي؛ فإنَّ ذلك أحظى لها وأحبُّ للبعلِ» (أبو داود، ١٩٩٩، الحديث رقم ٥٢٧١)، أوضح العلماء أن هذا الحديث، أكثر من كونه حكماً إلزامياً لختان الإناث، هو تأكيد على كيفية إجراء هذا العمل دون إضرار (ابن رشد، ٢٠٠٤).
رؤية أعيان علماء المالكية
-
الإمام مالك بن أنس: في كتاب «الموطأ»، لم يصرح الإمام مالك بوجوب ختان الإناث أو استحبابه. وهو يرى أن هذا الموضوع يرتبط أكثر بالعادات والتقاليد الثقافية، ويجب اجتنابه إذا كان يسبب الضرر (مالك بن أنس، ٢٠٠٣).
-
ابن رشد في كتاب «بداية المجتهد»: يوضح ابن رشد أن ختان الإناث في الفقه المالكي يرتبط أكثر بالمسائل العرفية والعادات الإقليمية. ويؤكد أنه إذا كان هذا العمل شائعاً في مجتمع ما ويُجرى دون ضرر، فيمكن إنجازه كعمل مباح. أما إذا وُجد احتمال الضرر الجسدي أو النفسي، فلا يجوز إنجازه (ابن رشد، ٢٠٠٤).
المبادئ الفقهية للمالكية
يقوم الفقه المالكي على أصول من قبيل “جلب المنفعة ودفع الضرر” و”رفع الحرج”. وبناءً على ذلك:
-
عدم الوجوب: ختان الإناث ليس واجباً ويُعرف كعمل مباح.
-
اتباع العرف: في المناطق التي يُشكل فيها هذا العمل جزءاً من العرف الاجتماعي، لا مشكلة في إنجازه، بشرط ألا يؤدي إلى الضرر.
-
قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»: أي عمل يترافق مع أذى جسدي أو نفسي فهو ممنوع في الفقه المالكي (مالك بن أنس، ٢٠٠٣).
رؤية علماء المالكية المعاصرين
في الحقبة المعاصرة، درس علماء المالكية، ولا سيما في الدول الأفريقية التي يشيع فيها ختان الإناث، هذا الموضوع من المنظور الطبي وحقوق الإنسان أيضاً. وأكدوا على أنه لا ينبغي اعتبار ختان الإناث إجبارياً، وفي حال وجود المخاطر أو الأذى، ينبغي الامتناع عنه تماماً (القرضاوي، ٢٠١٠).
د) الحنابلة
في الفقه الحنبلي، يُعرف ختان الإناث بوصفه سنة مستحبة، وتُقيد شريطة ألا يترافق مع أذى جسدي أو نفسي. واعتبر علماء الحنابلة الختان واجباً للرجال ومستحباً للنساء. وتستند هذه الرؤية إلى النصوص الشرعية، والأصول الفقهية، والعادات الاجتماعية لبعض المجتمعات الإسلامية.
الأحاديث المرتبطة بختان الإناث
يستند علماء الحنابلة إلى أحاديث تقدم ختان الإناث كعمل مستحب. ومن الأحاديث المشهورة المطروحة في هذا المجال حديث «إذا خَتَنْتِ المرأةَ، فلا تُنْهِكِي؛ فإنَّ ذلك أحظى لها وأحبُّ للبعلِ» (رواية أحمد بن حنبل، ١٩٩٨).
وفي هذا الحديث، أوصى النبي (ص) بألا يكون ختان الإناث بنحو يؤدي إلى الأذى. وقد أُكد على هذا النهج في الفقه الحنبلي أيضاً.
رؤية أعيان علماء الحنابلة
-
الإمام أحمد بن حنبل: اعتبر الإمام أحمد، مؤسس المذهب الحنبلي، ختان الإناث عملاً مستحباً، وبيّن أن هذا العمل يمكن أن يُجرى في المجتمعات التي يسهم فيها بإشاعة النظافة وحفظ العفاف (ابن قدامة، ٢٠٠٤).
-
ابن قدامة في كتاب «المغني»: يعتبر ابن قدامة ختان الإناث سنة مستحبة، ويؤكد على ضرورة إنجازه بنحو لا يضر بصحة الفرد. ويقول: «ختان النساء ليس بوجوب كالرجال ولكنه مكرمة وسنة مستحبة يُنصح بها في حال عدم الضرر» (ابن قدامة، ٢٠٠٤).
المبادئ الفقهية للحنابلة
يعتبر الفقه الحنبلي ختان الإناث مستحباً بناءً على الأصول التالية:
-
حفظ النظافة: يُعد الختان جزءاً من أعمال الطهارة والنظافة في الفقه الإسلامي (ابن قدامة، ٢٠٠٤).
-
حفظ العفاف: يعتقد علماء الحنابلة أن ختان الإناث يمكن أن يلعب دوراً في ضبط الشهوة، بشرط ألا يؤدي إلى الإفراط أو الأذى.
-
أصل منع الضرر: في حال تسبب ختان الإناث بضرر جسدي أو نفسي، فلا يجوز إنجازه؛ لأن قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» الحاكمة في الشريعة الإسلامية هي الفاصلة (ابن تيمية، ١٩٩٨).
رؤية علماء الحنابلة المعاصرين
أكد علماء الحنابلة المعاصرون، ولا سيما في الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية، استناداً إلى ظروف العصر، على أنه لا ينبغي أن يكون ختان الإناث إجبارياً، ويمكن إنجازه فقط إذا كان آمناً بناءً على الأصول الطبية. ومنهم الشيخ ابن باز والشيخ صالح الفوزان اللذان أكدا على لزوم اجتناب الضرر الجسدي والنفسي (الفوزان، ٢٠١٠).
هـ) رؤية المذهب الحنفي بشأن ختان الإناث
في المذهب الحنفي، لا يُعدّ ختان الإناث واجباً بشكل عام ولا سنة مؤكدة. وقد قبل علماء الحنفية هذا العمل كسنة شائعة في بعض المجتمعات الإسلامية؛ غير أنهم وضعوه في زمرة الأعمال التابعة للعرف والظروف الاجتماعية. وبخلاف ختان الرجال الواجب، لا توجد لختان الإناث توصية خاصة في الفقه الحنفي، ويتركز التأكيد أكثر على منع الضرر ومراعاة أصول الشريعة.
الأحاديث المرتبطة بختان الإناث
يستند علماء الحنفية لهذا الموضوع إلى أحاديث تركز أكثر على كيفية إجراء الختان ومنع الضرر. ومن الأحاديث المشهورة المذكورة في هذا المجال حديث «إذا خَتَنْتِ المرأةَ، فلا تُنْهِكِي؛ فإنَّ ذلك أحظى لها وأحبُّ للبعلِ» (أبو داود، ١٩٩٩، الحديث رقم ٥٢٧١).
ويؤكد هذا الحديث على نقطة مفادها أنه إذا أُجري ختان الإناث، فيجب أن يكون بنحو لا يؤدي إلى الأذى ويبقى في حدود حفظ النظافة.
رؤية أعيان علماء الحنفية
-
الإمام أبو حنيفة: لم يعتبر الإمام أبو حنيفة، مؤسس المذهب الحنفي، ختان الإناث واجباً في أي من آثاره. وهو يربط هذا العمل بالعرف والعادات المحلية، ويرى أن ختان الإناث لا يُجرى إلا إذا لم يترافق مع أي ضرر (الكاساني، ١٩٨٦).
-
الكاساني في كتاب «بدائع الصنائع»: يوضح الكاساني أن ختان الإناث ليس من الواجبات ولا المستحبات المؤكدة، بل هو سنة تابعة للظروف الثقافية والاجتماعية. ويؤكد أنه لا ينبغي إجراء هذا العمل إلا إذا كان فيه نفع للفرد ويُمنع فيه أي أذى (الكاساني، ١٩٨٦).
المبادئ الفقهية للمذهب الحنفي
يدرس الفقه الحنفي ختان الإناث بناءً على الأصول التالية:
-
أصل العرف: في المذهب الحنفي، يتوقف إجراء ختان الإناث أو عدمه على عرف المنطقة وثقافتها، ولا ضرورة له في المناطق التي لا يشيع فيها هذا العمل (السرخسي، ١٩٩٣).
-
عدم الوجوب: بخلاف ختان الرجال الواجب، فإن ختان الإناث ليس واجباً من منظور الفقه الحنفي، ويُطرح فقط كعمل مباح في بعض المجتمعات الإسلامية.
-
منع الضرر: يؤكد علماء الحنفية على أنه لا ينبغي لختان الإناث أن يؤدي إلى أذى جسدي أو نفسي، وأي عمل ضار فهو ممنوع (السرخسي، ١٩٩٣).
رؤية علماء الحنفية المعاصرين
يرى علماء الحنفية المعاصرون أن ختان الإناث، ولا سيما في مجتمعات اليوم، لا ضرورة له، وإذا وُجد احتمال الضرر الجسدي أو النفسي فإن هذا العمل حرام. وبعض علماء الحنفية في الدول الإسلامية مثل الهند وباكستان لا يوصون أساساً بإجراء هذا العمل، إلا في ظروف يستدعيها العرف المحلي أو الضرورة الطبية.
المصادر والمراجع:
-
الشافعي، الإمام محمد بن إدريس. الأم. دار الفكر، بيروت، ٢٠٠٠م.
-
أبو داود، سليمان بن الأشعث. سنن أبي داود. دار السلام، الرياض، ١٩٩٩م.
-
ابن حجر العسقلاني. فتح الباري شرح صحيح البخاري. دار المعرفة، بيروت، ١٩٨٦م.
-
النووي، يحيى بن شرف. المجموع شرح المهذب. دار الفكر، بيروت، ٢٠٠٣م.
-
مالك بن أنس. الموطأ. دار الغرب الإسلامي، بيروت، ٢٠٠٣م.
-
ابن رشد. بداية المجتهد ونهاية المقتصد. دار الكتب العلمية، بيروت، ٢٠٠٤م.
-
القرضاوي، يوسف. الفقه المعاصر. دار القلم، القاهرة، ٢٠١٠م.
-
ابن حنبل، أحمد. المسند. مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٩٩٨م.
-
ابن قدامة، عبد الله بن أحمد. المغني. دار الكتب العلمية، بيروت، ٢٠٠٤م.
-
ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. مجموع الفتاوى. دار السلام، الرياض، ١٩٩٨م.
-
الفوزان، صالح. الملخص الفقهي. دار ابن الجوزي، الرياض، ٢٠١٠م.
-
الكاساني، علاء الدين. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٦م.
-
السرخسي، شمس الدين. المبسوط. دار المعرفة، بيروت، ١٩٩٣م.
-
ابن عابدین، محمد أمين. رد المحتار على الدر المختار. دار الفكر، بيروت، ١٩٩٢م.
