الدكتور رحيم نوبهار:

حق الكرامة والمساواة الإنسانية من منظور الفقه/6

السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل الكرامة من جنس الحق؟ ورد في مقدمة وثيقة حقوق المواطنة ذکر الكرامة بوصفها أصلاً، وپبدو أن هذا التعقيب أكثر صواباً.

صرح أستاذ القانون بجامعة الشهيد بهشتي: يجب أن ننتبه إلى أن الكرامة الذاتية بمثابة أمر معياري؛ أي إن المقولة التي نتعامل معها في طرح حقوق الإنسان وحقوق المواطنة هي أنه يجب أن يمتلك الإنسان الكرامة وأن يكون التعامل مقترناً بالكرامة.

أفاد موقع “الفقه المعاصر” نقلاً عن موقع “عطنا”، أنه في استمرار سلسلة الندوات التخصصية لإعادة قراءة وثيقة حقوق المواطنة المقامة برعاية أمانة المؤتمر الدولي، عُقدت الندوة الرابعة في مبنى الأرشيف لمنظمة الوثائق والمكتبة الوطنية.

وفي هذه الندوة، أوضح حجة الإسلام والمسلمين رحيم نوبهار، عضو الهيئة التدريسية بجامعة الشهيد بهشتي، أن تعبير “الحق” بالنسبة للكرامة الإنسانية تعبير غير سديد، صريحاً: السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل الكرامة من جنس الحق؟ ورد في مقدمة وثيقة حقوق المواطنة ذكر الكرامة بوصفها أصلاً، وپبدو أن هذا التعقيب أكثر صواباً.

وأضاف: في الماضي كان التكليف والمسؤولية هو الخطاب المهيمن، وكان الحديث يجري في علاقات الدولة والمواطنين والعلاقات الاجتماعية عن مسؤولية وتكليف البشر، أما في العصر الحديث فيجري الحديث عن حقوق المواطنين.

ومؤكداً على أنه من الواضح أن لغة الحق هي الغالبة لأن خلف تعبير الحق ولا سيما إهدار الحق يوجد مفهوم أخلاقي، لفت نوبهار إلى أن: عندما نلبس شيئاً ما لبوس الحق، فإن نقضه يصبح إشكالياً وموضع تساؤل. وتوجد لدينا رغبة حتى في إلباس المصالح والمنافع والقيم لبوس الحق لأننا نستطيع التواصل معها بشكل أفضل، غير أنه يجب علينا في الوقت نفسه الانتباه إلى أن هذا الأمر قد يحمل تبعات غير مطلوبة.

وصرح أستاذ القانون بجامعة الشهيد بهشتي بأننا نواجه حالياً تضخماً في الحقوق قائلاً: يعتبر مفكرو القانون هذا التضخم بمثابة تحذير، ويرونه نوعاً من الآفة التي قد تصيب حقوق الإنسان؛ أي إننا قد نواجه تضخماً في الحقوق بنحو نستطيع من جهة تصنيف الحقوق ومن جهة أخرى تتلاشى أهمية الحق.

ومبيناً أنه بالنظر إلى تعريف الحق، فإن الكرامة الإنسانية أمر سابق على الحقوق؛ أي إنها أصل وقاعدة بنيوية، قال نوبهار: إذا قرأت الجمل الافتتاحية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان فلن تجد في أي مكان أن الكرامة الإنسانية حق، وتقول الجمل الافتتاحية للوثيقة إن السلام والمساواة والحرية هي أساس كرامة الإنسان.

ولفت إلى أن الكرامة ملازمة لذات الإنسان وجوهره، مذكرين: عندما نقبل بالكرامة الذاتية، فهذا يعني أننا اعترفنا بالإنسان، لا بالمسلمين أو مجتمع المؤمنين فحسب. فالإنسان المجرم لا يفقد كرامته. ونستطيع معاقبة الإنسان المجرم في إطار سياق أُشير إليه في الفصول القادمة للوثيقة.

وأضاف: العقوبة مهمة، ولا ينبغي إطلاق عنوان التعديب/الشكنجة عليها، ولا يمكن أن تكون العقوبة مهينة إلى درجة تلغي إنسانية الإنسان.

دون الكرامة، لا معنى لحقوق الإنسان وحقوق المواطنة

مؤكداً على أنه إذا سحبت كرامة الإنسان من حقوق الإنسان وحقوق المواطنة فكأنك جففت جذور شجرة، تصريحاً: عندما نقول من الناحية الأنثروبولوجية إننا نعتبر الإنسان كائناً مقدساً أو خلق على صورة الله، فإن هذه المفاهيم كلها أوصاف. وهذه المقولات ليست “معيارية إيجابية” بل “وصفية واقعية”.

وأضاف نوبهار: يجب أن ننتبه إلى أن الكرامة الذاتية بمثابة أمر معياري؛ أي إن المقولة التي نتعامل معها في طرح حقوق الإنسان وحقوق المواطنة هي أنه يجب أن يمتلك الإنسان الكرامة وأن يكون التعامل مقترناً بالكرامة.

وواصل حديثه قائلاً: الحق أمر اعتباري، غير أن العديد من هذه الأمور تعود بنسبها إلى الحقائق. لماذا نعتبر حاصل كد العامل ملكية له؟ هذا الاعتبار مصدري ولكنه يضرب بجذوره في الواقع. ولو اعتبرتُ حاصل كدك ملكاً لشخص آخر فلن يقبل المجتمع ذلك؛ ومن هنا توجد رابطة بين عالم الكائنات وعالم الاعتباريات.

ومبيناً أن الكرامة ثابتة للإنسان حتى الإنسان المجرم، لفت عضو الهيئة التدريسية بجامعة الشهيد بهشتي إلى أنه: يجب أن ندقق أنه إذا تحدث شخص باسم الدين عن الكرامة مثل أن الملائكة سجدت بين يدي الله و… فإن هذه الأوصاف الأنثروبولوجية ما لم تلبس لبوس المعيار فلا يمكن استخدامها على مستوى الأمر القانوني.

الكرامة تقترن بالمساواة

وطارحاً هذا السؤال: هل الكرامة الذاتية للإنسان هي نفسها مسألة المساواة؟ قال: من حيث اللفظ والمفهوم فهما مختلفان، غير أنه يجب أن نتذكر أن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تبتعد عن المساواة. فإذا ميزت بين الأفراد بناءً على جنسهم أو عرقهم فهذا يعني أنك تتجاهل الأصل الإنساني، ويقول مفسرو حقوق الإنسان إنه ينبغي تفسير أصل الكرامة البشرية في أجواء المساواة.

لا نملك “حقوق إنسان إسلامية”

ومبيناً أنه طريق خاطئ أن نميز بين البشر بشعار حقوق الإنسان ونضع تاج الكرامة على رؤوسهم بناءً على عقائد فئة ما، تصريحاً: إذا أثبتنا اليوم استناداً إلى الآيات والنصوص المقدسة كرامة المؤمنين وأخرجنا الآخرين من دائرة الإنسانية، فأنا أطلب ألا يُدرجوا مباحث هذا المجال في حقل حقوق الإنسان أساساً، ولا يطلقوا اسم حقوق الإنسان الإسلامية عليها؛ لأن حقوق الإنسان تعني الاعتراف بالإنسان والسعي لإيجاد السلام والتوافق بين البشر.

وأضاف: إذا أعطينا الكرامة الإنسانية شأناً حقوقياً فقد قللنا حتماً من اعتبارها، بل هذا يعني بنحو ما أننا أقررنا لها بشأن أعلى من الأمر الحقوقي، وهذا ينطبق على الحرية أيضاً.

وأشار نوبهار إلى التجريدية في مفهومي الحرية والكرامة وقال: يصبح إبهام المفاهيم التجريدية أحياناً وباءً لها؛ فيتخذ البعض من إبهامها ذرائع لردها مما يمكن أن يُعد تحدياً للكرامة أو الحرية. غير أنه يجب الانتباه إلى أن بعض المفاهيم تجريدية وغير قابلة للتحديد في جوهر ذاتها. وعلى سبيل المثال هل يوجد إجماع في المفهوم الأكثر بنيوية في فلسفة الأخلاق أي الخير والشر؟

ومبيناً أن الكرامة الإنسانية بمثابة المصفاة، قال أستاذ القانون بجامعة الشهيد بهشتي: يترتب على الفقيه في رأيي إمرار أحكامه من هذه المصفاة؛ أي إذا لم يمر حكم من هذه المصفاة فلا يمكن أن يكون حكم الشارع؛ لأننا أمام ثنائية هنا. فكيف يمكن لله أن يمنح الكرامة لجميع البشر ثم يأتي في قالب مقولة فقهية ويسلب هذه الكرامة؟

الدولة والحرية

وتطرق في الاستمرار إلى الحرية السلبية والإيجابية في المجتمع وقال: إن وظيفة من يلتزم بمراعاة حريتنا هي عدم الفعل؛ أي لكي تستطيع كـ مواطن استيفاء حريتك، لا تحمل الدولة والمجتمع وظيفة سوى عدم التدخل؛ أما في الحقوق الإيجابية فيجب على الدولة والمجتمع التحرك والإقدام. وعلى سبيل المثال إذا أرادت مجموعة ممارسة الاحتجاج المدني، فيجب على الدولة الراعية للمواطنين تأمين أمنهم.

ومبيناً أنها كانت مبادرة إيجابية أن يجري الاقتران بين الحرية والأمن بالنظر إلى المجتمع الإيراني، لفت أستاذ القانون بجامعة الشهيد بهشتي إلى أن: للأسف، الفهم الموجود عن مفهوم الأمن هو فهم اجتماعي لا فردي؛ أي عندما نقول الأمن يجري الحديث عن أمن المجتمع؛ فما هو أمن الفرد إذن؟ لقد أُكد في القرآن على التأمل في مدى السكينة والاطمئنان لدى أفراد المجتمع.

تقرير المصير من البديهيات

ولفت إلى أنه كان الأولى أن يأتي حق المشاركة في تقرير المصير بعد حق الكرامة، مذكرين: بناءً على التفسير الشائع لأصل كرامة الإنسان بالمعنى المعياري، فإن الإنسان كائن يستطيع اتخاذ القرار بشأن نفسه ومجتمعه، وكون الإنسان يستطيع تقرير مصيره هو من البديهيات. فالإنسان عبد الله، غير أن الله وكل إلينا تقرير المصير.

ومبيناً في الاستمرار: ما هي العلاقة الحقوقية التي يمتلكها البشر المولودون في أرض ما مع تلك الأرض؟ قال: لماذا لا نستطيع الآن سلب المواطنة عن فرد أرمني؟ لأن أفراد البشر المولودين في أرض ما يمتلكون نوعاً من الملكية المشاعة عليها. وقد يُدفن الفرد الذي ارتكب جريمة وإعداماً في هذه الأرض في هذه الأرض نفسها، ولكن إذا كنتم لا تقرون بالملكية فنحن نستخدم أدبيات الحق.

وأضاف: قال المرحوم الشيخ الأنصاري إن الحق مرتبة أضعف من الملكية. وقد يكون الحق في بعض المصاديق مثيراً للنزاع، ولكن إذا لم تقبلوا الملكية فاقبلوا الحق. وحق الاختصاص يعني أنني بوصف مولود في أرض إيران أمتلك اختصاصاً أكثر بهذه التربة مقارنة بشخص ولد في بلد آخر.

ومبيناً أن الله ألقى على عاتقنا وظيفة عمارة الأرض التي ولدنا فيها، قال نوبهار: إذا قلتم إن هذه الأرض لله ثم لولي الله، والولي يتصرف في الأرض كيفما يشاء؟ أولاً ليست كافة الأمور والتدابير من سنخ الأمر الديني. وهذا هو حق تقرير المصير؛ أي إننا إما مالكون لهذه الأرض وإما يثبت لنا الحق على نحو الأشاعة ونحن مكلفون بعمارتها.

وأضاف: عندما لا أتدخل في عمارة هذه الأرض، فأنا غير فاعل في أدبيات حقوق المواطنة؛ أما في الأدبيات الدينية فأنا لم أترك حقي فحسب بل أُقصر في تكليفي أيضاً.

ومؤكداً على أن الإدارة الرشيدة وحسن التدبير يُعبر عنهما تماماً بـ الحق، قال أستاذ القانون بجامعة الشهيد بهشتي: غير أن المواد التي تبرز تحت البند الثالث للوثيقة هي أن حق الإدارة اتجه كثيراً نحو المجال العام وتركز في مسألة الانتخابات. والتأكيد على الانتخابات بوصفها مؤشراً للديمقراطية يحفظ أهميته، ولكن لا ينبغي أن ننسى أنه عندما نتحدث عن حق المشاركة في تقرير المصير فهذا يعني أن البشر يستطيعون تنظيم المجال الخاص لحياتهم أيضاً.

وطارحاً هذا السؤال: ما هي المستلزمات المطلوبة لإقامة انتخابات منصفة؟ قال: إحدى هذه الاحتياجات وجود مجال عام حر من التدخلات الحكومية؛ مجال يجتمع فيه المواطنون والمجتمع المدني ويتناولون الحوار حول الخير المشترك. ومخرج هذه الحوارات هو الرأي العام. وكلما زادت الحوارات، كانت حصيلة الرأي العام معقولة وموجهة ومقترنة بالاستدلال وأبعد عن الأجواء العاطفية.

وحول المادة ١١ من وثيقة حقوق المواطنة التي تشير إلى مشاركة النساء في مختلف الساحات، قال: إذا كنا نتحدث عن الكرامة وحق الملكية وحق تقرير المصير فهذه حقوق لا تعرف الجنسية، وإذا امتلكنا رؤية جنسوية فستفقد ماهيتها. إن العديد من التفاوتات الموجودة في النصوص الدينية في باب حقوق الرجل والمرأة هي تفاوتات اجتماعية؛ أي إنها ليست تفاوتات ذاتية بل ذات وجه تاريخي واجتماعي.

واختتم نوبهار قائلاً: الأصل هو أن الإنسان بما هو إنسان يمتلك حقوقاً وتكاليف متساوية، ومدعي التمييز هو من يجب عليه إقامة الدليل المتين الذي يخرجنا عن مقتضى الأصل أي المساواة. وفي العديد من هذه التفاوتات لا توجد دلائل فقهية متينة بل كانت هذه التفاوتات مقبولة من الناحية الاجتماعية في العصور الماضية.