يدور الخلاف بين فقهاء الشيعة في أن الكرامة التي يقر بها الإسلام للإنسان، هل هي لمطلق الإنسان أم لخصوص المؤمنين والمسلمين؟
يرى العديد من الفقهاء أن الكافر لا يمتلك أي حرمة أو كرامة، والأصل في غير المسلم هو عدم الكرامة ما لم يُقم دليل خاص.
في المقابل، وجد من بين فقهاء الشيعة من يرى ظاهراً أن مطلق الإنسان يمتلك كرامة من منظور الإسلام؛ وأن نفي الكرامة هو ما يحتاج إلى دليل خاص. ولعلهم اعتبروا الموارد التي أمر الإسلام فيها بالقتل والإسار (أي نوع من هتك حرمة الكفار) ناظرة إلى ظروف خاصة (على سبيل المثال، ناظرة إلى أجواء الحرب وفي خصوص الكافر الحربي الذي دخل في حرب مع المسلمين)؛ ومن هنا اعتبروا إكرام غير المسلم في الظروف العادية جائزاً بل مستحباً (وبطبيعة الحال لا ينبغي أن يكون هذا الإكرام بنحو يُتوهم معه أن إلحاده وكفره محترم؛ إذ لا احترام لكفره قطعاً)؛ كما أن الشهيد الثاني مثلاً بيّن جواز الوقف على غير المسلمين (في غير الموارد التي تؤدي إلى تقوية دينهم أو استخدامها في المصارف المحرمة كشرب الخمر و…) مستنداً إلى أنهم أيضاً من بني آدم الذين حظوا بالتكريم (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج ٣، ص ١٨٠).
وربما يعُد المرء هذه الآية (مع التأكيد على جملتي «وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا» و«وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا») من مؤيدات عمومية كرامة البشر؛ لأنها أولت اهتماماً لحق الأزواج الكفار الذين فارقتهن زوجاتهم؛ أي إنها في عين إبطال عقد زواجهن من المسلمين، تتصدى لتدارك الحقوق التي تحملوها لهذا الزواج (ولا سيما المهر)؛ في حين لو لم تكن تقر بأي كرامة للكافر لكان بإمكانها القول إنه حيث لا كرامة له فالآن وقد تضرر فلا حرمة لأمواله أيضاً ولا نعترف له بأي حق.
غير أنه يمكن المناقشة في هذا المدعى بأن هذا الحكم لصالح الكفار ليس من باب قبول كرامتهم، بل هو مجرد تنظيم للعلاقات الدنيوية المتبادلة؛ إذ إننا لو لم نؤدِ هذا إليهم، فلن نملك توجيهاً عابراً للمذاهب ودولياً لاستيفاء حق الأزواج الذين كفرت زوجاتهم وفارقنهم.
في الواقع، يبدو أن للإنسان كرامة سابقة وإفاضية من جانب الله (بمقتضى الآية «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا»؛ الإسراء/٧٠) والتي تقتضي إكرامه واحترامه إلى ما قبل وصوله إلى مرحلة البلوغ العقلي واتخاذ القرار.
ولكن عندما يصل إلى هذه المرحلة، يجب عليه هو نفسه اختيار مسار حياته بنفسه، فإذا اختار المسار الكريم للكمال والقرب الإلهي، حفظ كرامته وأصبح إكرامه واجباً على الآخرين. أما إذا اختار هو نفسه مسار الكفر ونفي كرامته، فلا تبقى له كرامة لتحتاج إلى إكرامه. وبطبيعة الحال ربما يمكن ادعاء جواز بل ضرورة هذا الإكرام في خصوص من هو جاهل قاصر ويراعي مقتضيات كرامته في حدود إدراكه الفطري.
وجدير بالذكر أن البحث المذكور ناظر إلى الأصل الأولي في الموضوع، وهو غير أجواء المقتضيات الثانوية التي فرضتها سهولة واتساع اتصالاتنا وتعاملا تنا مع غير المسلمين (حيث إننا إذا لم نحترمهم فسنكون عرضة لعدم الاحترام).
المصدر: شبكة الاجتهاد.
