مصطفى دُرّي (رئيس التحرير)

حق الكرامة والمساواة الإنسانية من منظور الفقه/1

إن حداثة هاتين القاعدتين أو الحقين الإنسانيين، وكون الأحكام الفقهية قد تشكلت لأكثر من ألف عام دون حضور هذين الحقين والقاعدتين الفقهيتين، تسببا في أن يواجه قبولهما بوصفهما حقين مسلمين أو قاعدتين فقهيتين صعوبة ومقاومة بين الباحثين الفقهيين.

تزخر تاريخ الفقه الشيعي بنصوص كثيرة لم تُحظَ بالاهتمام لعقود وقرون، غير أن عين فقيه الناقدة أبدت اهتماماً بها فجأة لـ تتحول بعد ذلك إلى قاعدة وأصل فقهي مشهور. وما حدث لنصوص الاستصحاب بعد زهاء ألف عام من زمن صدور تلك الروايات هو من هذا القبيل. وهذا الحدث نفسه وقع بعينه بالنسبة للكرامة الإنسانية والمساواة الإنسانية أيضاً. فإلى ما قبل القرن الأخير، قلّ أن تجد فقيه أبدى اهتماماً فقهياً بالآية المشهورة «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» وبحثها بوصفها قاعدة فقهية. والنصوص المتعددة المحيطة بمساواة البشر في الحقوق تنطوي على الحكاية نفسها.

على كل حال، إن حداثة هاتين القاعدتين أو الحقين الإنسانيين، وكون الأحكام الفقهية قد تشكلت لأكثر من ألف عام دون حضور هذين الحقين والقاعدتين الفقهيتين، تسببا في أن يواجه قبولهما بوصفهما حقين مسلمين أو قاعدتين فقهيتين صعوبة ومقاومة بين الباحثين الفقهيين. وتنبع مقاومة العديد من الباحثين الفقهيين بوجه هاتين القاعدتين من اتجاهين: فالبعض لا يعترف بهذين الحقين أساساً، وآخرون – رغم قبولهما لهما – غير مستعدين لتغيير الأحكام الفقهية التي تتضاد ظاهرياً معذين الحقين. وفي غضون ذلك، فإن بعض الاستخدامات غير اللائقة، وبتعبير أدق، الاستغلال السيئ الصادر عن هاتين القاعدتين والتطبيقات الخاطئة المنجزة لهما، أججت هذه المخاوف.

ولا تقتصر هذه المقاومة وهذا التوتر العلمي بطبيعة الحال على علم الفقه؛ بل إن أي قاعدة ومقولة حديثة في أي علم – ولا سيما إذا كان ذلك العلم عريقاً وذا سابقة، وخاصة إذا كان يكتسي صبغة قدسية أيضاً – ستواجه هذه التحديات والصعوبات نفسها.

ولا تعني السطور أعلاه بطبيعة الحال لزوم قبول هذين الحقين الإنسانيين بوصفهما حقوقاً مسلمة للبشر في الفقه الشيعي من جانب الباحثين الفقهيين؛ إذ لا معنى في الحوار العلمي لإجبار طرف عبر السخرية والاتهام على قبول مقولة علمية؛ بل المراد هو الدراسة العلمية المنصفة، ودون تحيز، ودون افتراضات مسبقة وأحكام قبلية، حول هذين الحقين الحديثي الصياغة ضمن حقوق الإنسان.

تُعد مجلة «حق الكرامة والمساواة الإنسانية من منظور الفقه» محاولة للحوار والدراسة الدقيقة لماهية، وأبعاد، وتحديات، ومستلزمات قبول هذين الحقين الإنسانيين في الفقه الشيعي.

فصول المجلة وأبعاد الدراسة

يُخصص الفصلان الأول والثاني لسبر ماهيةذين الحقين الإنسانيين ودراسة أبعادهما. والواقع أن هذين الحقين هما من مقولة السهل الممتنع؛ ومن هنا فبرغم أنهما يبدوان في النظرة الأولى سهلين وجليين، غير أننا عندما نتصدى لدراستهما الدقيقة نتنبه إلى نقاط متعددة من الإبهام والأسئلة المحيطة بهما.

وإذا اعتبرنا المساواة الإنسانية منتَجاً لحقوق الإنسان الغربية والـ «عدالة» منتَجاً لحقوق الإنسان الإسلامية؛ فإن الحديث عن نسبة العدالة والمساواة الإنسانية هو في الحقيقة حديث عن الفروق بين تقريرين لـ أحد أهم حقوق الإنسان بين مذهبين حقوقيين. ويتصدى الفصل الثالث لسبر الفارق بين هذين المفهومين المتشابهين ظاهرياً والمختلفين حقيقة.

إن الحديث عن قبول أو عدم قبول حق الكرامة والمساواة الإنسانية في علم الفقه هو في الحقيقة حديث عن كيفية التعاطي مع الأحكام الفقهية التي يُظن تضادها معذين الحقين. فالقبول الجاد بهذين الحقين يجب أن يوجب التغيير في الأحكام الفقهية القائمة في منافاة معهما. ويتناول الفصل الرابع دراسة الأحكام الفقهية التي تتعارض ظاهرياً مع حق الكرامة الإنسانية، بينما ينبري الفصل الخامس لتحكيم هذا التعارض بين الأحكام الفقهية وحق المساواة الإنسانية.

غير أن قبول هذين الحقين في علم الفقه يترافق مع تحديات أيضاً. ولا تقتصر هذه التحديات بالضرورة على مجال الماهية وكيفية حل التعارض بينهما وبين بعض الأحكام الفقهية؛ بل تدور حول لوازم أخرى لقبول هذا الحق. وعلى سبيل المثال، هل مصاديق الكرامة والمساواة الإنسانية أمور توقيفية أم إن تطبيقها بيد العرف؟ وفي الحالة الثانية، ألا يؤدي هذا الأمر إلى تطبيق الشريعة عرفياً؟ ما هو الدليل أو الدلائل المهمة لعدم تطرق فقهاء الإمامية لهذين الحقين في علم الفقه؟ وهل كان لهذين الحقين لدى الأئمة المعصومين (ع) القدر نفسه من الأهمية والأثر الذي يمتلكانه في عصرنا؟ و… يجري الحوار حول التحديات الفقهية لقبول حق الكرامة الإنسانية في الفصل السادس، والبحث عن التحديات الفقهية لقبول حق المساواة الإنسانية في الفصل السابع من هذه المجلة.

ويتصدى الفصل الثامن لسبر هذين الحقين في الآيات والروايات. بعبارة أخرى، يمتلك هذا الفصل رؤية داخلية للدين ومحورية للنص تجاه هذين الحقين، ويتقصى علائمهما في التراث المنصوص الشيعي.

ويُخصص الفصل الأخير لهذه المجلة، كسائر المجلات الإلكترونية لمعهد دراسات الفقه المعاصر، لبيان سلف وهذين الحقين في التراث الفقهي الشيعي. وتتألف مطالب هذا القسم من ثبت المقالات الفقهية، والببليوغرافيا، وتقارير كتابين مهمين في هذا المجال.

آملين أن تُعد هذه المحاولة خطوة صغيرة في اتجاه تطوير وتعميق الفقه المعاصر والحركة في مسار السبر العلمي للموضوعات الفقهية الناشئة، وأن تحظى باهتمام صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف). آمين.