حجة الإسلام والمسلمين السيد محمود وزيري أستاذ البحث الخارجي بالحوزة العلمية بقم:

البحث الفقهي في الخلايا الجذعية/15

أحياناً يُشاهد أو يُسمع في البرامج العلمية أن بعض المستشرقين أذّكوا مطالب وتُوهّم وتُلقي من بياناتهم أن أغلبيَة المذهب الكاثوليكي تخالف استخدام الخلايا الجذعية؛ وأنا أرى أن هذا الفهم والتلقي خاطئ.

إشارة: بقدر ما يُبحث بين المسلمين من أبعاد مختلفة عن الخلايا الجذعية، تتطرق إليها الأديان الأخرى أيضاً. وفي غضون ذلك، فإن آراء الأديان الإبراهيمية حول استخدام الخلايا الجذعية حريّة بالاهتمام. وكانت إحدى التحديات التي واجهها المسيحيون مع استخدام الخلايا الجذعية هي مسألة ولادة الإنسان من طريق غير ولادة الأم؛ وهي مسألة تضع فكرة “ابنية المسيح لله” بسبب عدم ولادته من أم أمام التحدي. غير أن حجة الإسلام والمسلمين السيد محمود وزيري يعتقد أن معظم المسيحيين في الوقت الحالي، سواءً في الكنيسة الكاثوليكية أو في الكنيسة البروتستانتية، لا يملكون مشكلة مع استخدام الخلايا الجذعية. ويتطرق أستاذ البحث الخارجي في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم في هذا الحوار الخاص إلى بیان تحديات الأديان في استخدام الخلايا الجذعية:

الفقه المعاصر: ما هي رؤية الأديان الإبراهيمية حول استخدام الخلايا الجذعية والاستنساخ؟

وزيري: بالقدر الذي علمتني إياه الدراسات الحالية، وبالنظر إلى المبادئ التي تمتلكها الأديان الإبراهيمية وما يمكن الاستفادة منه من خلال الكتب المتعددة أو في مطاوي كلمات أرباب معارف الأديان الإبراهيمية، فلم أرَ أنا معارضة بينة وصريحة لاستخدام والانتفاع من الخلايا الجذعية، وإلى هنا أستطيع القول إنه من الناحية النظرية لا توجد مشكلة في هذا المجال من وجهة نظرهم.

الفقه المعاصر: ما هي رؤية الأديان غير الإبراهيمية حول استخدام الخلايا الجذعية والاستنساخ؟

وزيري: التفاوت الماهوي بين الأديان الإبراهيمية والأديان غير الإبراهيمية يمكن طرحه وعرضه في عدة محاور. أحد تلك المحاور هو أن نعتبر الأديان غير الإبراهيمية مساوية أو مساوقة للأديان غير الإلهية وغير السماوية. دققوا جيداً، قلتُ إن أحد التفاوتات يمكن أن يُتلقى بهذا الشكل. وإحدى الموارد التي يجب التدقيق فيها ويوليها أرباب العلم الاهتمام هي بحث سماوية الأديان التي قد تُستعمل كلمة “الأديان” لها. فإذا كان المراد بالأديان الدياناتِ المتنوعة وكان البناء على اعتبار الأديان غير الإلهية هي المنظورة، فلن يستعملوا مصطلح “الأديان” المستعمل للسماويات بدقة، بل يقولون “الديانات”. فإذا كان المراد بالأديان غير الإبراهيمية الدياناتِ غير الإلهية، فبطريق الأولوية لا يوجد من وجهة نظرهم أي مانع؛ لأن استخدام الخلايا الجذعية يصل لمراحل قد يقع لأرباب الأديان الإلهية فيها المحظور؛ أي يُصاب بالمنع بسبب المخالفة للشريعة. وهذه الشريعة قد تكون الشرائع السابقة أو الشريعة الخالدة للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ ومن هنا فإن الإجابة عن سؤالكم الثاني هي أنه بطريق الأولوية، إذا كان المراد بالأديان غير الإبراهيمية الدياناتِ غير الإلهية، فلا أرى في رأيي أي مانع لاستخدام الخلايا الجذعية.

الفقه المعاصر: هل مقولة «أن المسيحية تخالف الاستنساخ لأنه ينفي استدلالهم التاريخي لألوهية المسيح» مقولة صحيحة؟

وزيري: توجد في المسيحية تيارات مختلفة حيث عُرض كل تيار فكري بناءً على أفكار وأطر خاصة. وأرى أنه لو أراد أحد في المسيحية التعميم بشكل كلي والحديث بإطلاق، فهذا الأمر ينافي الدقة العلمية والعقلانية. ولو أردنا تقديم تقييم دقيق، فيجب القول إنه وفقاً لما يبدو لي واقعاً ويمكن بيانه في هذا الحوار القصير، فهو أن الدين المسيحي يجب تقسيمه إلى فروع متعددة وهو بحث مفصل. فجانب من تلك الفروع المسيحية لم تبدِ رأياً بالنسبة للخلايا الجذعية؛ ومن هنا لا نستطيع نحن أيضاً إصدار قضاء مشخص بالنسبة إليها. وبعضها الآخر أبدى رأيه وخالف، وهم خالفوا لأجل العوارض والتبعات وحكموا بالمنع طبيعياً؛ كـ فروع من مذهب البروتستانت. فبعض هذه الفروع خالف. وبناءً على تلك المخالفات، فإن الانتفاع والاستخدام الكلي للخلايا الجذعية أمر محظور وممنوع. غير أن بعض الفروع الأخرى للمسيحية والتي تشكل الأغلبية الآن، أي مذهب الكنائس السائدة والكاثوليك الذين يُعد البابا قائدهم في العالم، فبالقدر الذي درستُه سابقاً، يملكون أغلبية موافقة وأقلية مخالفة. ومع ذلك، يُشاهد أو يُسمع أحياناً في البرامج العلمية أن بعض المستشرقين أذّكوا مطالب وتُوهّم وتُلقي من بياناتهم أن أغلبيَة المذهب الكاثوليكي تخالف استخدام الخلايا الجذعية؛ وأنا أرى أن هذا الفهم والتلقي خاطئ؛ ومن هنا فإن جانباً من مذهب البروتستانت مخالفون ولا يزالون على مخالفتهم، غير أن أغلبية المذهب الكاثوليكي في العالم يوافقون على استخدام الخلايا الجذعية؛ وإن كان هناك جمع آخر يقعون في الأقلية مخالفين حتى الآن وفق ما أعلمه. نعم، إن دليل الموافقة هو عدم وجود أي محظور ومانع لاستخدام هذه الخلايا الجذعية؛ ولا سيما أن تكامل وارتقاء العلاج وصحة المجتمع مرهون بالاستخدام والانتفاع الأكثر من الخلايا الجذعية. هذا هو دليل موافقتهم. أما دليل المخالفة الذي تملكه فئة من البروتستانت وأقلية من المذهب الكاثوليكي فهو قولهم إن هذا العمل يفتح الطريق ونوعاً من تحريف الحقائق واليد في عالم التكوين؛ وحيث إن التدخل في عالم التكوين يتسبب في أن تفقد فئة من الأجيال القادمة البيانات الدقيقة التي كان يمكنهم امتلاكها بالنسبة للأحداث الماضية والأمم السالفة، فنتيجة لذلك يجب القول بالمنع والحذر. وكان هذا بياناً مختصراً وموجزاً جداً للمطلب.

الفقه المعاصر: ما هي التحديات الفقهية والحقوقية التي أحدثها استخدام الخلايا الجذعية والاستنساخ بين الأديان الإبراهيمية؟

وزيري: نعم، هذا واقعاً بحث مفصل. وفي بحث التحديات والتبعات التي يمكن أن يثمرها الاستخدام الواسع للخلايا الجذعية، فلا أرى أن الموضوع يتلخص في مورد أو اثنين أو ثلاثة؛ أي إن التحديات كثيرة ومتعددة ومتنوعة جداً. ونستطيع تقسيمها إلى فئتين. والآن سأعرض عجالة ما يحضرني في الذهن.

انظروا، نحن نملك تحديات إيجابية وسلبية. ويستطيع هذا الموضوع حمل تبعات إيجابية وتبعات سلبية أيضاً. والتبعات الإيجابية ذكرتُها؛ ارتقاء صحة المجتمع، وتنمية العلاج البنيوي، وهو ما يشمل الفرد والمجتمع معاً. وأنا أذكر كلمة المجتمع لأن منافع المجتمع والمنافع الوطنية مقدمة على المنافع الفردية والشخصية. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً. وفي بحث علم النفس الأمر كذلك أيضاً. وفي بحث الاقتصاد يستطيع استخدام الخلايا الجذعية في قطاعات تقديم مردود وثمار. وهذه الموارد زوايا ونماذج صغيرة للتبعات الإيجابية. أما بخصوص التبعات السلبية؛ فإحدى الموارد تكمن في البعد التجريمي وفي البحث القضائي والحقوقي (كما تفضلتم حقوقية وفقهية). والجانب الحقوقي هو أنه إذا وُضع استخدام الخلايا الجذعية بشكل عام في متناول الجميع، وارتقى يوماً بارتقاء أكبر للعلم وتحسين كيفية المعرفة والأدوات المتناسبة معها، فستكون إحدى المسائل هي أن الفرد المجرم يستطيع بسهولة تامة إظهار نفسه كـ غير مجرم واحتساب فرد آخر مجرماً بدلاً منه. فصحنة الجريمة والجناية ستكون قابلة للتغيير سريعاً وبسهولة، وهو ما نطلق عليه في البعد الاعتقادي «تحريف الحقائق». أي إن إحدى التحديات السلبية التي تحمل جانباً فقهياً وجانباً حقوقياً هي تغيير صحنات الجريمة والجناية وتحويل موقع الجلاد إلى شهيد أو الجلاد إلى مقتول. فلو أُطرح استخدام الخلايا الجذعية بشكل شامل فسنواجه مشاكل جمة. أو على سبيل المثال في بحث الإرث؛ ذكرتُ الجوانب الحقوقية والقضائية، والآن لنذهب نحو مبحث الإرث. ففي مبحث الإرث لو استمر استخدام الخلايا الجذعية بهذا الشكل القفزي، فسيتبدل موقع الوارث والمُورِّث أحياناً، ونتيجة لذلك لو كان لشخص أموال باهظة فيستطيع باستخدام هذه الأدوات بسهولة تامة وضع نفسه في موقع الوارث بدلاً من المورّث، وذاك الذي كان يجب عليه بسب الموت وضع ماله تحت تصرف الآخر يستطيع ممارسة عمل لكي تُحول أموال باهظة لحسابه. وهذا مثال طبعاً ولا مناقشة في المثال. يقول العلماء إذا كان المثال مقرباً من وجه ومبعداً من عدة وجوه فلا مانع. وهذه نماذج للتحديات السلبية التي ذكرتُها. وأشرتُ للموارد الإيجابية في بحث العلاج والاقتصاد وعلم النفس التي تستطيع حمل ثمار وبركات جمة؛ غير أنه بموازاتها يستطيع حمل تبعات تحدية ومهمة سلبية في المباحث الحقوقية والقضائية من قبيل الأمثلة التي ذكرتُها.