حجة الإسلام والمسلمين عمار بهلوان زاده أستاذ وباحث فقه التربية:

مبادئ الفقه في التربية/19

علم التربية، إذا كان المراد به نظام التربية الإسلامي المستخرج بالأدلة الاجتهادية، فهو في الواقع الفقه العام للتربية (بالمعنى الأعم). أما إذا لم يكن علم التربية إسلامياً واستُخرج مجرداً من العلوم التجريبية، فحينئذٍ لن يكون له ارتباط بالفقه؛ سواءً بالنسبة للولد، أو الطالب، أو المربي.

إشارة: قد يمتلك فقه التربية بحد ذاته معنى واضحاً وجلياً؛ غير أنه عندما يوضع بين سائر الأبواب الفقهية، يغدو كشف معناه الدقيق بنحو لا يتداخل مع الأبواب المشابهة له أمراً صعباً. فقه الأخلاق، والفقه التربوي، وفقه التعليم والتربية، والتوجه التربوي للدين، مفاهيم وأبواب متشابهة يجب توضيح تفاوت فقه التربية عنها بدقة؛ وإلا فلا يمكن اعتباره باباً فقهياً بين الأبواب الفقهية المعاصرة. يمارس حجة الإسلام والمسلمين عمار بهلوان زاده التدريس والبحث في حقل فقه التربية منذ سنوات. وتحدثنا معه حول تفاوت فقه التربية عن سائر الأبواب الفقهية المشابهة له. فقد ذکر معنيين لفقه التربية ثم تطرق لبيان تفاوت فقه التربية عن الأبواب والمفاهيم المشابهة له. وهو أشار في ضمن حديثه إلى أن التوجه التربوي للدين يمتلك فائدة تبليغية فحسب، وإلا فلا يمكن اعتباره أمراً علمياً. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث في فقه التربية:

الفقه المعاصر: ما هو المراد بـ فقه التربية؟ هل هو بـ معنى دراسة المقولات التربوية أم التوجه التربوي بالنسبة لكل الدين؟ وفي الحالة الثانية، هل هو قابل للطرح كـ باب فقهي؟

بهلوان زاده: نحن نرى معنيين قابلين للدفاع عن فقه التربية: معنى أخص، ومعنى أعم. ففي المعنى الأخص، الفقه يعني الأحكام التكليفية الخمسة، والتربية تعني الأفعال التي تؤدي للتربية. فالفقه هو العلم بالأحكام لأفعال المكلفين، وإحدى هذه الأفعال هي تربيتهم. بعبارة أخرى، فالمكلفون كما يملكون أفعالاً اقتصادية وعبادية، يملكون أفعالاً تربوية أيضاً؛ مثل التأديب، والتشجيع، وتهيئة الأرضية، والتفريق/الفصل، و… ومجموع أحكام هذه الأفعال يُسمى فقه التربية بالمعنى الأخص. وبتعبير أوضح، هذه أحكام الأنشطة التربوية للمكلفين.

وفقه التربية بهذا المعنى يستطيع تماماً أن يكون باباً فقهياً إلى جانب الأبواب الفقهية للفقه التقليدي؛ أي كما نملك باب المزارعة، والمساقات، والمضاربة، والصلاة، والطهارة، نملك باب فقه التربية أيضاً.

أما فقه التربية بمعناه الأعم، فهو النظام التربوي المستخرج من الإسلام بالمنهج الفقهي؛ أي هنا في المعنى الثاني لا نبحث فقط عن الأحكام التكليفية الخمسة، بل نبحث عن التوصيات، والتوصيفات، وعلاقات هذه الأحكام ببعضها البعض، وبيان الأهم والمهم، وبيان الأهداف أيضاً. وبتعبير أفضل، نبحث عن نظام تربوي إسلامي كامل يؤخذ هذا النظام بالمنهج الاجتهادي، أي بالأسلوب الفقهي المتعارف ومنهج الفقه الجواهري، من الأدلة الإسلامية. ونحن نعتبر هذا فقه التربية بالمعنى الأعم. كما يمكن تسميته أيضاً بنظام التربية الإسلامية بالمنهج الاجتهادي.

أما المعنى الوارد في نفس السؤال، أي التوجه التربوي بالنسبة لكل الدين، فلا نعتبره فقه التربية أساساً. فـ للتربية ذُكرت معانٍ متعددة؛ منها الإيصال إلى المطلوب، وتهيئة الأرضية، وإخراج قوى المتربي إلى الفعلية، والهداية. وتعود هذه المعاني كلها إلى معنى جامع وهو: إيصال المتربي إلى مطلوب ما في مجال ما. والمراد بالإيصال الأعم من إراءة الطريق، والهداية، والإرشاد.

وبهذا المعنى للتربية، فنحن نعتبر كل الدين تربية؛ أي إن كل الدين وآياته، ورواياته، وأحكامه، وفقهه، وعقائده، وأخلاقه، وجميع أبعاد الدين وُضعت لهداية البشر: «ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ». فكافة آيات القرآن، وكافة الروايات، وكافة الأحكام وكل ما يتحدث عنه الدين هو لإيصال المتربي إلى هدف ومرحلة أعلى. وبناءً عليه فإن هذا المعنى يوضح أن كل الدين تربية، لا أن باباً فقهياً من علم الفقه هو فقه التربية.

الفقه المعاصر: بالنظر لوجود التوجه التربوي في كافة الأحكام الدينية، هل يُعد فقه التربية أساساً كـ باب فقهي مستقل في عرض سائر الأبواب الفقهية قابلاً للطرح؟

بهلوان زاده: التوجه التربوي للدين، كما قيل، لا يشكل باباً فقهياً؛ ومن ثم وبناءً على هذا المعنى لا يمكن اعتبار فقه التربية باباً فقهياً إلى جانب سائر الأبواب الفقهية. وفضلاً عن هذا، فلا أعتبر أساساً التوجه التربوي للدين وبيان الأبعاد التربوية للدين أمراً نافعاً؛ كأن نأتي ونقول واحداً تلو الآخر إنه لو أمر الله مثلاً بدفع الصدقة فلأجل زيادة روحية العطف لدى الناس، أو لو أمر بإقامة صلاة الجماعة فلأجل تعليم روحية الجماعية للناس، و… فهذا النوع من المطالب التي هي مصاديق التوجه التربوي للدين يقتصر نفعها في مقام تبليغ الدين لترغيب الناس بالدين وأحكامه الشرعية فحسب، وإلا فلا أرى نفعاً آخر لهذا التفسير من التربية.

وعلى أي حال، فإن المعنيين اللذين أراهما نافعين هما المعنيان الأخص والأعم اللذان ذكرتهما في الإجابة عن السؤال الأول. وأنا لا أعتبر معنى التوجه التربوي للدين نافعاً ولا أعتبره باباً فقهياً في قبال سائر الأبواب الفقهية.

الفقه المعاصر: ما هو التفاوت بين فقه التربية والعناوين الفقهية المشابهة كـ «فقه الأخلاق»، و«الفقه التربوي»، و«فقه التعليم والتربية»؟

بهلوان زاده: فيما يخص فقه الأخلاق يجب القول: يمكن لفقه الأخلاق أن يحمل معنيين أيضاً: المعنى الأخص بمعناه الأحكام التكليفية الخمسة للأفعال الأخلاقية؛ والمعنى الأعم وهو الفهم العميق للأخلاق بالمنهج الاجتهادي.

أما بخصوص الفارق بين الأخلاق والتربية فيجب القول إن ما في أذهاننا وندافع عنه هو أن الأخلاق ترسم القمم؛ والتربية هي المسار للوصول لتلك القمم. وبطبيعة الحال لا أقول إن هذا المعنى صحيح مائة بالمائة، غير أننا وصلنا لهذه النتيجة حالياً. وقيلت آراء أخرى أيضاً في الفارق بين الأخلاق والتربية تناقشنا حولها كثيراً ووصلنا في النهاية لهذا الفارق.

وعلى سبيل المثال قال البعض إن الأخلاق ترتبط بنفس الإنسان والتربية ترتبط بالآخرين. وفي نقدهم وقلنا: فماذا عن تربية النفس إذن؟ هل يجب تسميتها أخلاقاً؟ طبعاً يقولون: نعم، يجب وضع اصطلاح وتسميتها أخلاقاً.

أو قال أستاذ آخر: إذا كان النمو من الحد دون الطبيعي إلى الحد الطبيعي فهو تربية؛ أما من الحد الطبيعي إلى الأعلى فيُسمى أخلاقاً. غير أنه يبدو أن هذا الفارق مجرد وضع اصطلاح ليس إلا.

أما نحن وكما ذكرتُ، فنعتبر الأخلاق الملكات النفسانية الثابتة، أي الفضائل والرذائل، التي تغدو كـ أهداف يرسم فقه التربية طريق الوصول لتلك الأهداف. وبناءً عليه فإن فقه الأخلاق يتحدث حول الأحكام الفقهية لأمثال الحسد، والشجاعة وما شابههما أيها يملك أي أحكام الخمسة؛ أما التربية فتتحدث عن الأحكام الفقهية للطرق والأسيال للوصول لهذه الأحكام.

وفيما يخص التفاوت بين فقه التربية والفقه التربوي يجب القول: لا أعتبر الفقه التربوي مفهوماً غير فقه التربية؛ ومن ثَمّ فلا أرى فارقاً بينهما أيضاً.

أما فقه التعليم والتربية فمعناه المسائل التي تنشأ في المحيط المدرسي ومثلاً بين المعلم والطالب، أو بين الطلاب أنفسهم وتجب بيان أحكامها في الفقه. ومخاطَب هذه الأحكام هم المعلم، والمدير، والطالب، والناظر، ووزير التربية والتعليم، وحتى أحياناً الأشخاص المعنويين كـ وزارة التربية والتعليم. أما فقه التربية فلا يختص بهذه الأمور بل يضع التربية العامة نصب العين.

الفقه المعاصر: ما هو التفاوت بين فقه التربية وعلم التربية (الولد، الطالب، و…)؟

بهلوان زاده: علم التربية، إذا كان المراد به نظام التربية الإسلامي المستخرج بالأدلة الاجتهادية، فهو في الواقع الفقه العام للتربية (بالمعنى الأعم). أما إذا لم يكن علم التربية إسلامياً واستُخرج مجرداً من العلوم التجريبية، فحينئذٍ لن يكون له ارتباط بالفقه؛ سواءً بالنسبة للولد، أو الطالب، أو المربي.

الفقه المعاصر: هل إنشاء باب فقهي مستقل تحت عنوان «فقه التربية» أمر مطلوب؟ ما هي الآفات والمزايا لذلك؟

بهلوان زاده: الإجابة إيجابية قطعاً. وتصدق هذه المطلوبية بكلا المعنيين المذكورين سابقاً؛ سواءً بالمعنى الخاص، أي باب مستقل إلى جانب سائر الأبواب الفقهية؛ لأن العديد من أفعال المكلفين (أصحاب التكليف الشرعي) تُسأل اليوم في الحوزة العلمية والعلماء؛ وعلى سبيل المثال: هل أستطيع التجسس لنمو ولدي؟ وهل يُؤذن لي بالكذب، أو الوعد، أو التشجيع، أو التأديب؟ كافة هذه الأفعال تفصيلاً هي محل سؤال وتتطلب أحكاماً جزئية وأحكاماً تكليفية خمسة. وكذلك على المستوى الكلي يُحتاج إلى نفس نظام التربية؛ كأن يُسأل عند تصميم مدرسة إسلامية: ما هو نظامنا التربوي؟ أو على مستوى أكثر كلية: کل وزارة التربية والتعليم أو تقديم نظام تربوي في المساجد. وبناءً عليه فبكلا المعنيين يُحتاج لإنشاء هذا الباب الفقهي (مزياه).

أما آفات هذا الأمر فتتألف من: حداثة هذا الباب، وهو مسار لم يُوطأ ويُسلك بعد. ومصادره لم تُستخرج بدقة بعد، والدروس الخارجية الفقهية فيه لا تزال حديثة النشوء. وكذلك فإن إحدى آفاته هي التعبير العربي الشائع «السهل الممتنع»؛ وبمعنى أنه في النظرة الأولى قد يُتوهم أن التربية لا تحتاج للفقه، ولكن عندما يُشرح للناس يتنبهون لمدى حاجتها للبحث والدراسة.