عميد كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الأديان والمذاهب في حوار خاص مع "الفقه المعاصر":

دراسة الأبعاد الفقهية للعنف ضد الزوجة/20

ينبغي الانحياز أكثر للمرأة في كلٍّ من رسم السياسات والتشريعات؛ غير أن هذا الأمر ليس بداعي التوجه النسوي، بل نظرًا لهشاشة النساء وأذى تعرضهن للضرر أكثر من الرجال.

إشارة: عندما يُستعمل تعبير «العنف ضد الزوج/الزوجة»، يُفسر في النظرة الأولى بـ العنف الصادر من الزوج ضد الزوجة. وهذا في حين أن العنف قابل للتصور سواءً من جانب الزوج أو من جانب الزوجة. ولعل منشأ هذا التبادر الأولي هو التفوق الجسدي للرجل مقارنة بالمرأة، مما كان يجعل تصور ممارسة العنف من جانب الزوجة ضد الزوج أمراً صعباً؛ غير أنه في الوقت الحالي مع بروز أبعاد أخرى للعنف كـ العنف النفسي، والعنف اللفظي و…، فإن تصور العنف من الزوجة ضد الزوج أضحى يسير التخيل بسهولة. تناقشنا حول أبعاد العنف ضد الزوج/الزوجة مع حجة الإسلام والمسلمين الدكتور مجيد دهقان. يعتقد عضو الهيئة التدريسية بقسم المرأة والأسرة بجامعة الأديان والمذاهب أنه لفهم الأحكام الفقهية في حقل النساء، يجب أولاً إبعاد التوجه النسوي جانباً والنظر في أدلة ومصادر الفقه. وهو يرى في الوقت نفسه لزوم الانحياز للمرأة في رسم السياسات والتشريعات، غير أنه لا ينطلق في ذلك من توجه نسوي. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع عضو المجلس العلمي بفريق فقه المرأة والأسرة بمعهد دراسات الفقه المعاصر:

الفقه المعاصر: ما هو معنى العنف ضد الزوج/الزوجة وبخاصة الزوجة، وما هي أبعاده؟

دهقان: إيذاء الزوجة يقع أحياناً بعناوین نُهي عنها في الفقه بشكل خاص أيضاً؛ كـ النهي عن الإهانة، والتهمة، والسخرية، والغيبة، وإفشاء السر و…؛ وتقع أحياناً بصورة لا يمارس فيها الزوج عملاً قابلاً للمتابعة في المحاكم القضائية، ولكنه يمارس عملاً يربك به نفسية المرأة؛ كأن ترغب المرأة في شيء ولا يولي الزوج اهتماماً له. فهذا العمل ليس تهمة، ولا افتراءً، ولا غيبة، ولا سخرية، ولا… ولكنه يُعد نوعاً من الإيذاء النفسي للمرأة، وهو يختلف عن العنف الفيزيائي والضرب والجرح.

الفقه المعاصر: هل «العنف ضد الزوج/الزوجة» عنوان مستقل يملك حكماً واحداً أم هو عنوان انتزاعي تملك كل مصداق من مصاديقه حكماً متفاوتًا؟

دهقان: عنوان «العنف ضد الزوج/الزوجة» غير موجود في فقهنا؛ غير أن عناوين من قبيل التهمة، والإهانة، والافتراء، والغيبة و… موجودة. والتفاوت بين الأدبيات الإسلامية والأدبيات الليبرالية والنسوية يكمن في أننا نعتبر هذه العناوين بذاتها معصية حتى وإن توافق الطرفان على ممارستها. وكذلك نعتبر عناوین كـ التمكين مشروعة غير أنها قد تُعد في الأدبيات النسوية نوعاً من العنف. وبناءً عليه فإن العنف ضد الزوج/الزوجة ليس عنواناً مستقلاً في الفقه الشيعي، غير أنه يمكن وضع العديد من مصاديقه تحت العناوين المذكورة سلفاً أو عناوين كـ «الحرج النفسي».

الفقه المعاصر: هل العنف أمر شرعي أم عرفي وعقلائي؟ ومن يجب عليه تحديد مصاديقه؟

دهقان: من الضروري التفكيك بين المباحث من الناحيتين الحقوقية والأخلاقية. فمن الناحية الأخلاقية، قد تُعتبر بعض السلوكيات غير لائقة؛ لأن الأخلاق تسعى لاستيفاء الملاكات القصوى للشارع. أما من الناحية الفقهية، فقد تُسوغ تلك السلوكيات عينها.

ولكن إجابة عن سؤالكم يجب القول: في حقل الفقه تترتب الأحكام على الموضوعات وهـذا أمر شرعي تماماً ولا تدخل للعرف فيه. نعم، يستطيع العرف تأدية دور في تحديد مصاديق موضوعات أحكام الشارع؛ غير أن تشخيصه أن هذا الحكم مصداق للعنف أم لا هو في الحقيقة تدخل في الأحكام الشرعية وهو موكول تماماً للشارع ولا يُعد من نطاق تدخل العرف. وبطبيعة الحال يجب الانتباه إلى أن العرف تحول في الوقت الحاضر إلى ثقافة غالبة. وعلى سبيل المثال، ففي الماضي كانت المعايير الأسرية معلومة ولا يعترض أحد عليها. فمثلاً كان الرجل هو المعيل للأسرة وتتولى المرأة دور إدارة البيت؛ أما في ثقافة اليوم فالجميع يريد أن يكون معيلاً ويمارس نشاطاً اقتصادياً.

الفقه المعاصر: في موارد التعارض بين الأحكام والنصوص الشرعية والمصاديق العقلائية للعنف ضد الزوج/الزوجة، هل يجب اعتبار أحدهما أمراً ثابتاً وتغيير الثاني بالنظر إليه؟ فمن الناحية الشرعية، أيهما الثابت وأيهما المتغير؟

دهقان: في هذه الموارد يجب المراجعة لأدلة ومصادر الفقه. فقد تعتبر نظريات العنف الجندري عملاً ما مصداقاً للعنف، غير أن الفقه لا يلتزم بذلك. وبطبيعة الحال توجد في الفقه مسألة تُسمى التعزير، ويستطيع حاكم الشرع استخدامها في الموارد المقتضية. وتُعد هذه المسألة أمراً مهماً ويمكن استخدامها كـ أداة لمواجهة أشكال العنف الحقيقي في الأسرة؛ كأن يضع الحاكم تعزيرًا للرجل الذي يطرد زوجته من البيت. وهذه طاقة مهمة لعلم الفقه يمكن استخدامها في علم القانون المستمد من علم الفقه أيضاً.

الفقه المعاصر: هل إطلاقات الآيات والروايات في الموارد الصريحة كـ جواز استمتاع الزوج من الزوجة في أي وقت، وجواز ضرب الزوجة في حال النشوز، وعدم جواز خروج الزوجة من المنزل دون إذن الزوج حتى في حال عدم حضور الزوج و…، مقيدة بالظروف الاجتماعية والجغرافية الخاصة بزمن صدور النص أم إنها تعبر عن أمر دائم لكافة البشر في كافة الأزمنة؟ ولماذا؟

دهقان: بشكل عام يجب القول إن شريعة الإسلام شريعة خالدة ولا تختص بزمان أو مكان خاص. ومسألة التاريخانية أو فوق التاريخية للقرآن والأحكام هي من المسائل التي حظيت بالاهتمام حديثاً وفي السنوات الأخيرة. ومن الأحاديث التي يستند إليها المؤيدون لأبدية الشريعة حديث «حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَرَامُهُ حَرَامٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» المروي في مختلف المصادر الشيعية والسنية بأشكال متعددة. وفي كتاب “الكافي” أُستخدم هذا التعقيب في ضمن روايتين مختلفتين، حيث تطرقت إحداهما إلى جانب الإشارة لأبدية التعاليم النبوية إلى نفي البدع الباطلة، وأشارت الأخرى إلى عدم نسخ الدين الإسلامي بخلاف الأديان السابقة. وبطبيعة الحال فقد ادعى أحد المجددين الدينيين مؤخراً وهو آية الله السيد كمال الحيدري أن هاتين الروايتين لا تملكان سنداً صحيحاً وهما كلام مشهور جرى على الألسن، والحكم بصحة هذا الحديث من قبل بعض العلماء لم يكن على مبنى الفحص السندي بل لمجرد اعتمادهم على العلماء المتقدمين.

غير أنه بشكل عام، من الواضح أن الأحكام الشرعية لم تأتِ لظرف زمني خاص، ولم يكن الزمان قيداً لصدور الأحكام الشرعية. وعلى سبيل المثال، ففي زمن صدور النص كانت الأسرة تُعرف في ضمن القبيلة، غير أنه في القرآن لم يُشر لهذه المسألة أبداً، واعتُبر الزوج والزوجة كـ ركنين للأسرة؛ ومن ثم لا يمكن القول إنه نظراً لكون آيات القرآن قد صدرت في ذلك المجتمع ذي التوجه القبيلي فإنها لا تؤدي وظيفة في زماننا حيث لا تكون طريقة الحياة الاجتماعية بشكل قبيلي ويجب إخضاعها لإعادة النظر. نعم، إذا اكتُشف ملاك الحكم الشرعي في مورد ما واكتشفنا أن هذا الملاك يوجد بخصوص زمان ومجتمع خاص، فيمكن صرف النظر عن الحكم الشرعي وتغييره؛ غير أن إثبات هذه المسألة يجب أن يقع بشكل عالم وعلى أساس التوجهات الفقهية. فمثلاً في زمن صدور النص كانت الأسرة نسكاً في المجتمع القبيلي فجُعلت الأحكام متناسبة مع هذا التلقي من الأسرة؛ أما في الوقت الحاضر فالأسرة مؤسسة لإيجاد المحبة والمودة وتتطلب أحكاماً متمايزة.

الفقه المعاصر: هل العنف ضد الزوج/الزوجة ينحصر صرفاً في عنف الزوج ضد الزوجة أم يشمل عنف الزوجة ضد الزوج أيضاً؟

دهقان: يجب اعتبار الاثنين معاً؛ سواءً عنف الرجال ضد النساء وعنف النساء ضد الرجال؛ لأن العناوين الفقهية لهذا الأمر مشتركة بينهما. وعلى سبيل المثال فالظلم، والافتراء، والتهمة و… عناوين تصدق في حق المرأة والرجل معاً. وبصرف النظر عن التوجه النسوي، فإن رؤية الفقه تتجه أكثر نحو هشاشة النساء وعرضتهن للأذى، والأحكام جُعلت أكثر في هذا الارتباط؛ فمثلاً ورد في بعض المصادر الدينية التغاضي عن سلوكيات النساء. وبناءً عليه يجب الانحياز أكثر للمرأة في كلٍّ من رسم السياسات والتشريعات؛ غير أن هذا الأمر ليس بداعي التوجه النسوي، بل نظراً لهشاشة النساء وأذى تعرضهن للضرر أكثر من الرجال.