الدكتور حميدرضا مقصودي، رئيس قسم الاقتصاد الإسلامي في جامعة قم:

تشعیب الاقتصاد یسعی إلی تحقیق التوازن لا المساواة

تجلیات الفقه فی تسخیر الاقتصاد لخدمة الشعب/17

٢٧ Mordad ١٤٠٥ ٤ دقيقة قراءة ملف علمی
الملف العلمي: تجلیات الفقه فی تسخیر الاقتصاد لخدمة الشعب
في الاقتصاد الحرّ، يمتلك فئةٌ من الناس حرّيةَ الانقضاض على الناس والاستحواذ على أموالهم قدر ما يستطيعون؛ أمّا تشعيب الاقتصاد فيسعى إلى التوزيع العادل للملكية بين الناس؛ ومن ثَمّ فإنّ التشعيب يختلف اختلافاً تامّاً عن دعم الاقتصاد الحرّ.

إشارة: واجه تشعيبُ الاقتصاد (جعل الاقتصاد بيد الشعب) — طوال ما يقارب عشر سنوات مضت على طرحه في بلدنا — إبهاماتٍ كثيرة. فهل هذا المصطلح يحمل معنًى جديداً في علم الاقتصاد؟ وما نسبته إلى الاقتصاد المقاوم؟ وما علاقته بالاقتصاد الحرّ؟ وهل يستلزم تقليص حجم الدولة؟ وما نسبته إلى النظم الاقتصادية الاشتراكية؟ هذه الأسئلة طرحناها على الدكتور حميدرضا مقصودي، الذي نال شهادة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة الإمام الصادق (عليه السلام)، وهو اليوم رئيس قسم الاقتصاد الإسلامي في جامعة قم. ومن سوابقه العلمية والتنفيذية: إدارة مركز «قصد» الفكري، والاستشارة العلمية لوزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، ومستشارية رئيس منظمة الشؤون الإدارية والتوظيف في البلاد، ورئاسة مكتب الاقتصاد الكلّي في منظمة التخطيط والموازنة. ويرى أنّ تشعيب الاقتصاد يختلف اختلافاً بيّناً عن الخصخصة، وأنّه لا يعني بأيّ وجه تقليصَ حجم الدولة. وفي نظره، فإنّ لتشعيب الاقتصاد صلةً مباشرة بنظرية النظم الاقتصادية في باب الملكية. وفي ما يلي نصّ الحوار الخاصّ الذي أجرته «الفقه المعاصر» مع هذا الاقتصادي:

فقه معاصر: ما نسبة تشعيب الاقتصاد إلى الخصخصة؟

مقصودي: التشعيب أو الخصخصة يعني أن تُوضع الملكية بيد عامّة الناس. غير أنّ للخصخصة معنًى أضيق، وهو تسويق الملكية (إخضاعها لمنطق السوق). وهذه النقطة بالذات تشكّل الفارق المهمّ بين تشعيب الاقتصاد والخصخصة. فخصخصة الاقتصاد تعني تسويق الاقتصاد وإحالته إلى القطاع الخاصّ. وفي الخصخصة، لا ينتفع بثمارها إلّا مَن كان — اصطلاحاً — من أهل السوق، ويمتلك قدرة ماليّة مناسبة تمكّنه من شراء ذلك المال الحكومي. أمّا التشعيب فمعناه أن يُوضع الاقتصاد بيد جميع الناس، وأن ينتفع الجميع بثماره؛ سواء أكانوا من أصحاب رؤوس الأموال أم كانوا في عداد الشرائح الأضعف في المجتمع. وفي التشعيب لا تجري عمليات التمليك الحكومي بالضرورة وفق منطق السوق؛ فمثلاً تُمنح قطعة أرض لمن تزوّج، ولا فرق بين أن يكون فقيراً أو غنيّاً، سليماً أو ذا إعاقة، أو غير ذلك؛ بل تُمنح له قطعة الأرض لمجرّد الزواج. وهذا المنطق ليس منطق السوق، لكنّه مصداق لتشعيب الاقتصاد.

ثمّ إنّ الفارق بين التشعيب والخصخصة في الاقتصاد السياسي أكبر من ذلك أيضاً. ومن الناحية التاريخية كذلك توجد فوارق كثيرة بين الخصخصة والتشعيب، وقد أشرنا إلى بعضها.

فقه معاصر: ما نسبة تشعيب الاقتصاد إلى «الاقتصاد المقاوم»؟ يُستفاد من بعض كلمات قائد الثورة أنّ المفهومَين متّحدان؛ فهل الأمر كذلك؟

مقصودي: إنّ أحد أركان الاقتصاد المقاوم هو تشعيب الاقتصاد. فالاقتصاد المقاوم اقتصادٌ يكون فيه عامّة الناس مالكين لأدوات الإنتاج. أي إنّ العلاقة بين الاقتصاد المقاوم وتشعيب الاقتصاد هي علاقة العموم والخصوص المطلق، والتشعيبُ أحد أجزاء الاقتصاد المقاوم. وللاقتصاد المقاوم أجزاء أخرى غير تشعيب الاقتصاد؛ مثل أن يكون الاقتصاد داخليّ المنشأ، وقائماً على المعرفة، ومستقلّاً، وقادراً على سدّ حاجته بنفسه.

فقه معاصر: هل «تشعيب الاقتصاد» مصطلح جديد في علم الاقتصاد، أم أنّ له في هذا العلم سابقةً وأدبيّات؟

مقصودي: على امتداد التاريخ، حيثما كان الحديث عن ملكية الناس لأدوات الإنتاج، أمكن تتبّع تشعيب الاقتصاد. وقد تحقّق هذا الأمر في عهد حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما تحقّق في أزمنة أخرى. غير أنّ هذا الخطّ المعرفي غير موجود في بعض النظم الاقتصادية؛ فمثلاً في النظام الاشتراكي نُفيت ملكية الناس من الأساس.

فقه معاصر: هل يعني تشعيب الاقتصاد توسيعَ الجمعيات التعاونية ومنحَها الدور الأقصى، أم أنّ له معنًى أعمّ منها أو مغايراً لها؟

مقصودي: كلّ عامل يستطيع أن يمنح عامّة الناس شيئاً من القدرة في موضوع أدوات الإنتاج، فإنّه يوجّه الاقتصاد نحو الاقتصاد الشعبي. ففي الاقتصاد التعاوني يُضاف عامل قوّة إلى الناس؛ لكن حتى في التعاونيات، يختلف مقدار صوت كلّ شخص عن غيره تبعاً لحصّته؛ ولذلك فإنّ الاقتصاد التعاوني لا يعني بالضرورة تشعيب الاقتصاد، وهو مغاير له.

فقه معاصر: ما موقع تشعيب الاقتصاد في النظام الاقتصادي الإسلامي؟ وهل يمكن تفسير تشعيب الاقتصاد وفق النظام الاقتصادي الإسلامي فحسب، أم أنّه قابل للجريان في سائر النظم الاقتصادية أيضاً؟

مقصودي: للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن نرى ما نسبة النظام الاقتصادي الإسلامي إلى الملكية. ففي الإسلام ليست لدينا ملكية غير محدودة. فالشهيد الصدر والشهيد مطهّري والشهيد بهشتي لم يقبلوا الملكية غير المحدودة، وإنّما قبلوها مقيَّدةً بالشرع والأحكام الفقهية فحسب. وتعلّقُ الخمس والزكاة بالمال يعني بذاته تحديدَ الملكية؛ أي إنّ الشارع يسلب من الفرد جزءاً من ملكيته على أمواله.

وبالنظر إلى ذلك، فمن الطبيعي أنّ الإسلام لا يجد مشكلة في التشعيب، لكنّه لا يقبله على نحوٍ مطلق بلا حدّ ولا قيد. أمّا في سائر النظم الاقتصادية، فليس بوسعنا إصدار حكم كلّي بأنّه مقبول فيها جميعاً أو مرفوض؛ بل ينبغي الحديث عن كلّ نظام اقتصادي على حدة.

فقه معاصر: هل يعني تشعيب الاقتصاد دعمَ الاقتصاد الحرّ وتقليصَ دور الدولة، أم لا ملازمة بينهما؟

مقصودي: تشعيب الاقتصاد لا يعني تقليص حجم الدولة، ولا يعني الاقتصاد الحرّ. ففي الاقتصاد الحرّ، يمتلك فئةٌ من الناس حرّية الانقضاض على الناس والاستحواذ على أموالهم قدر ما يستطيعون؛ أمّا تشعيب الاقتصاد فيسعى إلى التوزيع العادل للملكية بين الناس؛ ومن ثَمّ فإنّ التشعيب يختلف اختلافاً تامّاً عن دعم الاقتصاد الحرّ. كما أنّ التشعيب لا يعني تقليص حجم الدولة. نعم، في تشعيب الاقتصاد يُسلب احتكارُ الملكية من الدولة؛ لكنّ ذلك لا يعني تضييق نطاق تدخّل الدولة؛ بل يجب على الدولة — من أجل التوزيع العادل للملكية بين الناس — أن تتدخّل بالحدّ الأقصى، وأن تدافع عن حقوق الناس، وأن تُفوّض إليهم مواردها المجمّدة حيثما اقتضى الأمر ذلك.

فقه معاصر: ما الفرق بين الاقتصاد الشعبي والاقتصاد الشيوعي القائم على تساوي الأفراد في الانتفاع بالموارد؟ وكيف كانت تجارب الدول الاشتراكية في تشعيب الاقتصاد؟

مقصودي: في الاقتصاد الاشتراكي والشيوعي لا توجد لدينا ملكية شعبية. ففي هذا النوع من الاقتصاد لا يكون الناس مالكين من الأساس، وقد جرى التأييد فيه لسلب ملكية الناس. فالاقتصاد الاشتراكي يريد أن يبلغ الانتفاع العامّ من طريق نفي الملكية؛ أمّا تشعيب الاقتصاد فيسعى إلى المساواة في تملّك أدوات الإنتاج؛ أي إنّه يدعم التوازن لا المساواة. وهذه نكتة أشار إليها الشهيد الصدر أيضاً.