خصائص درس الفقه لدی القائد الشهید
إشارة: من بين تجلّيات شخصية القائد الشهيد للثورة، كان البُعد العلمي والفقاهتي أقلَّ ما حظي بالاهتمام، وإن دُرس أحياناً فإنّه في الغالب لم يتجاوز الكلام العامّ والمدائح غير التطبيقية. ولهذه المناسبة، قصدنا حجّة الإسلام والمسلمين محمد حسين رضازاده، أستاذ السطوح العالية في الحوزة العلمية بقم، وأحد تلامذة درس الفقه للقائد الشهيد للثورة. وقد تحدّث في هذا الحوار بدقّة وعلى نحوٍ مصداقيّ عن الأبعاد الفقهية للقائد الشهيد بوصفه أستاذاً بارزاً في علم الفقه. وكان من أهمّ الخصائص التي طرحها في هذا الحوار: معرفة الموضوع عبر الروايات، والأجواء الطلابية (الحوزوية) السائدة على الدرس، وكثرة المطالعة والدقّة البالغة في الأدلّة، مع الالتزام التامّ بالمنهج الجواهري. كما أشار إلى مراسلة مكتوبة جرت بينه وبين القائد الشهيد لم تُذكر في أيّ مكان حتى الآن. وفي ما يلي نصّ الحوار الخاصّ الذي أجرته «الفقه المعاصر» مع مدير مكتب الرقابة والتفتيش في أمانة المجلس الأعلى للحوزات العلمية:
طلب منّي الأعزّاء أن أعرض — عشيّةَ تشييع قائدنا العظيم الشأن وقائدنا الجليل الشهيد، حضرة آية الله العظمى الحاج السيد علي الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه وأعلى الله مقامه الشريف) — وبالنظر إلى أنّني العبدَ الحقير قد حضرتُ مدّةً في درسه الفقهي، ما يخطر على ذهني القاصر من نقاط تتعلّق بأجواء درسه ومنهجه. وأنا الآن أعرض تلك النقاط التي تخطر على ذهني، وإن كان أوّلاً: ربما لم يتمّ استقصاء المطالب حتى الآن، ويحتاج الأمر إلى تأمّل ومباحثة مع سائر الأعزّاء الذين حضروا الدرس حتى تُجمع جميع المطالب؛ وثانياً: ربما لا يكون في بياني ترتيبٌ وتجميعٌ جيّد، وأعتذر مقدّماً عن هذه النواقص.
نموذج لدرس فقهٍ معياريّ
في ما يتعلّق بدرس الفقه لسماحة القائد، قد عرضتُ ذلك سابقاً في بعض المقابلات؛ ولعلّ أوّل خصوصية تتعلّق بدرسه هي أنّ درسه الفقهي كان حقّاً درساً معياريّاً (استاندارد) من حيث تلك المناهج والأنماط الاستنباطية التي كان عليها سائر فقهائنا العظام على امتداد تاريخ الفقاهة. وبالتعبير المستفاد من كلمات الإمام الراحل (رحمه الله)، كان فقهه فقهاً جواهريّاً بالكامل؛ أي من دون الزوائد التي نشاهدها أحياناً في بعض الأجواء. كان فقهاً مبتنياً تماماً على النصوص الدينية، وعلى الاستظهار السليم من الأدلّة، وإعمال القواعد العامّة في تقييم اعتبار الأدلّة، وفي الاستظهار منها، وفي الجمع بينها.
الالتزام بالمنهج الجواهري مع فتح آفاق فقهية
على الرغم من أنّه كان يسعى في أحاديثه العامّة إلى أن يمدّ الفقاهة إلى الميادين الجديدة، وكان يحاول إحياء هذا الخطاب في الحوزات العلمية، وهو أنّ علينا أن نوسّع هذه الفقاهة الشيعية الأصيلة في الميادين التي تحتاج إليها والميادين الأقلّ بحثاً (وإذا أردتُ الآن أن أذكر نظيره في كلام سائر الأعلام، فهو كالمطلب نفسه الذي ذكره الشهيد الصدر (رحمه الله) بعد تأليف كتاب «اقتصادنا»؛ فقد قال إنّ فقهنا قد نما كثيراً من الناحية العمودية وبلغ عمقاً كبيراً، لكنّه يحتاج من الناحية الأفقية إلى نموّ أكبر بكثير. أي إنّ الحاجة قائمة إلى أن تتوسّع هذه الفقاهة بعمقها هذا في الميادين الجديدة التي لم يُعمل فيها بعد.)؛ فإنّ القائد الشهيد (رحمه الله)، على الرغم من سعيه إلى صناعة الخطاب حول هذا المطلب، أي توسعة الفقه من حيث دخول الفقاهة الشيعية في الميادين الجديدة، إلّا أنّ ذلك لم يكن يعني إطلاقاً أن يتخطّى تلك المناهج المسلَّمة والفقاهة الأصيلة والفقاهة الجواهرية التي يلتزم بها.
وإنّما أؤكّد هذا المطلب لأنّنا اليوم — للأسف — نشهد أحياناً مثل هذا الخطأ الاستراتيجي بين الحوزويين؛ إذ من أجل مدّ الفقاهة إلى الميادين الجديدة، يخدشون في الواقع في ذلك المنهج الفقاهتي الأصيل والصحيح، ويُبتلَون أحياناً بعدم الاستناد الصحيح إلى النصوص الدينية، أو بتجاوزها، أو بالإفراط في استعمال العقل وسيرة العقلاء وأمثالها. أمّا في فقاهة قائدنا الشهيد وفي استنباطاته، فلم يكن يُرى بأيّ وجه عينٌ ولا أثرٌ لهذا التخطّي عن تلك الأصول الرئيسية للمنهج الفقاهتي الشيعي، وكان يمضي بالعمل قُدماً على أساس ذلك المنهج الفقاهتي نفسه بالكامل، ويوصل البحث إلى نتيجته.
عدم تعطيل الدرس من دون موجب
بعد هذا المطلب العامّ، ينبغي القول: إنّ درسه كانت له خصائص. أوّلاً: على الرغم من المسؤوليات المتعدّدة والانشغالات الكثيرة، فإنّ ذلك المقدار من الدرس الذي كان يُلقى، كان درساً جديراً بالاهتمام حقّاً، سواء من حيث الانتظام في إقامته — على ما أتذكّر — أو من حيث محتوى البحث، ومن حيث الفحص عن الأدلّة وفحص كلمات سائر الفقهاء. أي لم يكن الأمر كذلك أن يُعطَّل الدرس تِباعاً لمناسبات مختلفة. لا، لقد كانت له انشغالات كثيرة؛ وكان الدرس يُقام ثلاثة أيام في الأسبوع، أي أيام الأحد والاثنين والثلاثاء، لكنّ السعي كان منصبّاً على أن تُحفظ هذه الأيام الثلاثة طوال السنة الدراسية، وألّا يقع تخطٍّ عن هذا البرنامج، وألّا يُعطَّل الدرس.
ملاحظة الأدلّة على نحوٍ مستوفى
وفي الدرس نفسه أيضاً، كان يعمد إلى الفحص عن الآيات والروايات المناسبة لموضوع البحث، ويدرس كلمات الفقهاء. وعلى سبيل المثال، كنّا عنده في بحث المكاسب المحرّمة؛ فكان يدرس كلمات الشيخ الأعظم (رحمه الله) والحواشي المهمّة على مكاسب الشيخ، مثل كلمات السيد (رحمه الله)، وكلمات المرحوم الإيرواني، وأحياناً أعلام آخرين، وكلمات المرحوم السيد الخوئي وكلمات الإمام الراحل (رحمه الله). وفي بعض المسائل كان يرجع إلى كتب الفقهاء الأقدمين، وإذا ثبت في مسألةٍ ادّعاءُ إجماع أو ذُكرت شهرةٌ، أشار إلى كلمات الفقهاء. كذلك في الفحص عن الأدلّة، يمكن القول إنّ النقطة البارزة جدّاً في درسه الفقهي كانت ملاحظة الأدلّة والروايات على نحوٍ مباشر ومستوفى، وسأعرض نقاطاً في هذا الشأن.
المطالعة الكثيرة استعداداً للتدريس
ولعلّ تبلور هذا الذوق والمنهج لديه كان في بحث «الغناء والموسيقى»؛ فقد تقدّم وفق ترتيب المكاسب، وأتذكّر أنّه قال في مطلع إحدى السنوات الدراسية: «كنتُ أريد أن أبدأ بحث الغناء في السنة الدراسية الماضية، لكن حين أحضروا لي هذا الكتاب، قلتُ: لا أستطيع أن أطرح بحث الغناء والموسيقى وأنا لم أطّلع على هذه المجموعة.» (وقد أُنجز هناك عملان مهمّان على الأقلّ: أحدهما أنّهم أفردوا جميع المباحث التي عالجها فقهاؤنا في باب الغناء، سواء في صورة رسائل مستقلّة أو ضمن المجاميع الفقهية، من البداية حتى الأزمنة المتأخّرة، وجمعوا كلمات الفقهاء المتعلّقة ببحث الغناء بعضها إلى بعض. والقسم الآخر كان جمع جميع الروايات الواردة في بحث الغناء والموسيقى.) وقال إنّه قرأ طوال الصيف هذه المجموعة كلّها. فلاحظوا أنّه من أجل بحث الغناء والموسيقى وحده، طالع مجموعةً تبلغ ربما نحو خمسة مجلّدات ضخمة مطالعةً كاملة، وحين شرع في البحث كان بالفعل متمكّناً غاية التمكّن.
الرجوع إلى الروايات بوصفه معرفةً بالموضوع
وقولي إنّ بحث الغناء والموسيقى هو تبلورٌ لمنهجه، معناه العناية المتزامنة بكلمات الفقهاء والعناية المباشرة بالأدلّة. وفي قسم العناية المباشرة بالأدلّة، أي الاستفادة المباشرة منها، كانت هذه الخصوصية بارزةً في منهجه الفقاهتي، وهي أنّه كان يستفيد من الروايات والأدلّة الشرعية استفادتَين على وجه العموم. استفادةٌ معهودة، إذ يُرجع إلى الروايات لمعرفة حكم المسألة والعثور عليه؛ وهذا أمرٌ واضح لا كلام فيه. لكن في موضوعاتٍ، ولا سيّما الموضوعات التي فيها تعقيدٌ وغموضٌ بحسب ماهيّتها، مثل بحث الغناء هذا: ما هو بالضبط الغناء الذي حُرِّم؛ فإنّ كثيراً من فقهائنا يصرفون جُلّ همّتهم على دراسة كتب اللغة وكلمات الفقهاء، ثمّ الرجوع إلى الارتكازات العرفية وأمثالها (وهذا أيضاً صحيحٌ في موضعه بطبيعة الحال، والقائد الشهيد (رحمه الله) كان يستعمل هذه الأدوات نفسها في معرفة الموضوع). لكنّ النقطة البارزة في منهج عمله كانت الرجوع إلى الروايات بوصفها نصوصاً تقرّبنا من «الموضوع»؛ أي أن نرى — من خلال الإشارات والنكات التي تُستفاد من داخل الروايات — عن أيّ موضوع تتحدّث الروايات أو آيات القرآن (ففي بحث الغناء والموسيقى كان بحث آيات القرآن مطروحاً أيضاً). وكان يستخرج حدود الموضوع وثغوره من اللطائف الموجودة في الأدلّة النقلية نفسها؛ وهذا في نظري منهجٌ جدير جدّاً بالاهتمام في معرفة موضوع بعض المسائل، وهو أن نرجع إلى النصوص لا لاكتشاف الحكم، بل لاكتشاف الموضوع.
قال: ينبغي التفكير في أمرٍ آخر
وأعرض هنا بين قوسين: خطر على ذهننا في تلك الأيام نفسها: ما الذي ينبغي أن نفعله لاكتشاف زمينة صدور الأدلّة والروايات وذلك البستر (السياق) الذي صدرت فيه هذه الروايات. فخطر على ذهننا أن نطالع مثلاً الكتب التاريخية؛ وأتذكّر أنّني كنتُ قد شرعتُ في ما يتعلّق ببحث الغناء والموسيقى في مطالعة كتاب «الأغاني» أو بعض كتب التاريخ. لا بعنوان دراسة التاريخ من حيث ضبط الوقائع والحوادث وفي أيّ يوم وشهر وسنة وقعت، بل لكي نصل من مجموع مطالعة هذا التراث المكتوب إلى ذهنيّة تجعلنا نلتفت إلى ما تريد الأدلّةُ التي صدرت في هذا السياق أن تقوله بالضبط.
كان هذا مشروعاً قد شرعنا فيه، وكنّا منشغلين بمطالعة هذه الكتب؛ فأرسلتُ رسالةً إلى القائد الشهيد (رحمه الله) وطلبتُ منه الإرشاد: أنّ لدينا مثل هذا التفكير وقد بدأنا مثل هذا العمل، فما رأيكم في ذلك. وعلى الرغم من أنّه كان كثير المطالعة جدّاً في هذه الجهات، وكنّا نتصوّر أنّه سيرحّب بهذا المسار (لأنّني كنتُ أعلم أنّه قرأ كتاب الأغاني — وهو كتاب مفصّل — من أوّله إلى آخره مرّةً، وعلى الأرجح مرّتين، وأنّه طالع كتباً تاريخية أخرى متعدّدة)، كان المهمّ عندي أن أرى ما رأيه في ميدان البحث الفقاهتي. وأمّا الجواب الذي قرأه لي مكتبه ودوّنتُه (ليس نصّه الحرفي أمامي الآن، لكنّ عندي تدوينه في موضع آخر)، فقد قال فيه: «هذا مسار طويل جدّاً وقليل الفائدة، ينبغي التفكير في أمرٍ آخر.» كان هذا هو الجواب المختصر الذي أعطاه آنذاك ردّاً على رسالتنا.
وبعد أن تأمّلنا قليلاً وأنِسنا بمنهجه أكثر، كان انطباعي أنّ ذلك «الأمر الآخر» لعلّه هو التدقيق في الروايات نفسها بوصفه سبيلاً إلى معرفة الموضوع ومعرفة البستر (السياق) الاجتماعي والثقافي والأجواء التي صدرت فيها الروايات؛ ولعلّ هذا المنهج يجعل الطريق أقربَ إلينا بكثير وأكثرَ فتحاً للأبواب. وهو نفسه كان يصرّ على استعمال هذا المنهج.
الجدّية والدقّة في دراسة الأدلّة
وخلاصة الأمر أنّه كان يعتقد اعتقاداً راسخاً بضرورة صرف الوقت على الأدلّة في البحوث الفقهية؛ ولذلك في بحث الغناء والموسيقى ذاته، كان يقرأ في فصلٍ مُشبَع كلَّ روايةٍ من تلك الروايات العمدة الواردة في البحث واحدةً واحدة؛ ويبحثها من حيث السند والدلالة والجهات المختلفة، ثمّ ينتقل إلى الجمع بندي (الخلاصة النهائية) ليرى أيَّ موضوعٍ أوّلاً، ثمّ أيَّ حكمٍ، يُستفاد من هذه الروايات، ويبلغ بالبحث منتهاه. وهذا أيضاً من هذا البُعد في درسه.
كان يقول بآليّة علم الأصول
لم يكن له درسُ أصول، وهذا طبيعيّ بالنظر إلى انشغالاته الكثيرة، وكان يصرف جُلّ سعيه على المضيّ ببحث الفقه. وبطبيعة الحال، كان يبدو من الناحية المنهجية هذا الاختلاف أيضاً، وهو أنّه كان يؤكّد على جهة آليّة علم الأصول للفقه، ولم يكن يرى لعلم الأصول شأناً مستقلّاً قطّ. وقد كانت لديه مبانيه الأصولية، وأحياناً في البحوث حين تُحتاج الكبريات الأصولية، كان يقول إنّ رأينا في الأصول كان كذا، ويبيّن رأيه. فقد اتّخذ رأياً في المباحث الأصولية التي يحتاج إليها، ولكن أن يطرح البحوث الأصولية تِباعاً، أو أن يقول على الفرض: «لو لم يكن لدينا هنا دليل ورواية، فماذا ينبغي أن نصنع وفق المباني الأصولية»، ويخصّص فصلاً طويلاً للقواعد الأصولية «لولا الدليل» — فلم يكن الأمر كذلك. كان يمضي بالبحث على نحوٍ واقعيّ تماماً وقائم على المخرجات؛ ولكنّه في الوقت نفسه كان صاحب مبنى أصوليّ ويمضي بالبحث وفقه.
التمكّن من علم الرجال
في ما يتعلّق ببحث الرجال، كان متمكّناً حقّاً؛ أي كان متمكّناً تماماً من الزمينات والأبستر (الخلفيات والسياقات) التاريخية، ومن معرفة الأفراد والأشخاص؛ فقد كان يعرف الرواة وسوابقهم وارتباطاتهم معرفةً جيّدة. كذلك كان صاحب مبنى من حيث المباني. وعلى سبيل المثال، كان يرى في بحث «أصحاب الإجماع» — كجماعةٍ أخرى من الفقهاء — أنّنا نستطيع إثبات اعتبار الرواية. وهذا مبنًى في علم الرجال محلّ بحث؛ فمع أنّ أعلاماً مثل المرحوم السيد الخوئي لم يكونوا يقبلون بحث أصحاب الإجماع، إلّا أنّه كان يعتقد أنّنا نستطيع إثبات اعتبار الروايات عن طريق أصحاب الإجماع. أي إذا كان سند الرواية صحيحاً إلى أولئك الأصحاب من أصحاب الإجماع، لم نعد بحاجةٍ بعد ذلك إلى إثبات وثاقة الرواة، بل نقول إنّ هذه الرواية معتبرة. وكانت هناك موارد أخرى من هذا القبيل تدلّ على أنّه كان حقّاً صاحب مبنى في علم الرجال.
محورية القرآن من دون إفراط
في البحوث الفقهية، لم يكن يقع في الإفراط في محورية القرآن بمعنى قلّة الاهتمام بالأدلّة والروايات؛ لم يكن الأمر كذلك بأيّ وجه. فالتمسّك بالروايات ودراستها كان بارزاً جدّاً في درسه. لكن كلّما احتاج الأمر إلى دراسة الآيات، كان تمكّنه واضحاً حقّاً في جمع الآيات ذات الصلة وفهمها وأبعادها التفسيرية. وإنصافاً كانت أبعاده التفسيرية جيّدة جدّاً. وقد اشتغلنا مدّةً قصيرة على بعض بحوثه التفسيرية، وكان له حقّاً فهمٌ وذوقٌ صافٍ وسليمٌ جدّاً في الاستفادة من آيات القرآن الكريم. وفي بحث الغناء والموسيقى المذكور، كان يرجع إلى بعض الآيات. ومن البحوث التي كان التمسّك بالآيات فيها بارزاً بحثُ معرفة موضوع «السحر»، حيث كان يعالج — بصرف النظر عن بحث حكمه — ما هو السحر أساساً. فقد طرحت آياتٌ مختلفة بحث السحر؛ وكان هو أيضاً بتلك المناسبة يقرأ واحدةً واحدة الآيات المتعدّدة التي طُرح فيها بحث السحر، ويطرح اللغة، والاستنباط من الآية، والفهم من مجموع صدر الآيات وذيلها وأمثال ذلك، وانتهى إلى رأيٍ لعلّه كان مختلفاً عن كثير من آراء الفقهاء. غير أنّه قال في النهاية إنّه بعد أن توصّل هو نفسه إلى الخلاصة، اطّلع على كلام المرحوم السيد الخوئي في معرفة موضوع السحر، والتفت إلى أنّ رأيه متّحد مع رأي المرحوم السيد الخوئي؛ لكنّه كان يقول إنّ السيد الخوئي لم يسلك هذا المسار الذي سلكناه، بل ذهب من مسارٍ آخر، إلّا أنّ هذا المسار الذي سلكه هو نفسه أكثر قبولاً في نظره. وهذا أيضاً بُعدٌ آخر من بحثه.
كتابة المطالب قبل انعقاد جلسة الدرس
أمّا في ما يتعلّق بتعيين موضوعات الدروس، فبطبيعة الحال لكونه لم يكن يملك فرصةً كافية لإلقاء الدرس (فأنتم تعلمون أنّ الفقيه قد يستطيع أحياناً أن يجمع عمله ويصل إلى نتيجةٍ أسرع من أجل خلاصته واستنباطه، لكنّ إلقاء الدرس له لوازم تتطلّب أحياناً وقتاً أكثر؛ أي إنّ تنظيم البحث لإلقاء درسٍ يستغرق وقتاً). كان ذوقه أن يكتب المباحث التي يريد إلقاءها. وكان يُشاهَد أحياناً أنّه يقول من دفترٍ كان معه: «نعم، لقد كتبتُ هنا كذا»، وأمثال ذلك. وهذا كان يدلّ على أنّه كان يكتب الدرس قبل الحضور في الجلسة. ولهذا السبب لم يطرح بعض المباحث الجديدة جدّاً والمليئة بالتحدّيات، مثل المسائل الاقتصادية أو المصرفية وأمثالها، ممّا له معارفُ موضوعيّة خاصّة ويستغرق العثورُ على أدلّتها والبحثُ فيها وقتاً. وحين كنّا عنده، كان البحث في المكاسب المحرّمة، وبعد ذلك طرح بحث صلاة المسافر وصلاة الجماعة، ولم أوفَّق أنا لحضور تلك الدروس. وقبل ذلك كان قد بحث كتاب الجهاد وكتاب القصاص وأمثال هذه المباحث.
قراءة الروايات عن ظهر قلب
ومن النقاط المهمّة التي كانت بارزةً تماماً في درسه أيضاً، الذاكرةُ الجيّدة جدّاً التي كان يتمتّع بها. فلم يكن الأمر كذلك أن يطرح مطلباً اليوم وينسى بعد مدّةٍ مبناه أو رأيه أو حتى الأدلّة. ومن الطريف أنّه جاء يوماً؛ وكالمعتاد كان الأخ المرافق الذي يصحبه يضع بين يديه دفتر تدوين المطالب وبعض الكتب اللازمة مثل «وسائل الشيعة» أو كتب أخرى. وكان يقرأ الروايات غالباً من كتاب وسائل الشيعة. في تلك الجلسة أراد أن يقرأ روايةً، لكنّه التفت إلى أنّ المجلّد من «وسائل الشيعة» الذي فيه الرواية المقصودة ليس معه. فطلب من الإخوة المرافقين أن يأتوه بذلك المجلّد الخاصّ من غرفته. ثمّ قال: «إلى أن يذهب أخونا هذا ويأتي بذلك المجلّد من وسائل الشيعة، سأشرع في قراءة هذه الرواية عن ظهر قلب حتى يصل الكتاب.» وشرع في قراءة سند الرواية ومتنها عن ظهر قلب. وعادةً لا يعمد أحدٌ إلى حفظ الروايات الواردة تحت بحثٍ فقهيّ واحدةً واحدة كحفظ القرآن؛ وهذا يدلّ على أنّه — بمقدار ما كان منشغلاً بمطالعة هذه الأدلّة والروايات، وقد راجعها على الأرجح مرّاتٍ عدّة وتأمّل في جوانبها — قد انطبعت الرواية في ذاكرته. وكانت قراءةُ الرواية عن ظهر قلب في أثناء الدرس أمراً طريفاً جدّاً بالنسبة إلينا؛ فقد قرأ الرواية كاملةً أو قرأ قسماً كبيراً منها إلى أن أحضروا الكتاب. أريد أن أقول إنّ هذه الذاكرة القويّة التي منّ الله تعالى بها عليه كانت تساعد كثيراً في انسجام البحث، وتحول دون أن يُسمع منه كلامٌ متهافتٌ ومتناقض، ولا أتذكّر موضعاً بحث فيه على خلاف مبناه.
الأجواء الطلابية في جلسة الدرس
وكانت أجواء الدرس أيضاً أجواء درسٍ طلابيّ (حوزويّ) بالكامل؛ أي على الرغم من أنّ المرء قد يتصوّر أنّه كان يتقلّد منصب القيادة، وأنّ المرافقين وأشخاصاً مختلفين كانوا حاضرين، وأنّ ثمّة حساسيات، إلّا أنّه حين يبدأ الدرس كانت علاقة الأستاذ والتلميذ هي السائدة بالكامل. كان الأفراد يوردون الإشكالات وهو يجيب؛ وإذا طُرح في أثناء الدرس «إن قلت» أو سؤالٌ، كان يجيب بصبرٍ وسَعة صدر، ولم يكن الأمر كذلك أن يضيق صدره بالبحث مع أحد. غير أنّه كان يدير الجلسة كي لا ينتهي الدرس إلى حواراتٍ ثنائية. ولهذا كان الدرس ناجحاً جدّاً من هذه الناحية، أي من ناحية أنّه كان يتمتّع بذهنٍ منظّم جدّاً، وكان يكتب المباحث قبل الدرس، ويدير جلسة الدرس إدارةً جيّدة (بحيث كان يُسمح بالإشكال والجواب، ولا يُترك البحثُ في الوقت نفسه لتستهلك الحوارات الثنائية وقتَ الصفّ).
إصرار القائد الشهيد على المنهج الجواهري
وهذا أيضاً من الخصائص الأخرى لدرسه. وفي الختام أؤكّد مرّةً أخرى على تلك النقطة الأولى: أنّه على الرغم من اهتمامه البالغ بالابتكار وتوسعة الفقه وحلّ المسائل الجديدة في خطاباته المتعدّدة والمتكرّرة، ومطالبته الحوزة بذلك، فإنّ هذا الأمر لم يكن يدفعه قطّ — عند الدخول في ميدان الفقه والاستنباط — إلى التخطّي عن أصول الفقاهة الشيعية الصحيحة والمعروفة؛ بل كان يمضي وفق تلك الأصول نفسها ويمارس الاستنباط الفقهي.