یجب أن ینظر الفقه إلی الطبیعة بوصفها کائناً حیاً
الحكم الشرعي في الحفاظ على الموارد الطبيعية من منظور الفقه الإمامي/15
إشارة: من أبرز المآخذ التي أخذها أنصار الموارد الطبيعية على الوسط الفقهي في السنوات الأخيرة، عدم صدور فتاوى صريحة بشأن وجوب الحفاظ على الموارد الطبيعية وصيانتها والتصدي لتخريبها. لكن هل تقاعس علم الفقه فعلاً في دعم الموارد الطبيعية وتجاهل هذا الأمر، أم أن الفتاوى الموجودة في التراث الفقهي لم تُدرس بدقة كافية؟ وما هي أساساً أوجه الدعم التي يمكن لعلم الفقه أن يقدمها للموارد الطبيعية؟ في هذا الصدد، أجرينا حواراً مع حجة الإسلام والمسلمين السيد حميد جوشقاني، أمين مجموعة «فقه البيئة والموارد الطبيعية» في معهد أبحاث الفقه المعاصر. ويرى سماحته أنه يجب على الفقه، استناداً إلى التعاليم القرآنية، أن ينظر إلى الطبيعة بوصفها كائناً حياً، وأن ينظّم القضايا الفقهية على أساس هذا المنظور. ويؤكد في الوقت نفسه أنه لم يُعثر حتى الآن على أي فتوى تتضمن عدم دعم الفقهاء للموارد الطبيعية. وفيما يلي نص الحوار التفصيلي الخاص الذي أجرته «الفقه المعاصر» مع هذا الأستاذ والباحث في الحوزة العلمية بقم:
الفقه المعاصر: كيف تقيّمون فتاوى الفقهاء في مجال دعم الحفاظ على الموارد الطبيعية؟
جوشقاني: بشكل عام، تقوم التعاليم الإسلامية على أساس أن العالم الطبيعي جزء من الخلق الإلهي، وأن الإنسان يتحمل مسؤولية التعامل معه بالعدل والاعتدال ومن دون إسراف، وأن يتجنب أي فساد أو تخريب يلحق الضرر به أو بغيره. ومن هنا يمكن القول إن فتاوى الفقهاء وآراءهم في مجال الحفاظ على الموارد الطبيعية والبيئة تستند إلى المبادئ التالية:
دور الإنسان بوصفه خليفة ومسؤولاً: لم يجعل الإسلام الإنسان مالكاً مطلقاً، بل خليفة ومسؤولاً. وهذا الدور يستلزم تحمّل المسؤولية تجاه الموارد الطبيعية والبيئة.
النهي الشديد عن الإسراف والتبذير: تنهى التعاليم الإسلامية حتى عن الإسراف والتبذير في
استخدام الموارد، وهو ما يؤكد أهمية الحفاظ على الموارد حتى في زمن الوفرة. ويسمّي القرآن الكريم المسرفين إخوان الشياطين، وهو تعبير بالغ القوة ضد الاستهلاك العشوائي والعبثي.
حرمة الفساد في البر والبحر: تشير آيات من القرآن الكريم إلى حرمة الفساد في الأرض، وإلى ظهور الفساد في البر والبحر بسبب أعمال الناس. ويشمل هذا الفساد أيضاً تخريب البيئة.
مبدأ الاعتدال في الاستثمار: النهج الموصى به في إدارة الموارد هو مراعاة الاعتدال، بحيث لا يقع الإسراف ولا يُمارَس الشحّ.
حرمة الإضرار بالآخرين: إن إساءة استخدام الموارد (كالاستهلاك العشوائي للمياه) بشكل يُلحق الضرر بالآخرين أمر محرّم.
الإدارة الكيفية والكمية لاستخدام الموارد العامة بما يخدم المنافع والمصالح العامة: يجب إدارة الموارد الطبيعية، كالمعادن والبحار والغابات، بأسلوب إسلامي وحكيم يعود بالنفع على الجميع ولا يُلحق الضرر بالمجتمع.
ضرورة الحفاظ على البيئة حتى في الظروف الاستثنائية: كالأمر بعدم قطع الأشجار من جذورها في الحرب، وعدم تسميم المياه، وعدم إحراق الأشجار والمزارع إلا في حالات الاضطرار التام.
الفقه المعاصر: هل يُعزى جزء من أزمة تلاشي الموارد الطبيعية إلى قصور الفتاوى أو عدم صراحتها في منع الاستخدام العشوائي للموارد الطبيعية، أم أن فتاوى الفقهاء لم يكن لها دور يُذكر في هذه الأزمة؟
جوشقاني: يمكن دراسة العلاقة بين أزمة تلاشي الموارد الطبيعية وفتاوى الفقهاء من عدة جوانب:
من زاوية نظرة الإسلام إلى الموارد الطبيعية وإدارتها: تؤكد النصوص الإسلامية على الاعتدال في استخدام الموارد الطبيعية، وتنهى بشدة عن الإسراف والإفراط. وهذا يُظهر أهمية الحفاظ على الموارد حتى في حالة الوفرة. فقد جعل الله سبحانه الإنسان خليفة له في الأرض، ومنحه التسلط على الأنهار والأرض والسماوات ليسعى في طلب رزقه. وهذا يبيّن مسؤولية الإنسان ووصايته على العالم الطبيعي. فعلى سبيل المثال، حفر قناة ري تسحب كمية كبيرة من المياه من مصدر عام وتُلحق الضرر بمزارع أخرى أمر محرّم؛ ولذلك لا يوجد أي غموض من هذه الزاوية.
من زاوية الفقهاء والفتاوى: تُستنبط فتوى الفقهاء (الأحكام الشرعية) من القرآن الكريم وسنة النبي (صلى الله عليه وآله). ويتحمل الفقهاء مسؤولية مراعاة أحكام الإسلام وإصدار فتاوى تتوافق مع التعاليم الإلهية. والفقيه بوصفه النائب العام للإمام (عجل الله فرجه) مسؤول عن رعاية شؤون العالم الإسلامي والدفاع عن ديار المسلمين، وقد يشمل ذلك إدارة الموارد أيضاً. ويمكن للفقيه أن يشرف على استخراج المعادن من الأراضي الحلال أو المفتوحة عنوةً، وأن يستثمرها لمصلحة المسلمين.
العلاقة بين أزمة الموارد الطبيعية والفتاوى: تنشأ أزمة تلاشي الموارد الطبيعية عن ممارسات كالإسراف والاستهلاك العشوائي والاستثمار المُضرّ، وهي ممارسات تتعارض مع المبادئ الإسلامية القائمة على الاعتدال، وتجنّب الإسراف والفساد، وضمان المنافع العادلة، ومنع الإضرار بالمجتمع. ويقع على عاتق الفقهاء، بوصفهم مرشدين للمجتمع وفق الشريعة الإسلامية، إصدار فتاوى تُرسّخ هذه المبادئ وتُدين الممارسات الإسرافية والمُضرّة، وتقدّم إرشادات لإدارة مستدامة وعادلة في مواجهة أزمة تراجع الموارد؛ ولذلك، فإن فتاوى الفقهاء، إذا استُنبطت بشكل صحيح من المصادر الإسلامية، يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في مواجهة أزمة تلاشي الموارد الطبيعية.
إن إصدار الفتوى بناءً على الرأي والاجتهاد الشخصي ليس باطلاً فحسب، بل قد يحمل منفعة شخصية لمُصدرها، وهو أمر غير مشروع. وتصف النصوص عموماً إصدار الفتوى من دون أساس بأنه سبب للهلاك أو الفساد. ومع ذلك، لم يثبت في التراث الفقهي وجود فتوى أو بيان صريح يفيد بأن فتوى معينة أدّت مباشرة إلى تخريب الموارد الطبيعية أو البيئة في مكان محدد.
الفقه المعاصر: إذا كنتم ترون أن فتاوى الفقهاء في دعم الحفاظ على الموارد الطبيعية غير صريحة أو غير كافية، فما هي الأسس والمنطلقات التي ترونها مؤثرة في ذلك؟
جوشقاني: يهدف الإسلام إلى ترسيخ سيادة القيم العليا كالعدل والإنصاف، والقضاء على عوامل الوهن والتخلف كالظلم والجور والخداع، من أجل إيجاد بيئة آمنة وخالية من المشكلات. وقد تصدّى القرآن الكريم صراحة للفساد في الأرض، وهو ما يشمل تخريب البيئة أيضاً. كما تشير أحاديث عديدة، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى أهمية العناية بالبيئة. وتنظر الرؤية الإسلامية إلى الإنسان بوصفه خليفة (حارساً مسؤولاً) على الخلق، لا حاكماً مطلقاً، ولا تُجيز له استخدام الموارد والبيئة بشكل عشوائي. وقد شُرّعت الشريعة الإسلامية بما يتلاءم مع قوانين الطبيعة، وهدفها ترسيخ التناغم والتوازن بين الإنسان والعالم الطبيعي. أما بخصوص دور الفقهاء، فإن مسؤوليتهم تتمثل في تطبيق أحكام الإسلام استناداً إلى القرآن الكريم وسنة النبي (صلى الله عليه وآله)، وينبغي أن يبنوا فتاواهم على هذين المصدرين. ولعله يمكن القول إنه في العصر الحاضر، ومع تطور التكنولوجيا وسرعتها في استثمار الموارد الطبيعية والبيئة، وفي ظل الأوضاع الحرجة التي تمر بها البيئة، فإن مقدمات معينة، من قبيل النظر إلى مثل هذه المسائل من زاوية الفقه الحكومي والمصالح الجماعية والمجتمعية، وكذلك منظور العدالة بين الأجيال، تكتسب أهمية أكبر مقارنة بالمراحل السابقة.
الفقه المعاصر: هل كان لمقولات من قبيل «عدم القول بالملكية بين الأجيال للموارد الطبيعية»، و«عدم الإلمام الكافي بالقيم والوظائف المهمة للموارد الطبيعية»، و«عدم الإلمام الكافي بالطبيعة الاستثمارية والأمنية للموارد الطبيعية»، و«النهج الفردي والجزئي تجاه الموارد الطبيعية»، تأثير في عدم صدور فتوى صريحة وجادة من الفقهاء بشأن ضرورة الحفاظ على الموارد الطبيعية؟
جوشقاني: ثمة عوامل متعددة قد يكون لها دور في عدم وجود فتاوى صريحة وقاطعة من قبل الفقهاء بشأن ضرورة الحفاظ على الموارد الطبيعية. فمع أن النصوص الشرعية تشير بوضوح إلى أهمية الحفاظ على الموارد، وتجنّب الإسراف والفساد في الأرض، ومسؤولية الإنسان بوصفه حارساً على الطبيعة، فإن عملية إصدار الفتوى تنطوي على اعتبارات وصعوبات يمكن أن تؤثر في كيفية صياغة الأحكام ومدى صراحتها. وأهم العوامل المؤثرة في هذا الأمر، والتي يمكن استنباطها من النص، هي:
١. تعقيد إصدار الفتوى وثقل المسؤولية المترتبة عليه: تعتبر النصوص إصدار الفتوى بمثابة توقيع باسم الله. وقد وردت تحذيرات شديدة بشأن إصدار الفتوى من دون علم كافٍ، منها لعن الملائكة وتحمّل وزر من يعمل بتلك الفتوى. وهذا الثقل في المسؤولية قد يدفع الفقهاء إلى مزيد من الاحتياط، ولاسيما في المسائل المستحدثة والمعقّدة التي تتطلب تطبيق المبادئ الكلية على الظروف الجديدة.
٢. ضرورة توفر المعرفة التخصصية العميقة: ترتبط المسائل المتعلقة بالحفاظ على الموارد الطبيعية غالباً بعلوم حديثة، كعلم البيئة وإدارة الموارد والاقتصاد. وضرورة دمج المعرفة الدينية مع المعرفة التخصصية المستجدة في مجال البيئة قد يجعل عملية إصدار فتاوى قاطعة ومفصّلة أمراً صعباً.
٣. تحدّي التعريف الدقيق للمصطلحات في السياق الحديث: إذ من دون تحقيق الموضوع بشكل صحيح وتعريفه بوضوح، يفقد الحكم معناه. وقد تحتاج المفاهيم المتعلقة بالحفاظ على الموارد الطبيعية والإسراف على المستوى الصناعي والعالمي إلى تعريفات دقيقة وجديدة، قد يكون تطبيقها ضمن الأطر الفقهية التقليدية أمراً يشوبه التحدي.
٤. تأثير الظروف الاقتصادية والسياسية: جعلت الظروف الاقتصادية والسياسية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، لاسيما البلدان النامية، مسألة الحفاظ على البيئة في مواجهة البُنى الاجتماعية-الاقتصادية الحديثة (كالحرب) أمراً بالغ الصعوبة. وقد يستلزم إصدار فتاوى ذات تبعات اقتصادية أو اجتماعية جسيمة مزيداً من الدراسة العميقة والاحتياط.
وفي النهاية، فرغم أن المبادئ الإسلامية العامة تؤكد على مراعاة البيئة وتجنّب الفساد، فإن الصعوبات الكامنة في عملية الاجتهاد، وضرورة توفر معرفة واسعة ودقيقة، وثقل تبعات الخطأ، وتعقيد تطبيق المبادئ على المسائل الجديدة والعالمية كالحفاظ على الموارد الطبيعية، يمكن أن تكون من بين العوامل التي أدّت إلى عدم صدور فتاوى صريحة وقاطعة بالعدد والانتشار المتوقعين في هذا المجال.
الفقه المعاصر: ما هي المقترحات والحلول التي تطرحونها لتحقيق دعم أفضل من علم الفقه للموارد الطبيعية؟
جوشقاني: ثمة حلول ومقترحات لتحقيق دعم أفضل من علم الفقه للموارد الطبيعية، مستمدة من التعاليم الإسلامية، يمكن إيجازها في المبادئ والمناهج التالية:
١. الاعتدال في إدارة الموارد: النهج الموصى به في إدارة الموارد هو ممارسة الاعتدال، أي تجنّب الإسراف (التبذير) والبخل. وهذا النهج يحظى برضا الله سبحانه، وقد جاء التشجيع عليه في التعاليم الإسلامية. وتؤدي الإدارة الصحيحة إلى الحفاظ على البركات وزيادتها.
٢. التناغم والتوازن مع الطبيعة: تراعي الأحكام الإسلامية رفاهية جميع الكائنات الحية، بما فيها الحيوانات، وكرامتها، وتفرض قوانين تقضي بمعاملتها وفق مبادئ الرحمة والشفقة والعدل.
٣. دور الاستخلاف والرعاية المسؤولة: يبيّن القرآن الكريم دور الإنسان بوصفه خليفة، أي أنه يتحمّل مسؤولية الرعاية المسؤولة للخلق، لا السيطرة المطلقة عليه.
٤. تجنّب الإسراف والاستهلاك المفرط: يأمرنا القرآن الكريم صراحة بعدم الإسراف، ويسمّي المسرفين إخوان الشياطين، وهذا تعبير بالغ القوة يُظهر أن الاستهلاك المفرط ضرب من الشر أو الضلال.
٥. الإدارة العادلة والحكيمة للموارد: يجب إدارة الموارد الطبيعية، كالمعادن والبحار والغابات، بأسلوب حكيم وإسلامي، مع الإقرار بأنها ملك للجميع، ولكل فرد حق متساوٍ في الانتفاع بها.
٦. تجنّب الإضرار والفساد في الأرض: في الأحكام الإسلامية، يُحرَّم استخدام الموارد بطريقة تُلحق الضرر بالآخرين (كإهدار المياه المشتركة). وينسجم هذا المبدأ مع قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”.
٧. عدم تركّز الثروة والموارد: وفق النظام الاقتصادي الإسلامي، لا يجوز أن تتركّز الموارد والثروة بيد فئة من الأثرياء، بل يجب توزيعها بشكل عادل ومنصف، وفق تعاليم القرآن الكريم وسنة النبي (صلى الله عليه وآله)، لتكون وسيلة للهداية والثواب.
٨. النظر إلى الطبيعة بوصفها جزءاً من خلق حيّ وواعٍ: خلافاً للرؤية السائدة في عصر الثورة الصناعية والرأسمالية، التي تنظر إلى الطبيعة بوصفها مورداً جامداً للاستخدام غير المحدود من قبل الإنسان، ينظر القرآن الكريم إلى العالم الطبيعي بوصفه واعياً وجزءاً من كلٍّ يُسبّح لله سبحانه. وهذه الرؤية الشمولية يمكن أن تُفضي إلى نهج أفضل في التعامل مع البيئة.
٩. دور الفقيه في الإشراف على الاستثمار: يمكن للفقيه (المجتهد) أن يشرف على عملية استخراج الموارد (كالمعادن)، وأن يستثمرها لمنفعة المسلمين وتحمّل نفقاتهم. وفي هذه الحالة، يكون المستخرجون ملزمين بمراعاة رأي الفقيه.