عُقدت الجلسة الرابعة والسبعون من سلسلة ندوات «أیام الأحد: مناقشة المنهج» تحت عنوان «المقتضيات المنهجية لتحويل القضايا الفقهية إلى ثقافة عامة»، يوم الأحد ٢١ رجب ١٤٤٧هـ، بتنظيم من معهد دراسات الفقه المعاصر، وبدعم من «لجنة تطوير العلوم الإسلامية وتمكينها» التابعة لمكتب التبليغ الإسلامي، وبالتعاون مع قسم الفقه والحقوق في مركز البحوث الإسلامية التابع لمجلس الشورى.
في هذه الندوة، قدّم حجة الإسلام والمسلمين الدكتور محمد تقي سبحاني، رئيس قطب «تعميق الإيمان الديني ومواجهة المعتقدات المنحرفة» بمكتب التبليغ الإسلامي، رؤية منهجية حول كيفية تحقيق الدين في ساحة الواقع الاجتماعي؛ وهي رؤية يُعبّر عنها بعنوان «مشروع المنظومة – النموذج – البرنامج».
في البداية، أشار الأمين العلمي للجلسة، حجة الإسلام والمسلمين محمد كاظم حقاني فضل، مدير موسوعة الفقه المعاصر، إلى الهاجس المحوري للمتدينين وعلماء الدين، معتبراً قضية «تطبيق الدين على المستوى العام للمجتمع» الهدف الأساسي للدين، ومؤكداً أن تحويل القضايا الفقهية إلى ثقافة عامة يتطلب منهجاً وعلماً وجهازاً مفاهيمياً واضحاً؛ وهو أمرٌ، رغم أهميته، لم تتم صياغته علمياً بشكل متكامل بعد.
وميّز سماحته بين القضايا الوصفية والقضايا المعيارية في الفقه، منوّهاً إلى أن موضع البحث الرئيسي في تحويل الفقه إلى ثقافة عامة ينصبّ على الأوامر والنواهي والأحكام المعيارية، خاصة في مجال العلاقات الاجتماعية والأسرية والمعاملات بمعناها الخاص؛ وليس الأحكام ذات الطبيعة التنفيذية أو القضائية البحتة. وأضاف الأمين العلمي للجلسة أن علاقة «مقاصد الشريعة» بعملية تحويل القضايا الفقهية إلى ثقافة عامة تُعد من الأسئلة الجوهرية في هذا المجال، والتي تتطلب تأملاً منهجياً.
من «معرفة الدين» إلى «تحقيقه في الواقع»
بعد ذلك، استهلّ حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سبحاني حديثه بطرح السؤال التالي: «كيف يمكن تحقيق الحقائق والقيم الدينية في حياة الفرد والعلاقات الاجتماعية؟».
وأشار سماحته إلى التحولات التي يشهدها العالم والفجوة التي نشأت بين التراث والحداثة، مؤكداً أن الآليات الطبيعية لتحقيق الدين في المجتمعات التقليدية لم تعد كافية في العالم المعاصر، وأن تحقيق الدين في ظل ظروف معقدة ومتسارعة ومتأثرة ببارادايمات (نماذج إرشادية) جديدة، يتطلب نماذج وعمليات خاصة.
واعتبر الدكتور سبحاني مشروع «المنظومة – النموذج – البرنامج» استجابةً لهذا الوضع، وإعادة استكشاف لعملية طبيعية وتجريبية في تحقيق أي مذهب أو أيديولوجية، وعرّفه بأنه مسار ثلاثي المراحل للانتقال من مقام النظر إلى مقام العمل، ثم شرع في بيانه.
الخطوة الأولى: المنظومة؛ معرفة ماهية الدين
بحسب ما أفاد به مقدّم الندوة، فإن الخطوة الأولى في تحقيق الدين هي معرفة «ماهيته»؛ أي تحديد عناصر الدين ومكوناته وقضاياه الأساسية في قالب «منظومة معرفية». هذه هي ساحة المعرفة؛ الساحة التي يُعرف فيها الدين ويُبيّن بوصفه مجموعة من الحقائق والقيم والقضايا. ويرى سماحته أنه بدون صياغة منهجية متكاملة لماهية الدين، فإن أي حديث عن تحقيقه الواقعي يفتقر إلى السند المعرفي.
الخطوة الثانية: النموذج؛ علم الكيفيات الواقعية
في بيانه للخطوة الثانية من هذه العملية، اعتبرها حجة الإسلام والمسلمين سبحاني بؤرة التحديات المعاصرة في تحقيق الدين، وانتقد التصور الشائع بأن «معرفة الدين تؤدي تلقائياً إلى تحقيقه»، مؤكداً أن تجسيد الدين واقعياً مرهون بمعرفة «كيفية العلاقات الواقعية»، وليس مجرد المعرفة الدينية.
وميّز سماحته بين «المعرفة» و«العلم»، موضحاً أن المعرفة ناظرة إلى كشف الحقيقة، أما العلم فله ساحة فاعلة وتدخّلية يعيد من خلالها بناء الواقع الاجتماعي عبر النمذجة والصياغة. ومن هنا، فإن العلوم الإنسانية لا تكتفي بوصف الواقع، بل تحمل في طياتها توجيهاً وتشريعاً. ووفقاً له، فإنه من دون إنتاج علمٍ ناظرٍ إلى الكيفيات، يستحيل تحويل الدين إلى ثقافة عامة، بل إن العلوم المنافسة يمكن أن تتحول إلى عائق أمام تحقيق القيم الدينية.
نقد النظرة الاختزالية للعلم في التنظير الديني
واصل رئيس قطب تعميق الإيمان الديني حديثه، مشيراً بنبرة نقدية إلى بعض المقاربات القائمة في الفكر الإسلامي، ومنها التمييز بين «المذهب» و«العلم» في كتابات الشهيد الصدر، منوّهاً إلى أن اختزال العلم في الاستقراء يحول دون إدراك الدور الفاعل والبنّاء للعلم في تحقيق القيم. وأضاف أنه لا يوجد أي نظام حقوقي أو اقتصادي أو سياسي في العالم المعاصر يصل إلى التحقق الواقعي دون إنتاج هياكل ومؤسسات وتناسبات جديدة.
الخطوة الثالثة: البرنامج؛ إدارة التغيير لتحقيق الدين واقعياً
في سياق شرحه لمشروع «المنظومة – النموذج – البرنامج»، تطرق حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سبحاني إلى الخطوة الثالثة من هذه العملية، مؤكداً أن المعرفة العلمية بالعلاقات الواقعية، وإن كانت ضرورية، إلا أنها لا تكفي وحدها لتحقيق الدين في المجتمع. فالعلم، على حد قوله، دائماً ما يكون موجّهاً بالقيم التي تم تحديدها في ساحة منظومة المعارف، ولا يوجد علم محايد أو بلا غاية.
وأشار إلى النظم الاقتصادية والسياسية السائدة، مبيّناً أن الصياغات العلمية لا تكون معتبرة إلا إذا استطاعت تحقيق الغايات القيمية لمذهبها، وأن المشاريع غير المنسجمة مع هذه الغايات ستكون فاقدة للاعتبار العلمي والعملي.
وأكّد رئيس قطب تعميق الإيمان الديني أن «الكيفيات الواقعية» لا تتوقف عند مستوى العلم، مضيفاً: إن تحقيق أي مذهب يتطلب تصرفات واقعية وإدارة هادفة للتغيرات الاجتماعية. من هنا، فإن المرحلة الثالثة لتحقيق الدين هي مرحلة «الإدارة والتدبير والتصرف الاجتماعي»، التي بدونها لا تصل أي فكرة أو نموذج إلى نتيجة عملية.
وأشار سماحته إلى سيرة الأنبياء الإلهيين، موضحاً أن رسالتهم بعد التعليم والتزكية كانت إدارة تغيير العلاقات الاجتماعية ونقل المجتمع من الوضع الجاهلي إلى العلاقات الإيمانية. وبناءً على ذلك، فإن تحقيق الدين في العالم المعاصر يستلزم أيضاً إدارة التغيرات الاجتماعية على أساس النماذج العلمية.
وأطلق الدكتور سبحاني على هذه المرحلة اسم «البرنامج»، موضحاً أنه في هذا المشروع، تشير «المنظومة» إلى إعادة التعريف المعرفي للدين، ويشير «النموذج» إلى إنتاج علم كيفيات التحول، أما «البرنامج» فيشير إلى تصميم مسار التغيير والإدارة الواقعية للتحولات؛ وهو مسار بدونه تظل القيم والمعايير الدينية حبيسة الأذهان.
أزمة القطيعة بين الفقه والكلام وتداعياتها الاجتماعية
وفي جانب آخر من حديثه، أشار سماحته إلى القطيعة التاريخية بين الفقه والكلام، معتبراً هذه الظاهرة إحدى الأزمات الأساسية في الدراسات الفقهية المعاصرة، ومؤكداً أن انفصال الفقه عن منظومة المعارف الكلامية قد أدى إلى عجز الفقه عن تحقيق الدين اجتماعياً. وبرأيه، فطالما لم يتمكن الفقه من إعادة بناء نفسه في ضوء التوصيفات الأساسية للدين وغاياته، فلن تتسنى إمكانية إنتاج حزمة متكاملة من التكاليف والقيم لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية.
ومع تأكيده على ضرورة «النظرة المنهجية المتكاملة» للدين، أضاف: إن أي تشتت في منظومة المعارف يؤدي إلى إنتاج إنسان ومجتمع متشتت، وأن العديد من آفات المجتمع الديني المعاصر تعود جذورها إلى ضعف الدراسات المنهجية والمعرفية للدين.
وفي السياق ذاته، أشار حجة الإسلام والمسلمين سبحاني إلى ضرورة معرفة غايات الدين ومقاصده، سواء الغايات الكلية أم المرحلية، منوّهاً إلى أن تجنب دراسة المقاصد في الفقه هو أحد العوائق الجادة أمام التحقيق الاجتماعي للشريعة. فعلى حد قوله، إن الفقيه الذي لا يستطيع توضيح علاقة الأحكام بالغايات والأولويات والثوابت والمتغيرات، سيواجه أزمة في مقام العمل.
نقد مقاربتين شائعتين في ربط الفقه بالواقع
وواصل حديثه بالتركيز على «ساحة النموذج» أو كيفيات التحقيق، حيث انتقد مقاربتين شائعتين في تعامل الفقه مع الواقع الاجتماعي: الأولى، مقاربة تظن أن مجرد توسيع الاجتهاد والاستنباط وتكثير الأحكام الفقهية يضمن تحقيق الدين؛ والثانية، مقاربة تعيد بناء الفقه على أساس مقتضيات العصر، مما يعرّض الأصول والثوابت الدينية للتغيير.
ووفقاً لرئيس قطب تعميق الإيمان الديني، فإن كلتا المقاربتين، رغم اختلافهما الظاهري، تؤديان في النهاية إلى ابتعاد الدين عن مسرح الحياة الاجتماعية الحقيقي؛ الأولى بالتوقف عند ساحة النظر، والأخرى بالتخلي عن الأطر الدينية لصالح المقتضيات المتغيرة للواقع.
وضرب أمثلة من مجالات الاقتصاد والصيرفة والسياسة، مؤكداً أنه بدون إنتاج علوم إسلامية قادرة على النمذجة، لا يمكن تقديم بدائل حقيقية في مواجهة النظم المهيمنة. ويرى أن التحذيرات الفقهية المجردة، دون تصميم نماذج واقعية بديلة، لن تكون قادرة على منافسة الآليات المعقدة للنظم الحديثة.
الواقع: ساحة التعيّن والتزاحم والتحوّل
في بيانه لخصائص الواقع الاجتماعي، وصفه الدكتور سبحاني بأنه ساحة التعيّنات الخارجية، والتزاحمات، والعلاقات السببية، والتحولات المتسارعة، والآليات المؤسسية، موضحاً أنه لا يمكن أن يحدث أي تغيير مستدام دون معرفة هذه الخصائص ودون تصميم حزم إصلاحية شاملة.
ورفض التصور القائل بإمكانية نقل النماذج الجاهزة مباشرة من النصوص الدينية إلى ساحة العمل، مؤكداً: إن القيم والخطوط العامة للحركة تُحدد في المذهب، لكن تحقيقها في الواقع يتطلب إعادة إنتاج النظرية والنموذج والمؤسسة بما يتناسب مع الظروف الزمانية والمكانية.
خلاصة القول: ثلاث خطوات ضرورية لسريان الدين إلى الحياة الاجتماعية
في ختام هذه الجلسة، أكد حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سبحاني أن تحقيق الدين في ساحة الحياة الاجتماعية لن يكون ممكناً إلا إذا تم اجتياز الخطوات الثلاث التالية بشكل متكامل ومترابط: «إعادة بناء منظومة المعارف»، و«إنتاج النماذج العلمية الموجّهة نحو التحوّل»، و«الإدارة والتخطيط للتصرف والتغيير الواقعي». ووفقاً له، فحيثما يتم تفعيل هذه الآليات الثلاث بشكل صحيح، ولو على نطاق محدود، يمكننا أن نتوقع حضور القيم الدينية تدريجياً في العلاقات الواقعية للحياة الفردية والاجتماعية.
أفق البحث
فتحت الجلسة الخامسة عشرة من سلسلة ندوات «منهجية الحوكمة التشريعية على أساس الموازين الشرعية»، بطرحها لإطار «المنظومة – النموذج – البرنامج»، أفقاً جديداً أمام البحوث الفقهية والدينية في مجال الثقافة العامة؛ أفقٌ لا يصبح فيه الانتقال من القضية الفقهية إلى السلوك الاجتماعي ممكناً بمجرد التبليغ والتشريع، بل بإنتاج العلم الناظر إلى الكيفيات الواقعية.

