حسین بستان

دراسة الأبعاد الفقهية للعنف ضد الزوجة/12

خلافاً للتفسيرات النسوية المعادية للرجال، ليس ببعيدٍ أن يُنظَر إلى ماهية ختان البنات بوصفه إجراءً ذا طابعٍ جماليّ، يُدرَج في مصافّ بعض الجراحات التجميلية التي شاع العمل بها في العصر الحاضر، كجراحة تضييق المهبل (Vaginoplasty) وجراحة تجميل الشفرين (Labiaplasty)، غير أنّ الفرق يكمن في أنّ الختان ـ لكونه كان يُجرى غالباً في سنّ الطفولة المبكرة ـ لم يكن يشتمل على إشكالات اللمس والنظر المحرَّمين التي تكتنف الجراحات التجميلية المعاصرة.

إشارة: بقدر ما يُعَدّ ختان الذكور في الفقه الإسلامي أمراً مسلَّماً ومقبولاً، فإنّ ختان الإناث محلّ نزاعٍ وبحث. فبعض الفقهاء يرى وجوبه، وبعضهم يستحبه، وآخرون يذهبون إلى إباحته، فيما يرى فريقٌ آخر كراهته أو حرمته. ولعلّه يُقال إنّه قلّما تُوجَد مسألةٌ في الفقه الإسلامي اجتمع فيها القائلون بجميع الأحكام التكليفية الخمسة. وقد تناول حجّة الإسلام والمسلمين حسين بستان، أستاذ درس الخارج في فقه الجندر، الذي يزاول منذ سنواتٍ البحثَ والتدريس في قضايا المرأة، في هذه المداخلة الخاصّة، دراسةَ الحكم الفقهي لختان البنات. وهو يحاول ـ من خلال الجمع بين الروايات وملاحظة الأبعاد الاجتماعية والواقعية لختان البنات ـ تقديم نظريةٍ وسطى في هذا الباب. وفيما يأتي النصّ الكامل لهذه المداخلة الخاصة لعضو المجلس العلمي في مجموعة فقه المرأة والأسرة التابعة لمركز دراسات الفقه المعاصر:

يُعَدّ ختانُ الأولاد من الموضوعات التي تلوح فيها شبهةٌ قويّةٌ بالطابع العُنفي، ولا سيّما ختان البنات الذي واجه تحدّياً جدّياً من قبل النسويات بوصفه عنفاً صريحاً.

ومع ذلك، فإنّ النظر الموضوعي الخالي من الأحكام المسبقة يقتضي التفريق في مسألة ختان الأولاد بين صورتين:

الصورة الأولى: أن يُجرى الختان بطرائق غير سليمة وبأدوات غير مناسبة، ففي هذه الحال يندرج تحت العناوين الكلية من قبيل الإضرار والإيذاء، ويُعَدّ بالتالي عنفاً غير مشروع، ويترتّب عليه الضمان إذا ترتّب عليه ضررٌ جسديّ بالطفل.

وأمّا الصورة الثانية، التي دلّت الأدلّة الآتية على وجوبها أو استحبابها أو إباحتها، فلا ينبغي أساساً تفسيرها بوصفها إساءةً أو سلوكاً عنيفاً، بل تحتاج إلى تفسيرٍ مغاير. ومن هنا نستعرض بعض الروايات في هذا الشأن:

فقد قال الإمام الصادق (ع) في روايةٍ معتبرةٍ عن مسعدة بن صدقة: «اختنوا أولادكم لسبعة أيام، فإنّه أطهر وأسرع لنبات اللحم، وإنّ الأرض لتكره بول الأغلف»[١]. وفي روايةٍ صحيحةٍ عن هشام بن سالم عدّ الختان من الحنيفية[٢]، كما عُدّ ختان الذكور في الروايات الآتية من السنّة الدينية، والمقصود بها السنّة الواجبة، لإجماع الفقهاء على وجوبه[٣].

وعلى أيّ حال، وبغضّ النظر عن الحكم التعبّدي في هذا التكليف الشرعي، يبدو أنّه يمكن لحاظ بُعدٍ صحّيّ في ختان الذكور، وفي جميع الأحوال لا يرتبط ذلك بمسألة العنف.

وأمّا فيما يتعلّق بختان البنات، فلم يرد في الروايات التصريح بعدم وجوبه فحسب، بل نُفي عنه أيضاً كونه من السنّة[٤]. ومع ذلك، استُعمل في بعض هذه الروايات نفسها تعبير «مكرمة»، وقولهم: «وأيّ شيءٍ أفضل من المكرمة؟»، وهو ما يدلّ بنحوٍ ما على وجود جهة مطلوبيّة فيه.

ويبدو في الجمع بين هذه التعابير المتعارضة ظاهراً أن يُقال: إنّ ختان البنات في سنّة النبي (ص) لا يثبت له استحبابٌ خاصّ، وحكمه الأوّلي إنّما هو الإباحة، غير أنّه يمكن القول بمطلوبيّته من جهة اندراجه تحت عنوانٍ استحبابيّ عام، كجلب مودّة الزوج المستقبلي[٥]. وقد تُعَدّ الإشارات الواردة في بعض الروايات إلى بعض الآثار الإيجابية الجنسية والجمالية لختان البنات[٦] مؤيِّداً لهذا الفهم.

وبناءً على ذلك، وخلافاً للتفسيرات النسوية المعادية للرجال، ليس ببعيدٍ أن يُنظَر إلى ماهية ختان البنات بوصفه إجراءً ذا طابعٍ جماليّ، يُدرَج في مصافّ بعض الجراحات التجميلية الرائجة اليوم، كجراحة تضييق المهبل (Vaginoplasty) وجراحة تجميل الشفرين (Labiaplasty)، غير أنّ الختان ـ لكونه كان يُجرى غالباً في سنّ الطفولة ـ لم يكن يشتمل على إشكالات اللمس والنظر المحرَّمين التي تكتنف الجراحات التجميلية المعاصرة.

[١]. عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي­عَبْدِاللَّهِ ع قَالَ: اخْتِنُوا أَوْلَادَكُمْ لِسَبْعَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ أَطْهَرُ وَ أَسْرَعُ لِنَبَاتِ اللَّحْمِ وَ إِنَّ الْأَرْضَ لَتَكْرَهُ بَوْلَ الْأَغْلَفِ.کلینی، الكافي، ج٦، ص٣٣.

[٢]. عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي­عَبْدِاللَّهِ ع قَالَ: مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ الْخِتَانُ. کلینی، الكافي، ج٦، ص٣٤.

[٣]. قمی، جامع الشتات في أجوبة السؤالات، ج‌٤، ص٦٠٧.‌

[٤]. مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع عَنِ الْجَارِيَةِ تُسْبَى مِنْ أَرْضِ الشِّرْكِ فَتُسْلِمُ فَتُطْلَبُ لَهَا مَنْ يَخْفِضُهَا فَلَا نَقْدِرُ عَلَى امْرَأَةٍ فَقَالَ أَمَّا السُّنَّةُ فِي الْخِتَانِ عَلَى الرِّجَالِ وَ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ. کلینی، الكافي، ج٦، ص٣٧.

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: خِتَانُ الْغُلَامِ مِنَ السُّنَّةِ وَ خَفْضُ الْجَوَارِي لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ. کلینی، الكافي، ج٦، ص٣٧.

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي­عَبْدِاللَّهِ ع قَالَ: خَفْضُ الْجَارِيَةِ مَكْرُمَةٌ وَ لَيْسَتْ مِنَ السُّنَّةِ وَ لَا شَيْئاً وَاجِباً وَ أَيُّ شَيْ‌ءٍ أَفْضَلُ مِنَ الْمَكْرُمَةِ. کلینی، الكافي، ج٦، ص٣٧.

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي­عَبْدِاللَّهِ ع قَالَ: الْخِتَانُ فِي الرَّجُلِ سُنَّةٌ وَ مَكْرُمَةٌ فِي النِّسَاءِ. کلینی، الكافي، ج٦، ص٣٧.

[٥]. اثبات مطلوبیت در فرض عدم وجود دلیل خاص و از باب اندراج تحت یک عنوان استحبابی عام، اشباه و نظایر فراوانی در فقه دارد که یک نمونة معروف آن، اثبات استحباب لباس سیاه در ایام عزای اهل بیت علیهم­السلام از باب اندراج آن تحت عنوان عام تعظیم شعائر است.

[٦]. عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي­عَبْدِاللَّهِ ع قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ طَيْبَةَ تَخْفِضُ الْجَوَارِيَ فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَالَ لَهَا يَا أُمَّ طَيْبَةَ إِذَا أَنْتِ خَفَضْتِ امْرَأَةً فَأَشِمِّي وَ لَا تُجْحِفِي فَإِنَّهُ أَصْفَى لِلَّوْنِ وَ أَحْظَى عِنْدَ الْبَعْلِ. کلینی، الكافي، ج٦، ص٣٨.

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ الْجَهْمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: لَمَّا هَاجَرْنَ النِّسَاءُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص هَاجَرَتْ فِيهِنَّ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ حَبِيبٍ وَ كَانَتْ خَافِضَةً تَخْفِضُ الْجَوَارِيَ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ لَهَا يَا أُمَّ حَبِيبٍ الْعَمَلُ الَّذِي كَانَ فِي يَدِكِ هُوَ فِي يَدِكِ الْيَوْمَ قَالَتْ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَاماً فَتَنْهَانِي عَنْهُ قَالَ لَا بَلْ حَلَالٌ فَادْنِي مِنِّي حَتَّى أُعَلِّمَكِ قَالَتْ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ يَا أُمَّ حَبِيبٍ إِذَا أَنْتِ فَعَلْتِ فَلَا تَنْهَكِي أَيْ لَا تَسْتَأْصِلِي وَ أَشِمِّي فَإِنَّهُ أَشْرَقُ لِلْوَجْهِ وَ أَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ. کلینی، الكافي، ج٦، ص٣٨.

Source: External Source