حجة الإسلام والمسلمين محمد قطبي، في حوار خاص مع «فقه معاصر»:

مبادئ الفقه في التربية/12

إذا أُسندت القيم إلى القانون بشكل مفرط، فإن الأفراد سيتصرفون لا عن اختيار أخلاقي، بل خوفًا من العقاب أو للهروب من التبعات القانونية. هذا الأمر يؤدي إلى إضعاف النمو الأخلاقي وتقليل عمق الإيمان. يجب أن يضمن القانون الحد الأدنى من النظام الاجتماعي ويمنع الأضرار الكبرى، لا أن يحل محل التربية الفردية والاجتماعية.

إشارة: حجة الإسلام والمسلمين محمد قطبي، منذ سنوات طويلة، يحمل دائمًا هموم التربية في كل منصب تولاه؛ سواء عندما كان رئيس مكتب الإعلانات الإسلامية في أصفهان، أو مدير عام إدارة الثقافة والإرشاد الإسلامي في أصفهان، أو الآن وهو المدير التنفيذي لـ«بيت الإبداع والابتكار إشراق»، ورئيس المائدة المتخصصة في تطوير وتعميق ثقافة القرآن في مكتب الإعلانات. أجرينا معه حوارًا حول تحديات فقه التربية. وقد سرد -كعادته دائمًا- تحديات هذا الباب الفقهي بدقة وذكاء. ويرى رئيس فريق عمل الفن والاقتصاد والصناعات الإبداعية في المجلس المتخصص لمجلس الثورة الثقافية، أن القانون لا يمتلك أبدًا وظيفة التربية، وأنه لأجل ترسيخ التربية يجب أن يكون الاستخدام لمؤسسة القانون أقل ما يمكن. وفيما يلي نص الحوار الخاص الذي أجرته «فقه معاصر» مع هذا الأستاذ والباحث في العلوم الاجتماعية:

فقه معاصر: ما هي أبرز التحديات التي تواجه فقه التربية برأيكم؟

قطبي: يواجه فقه التربية مجموعة من التحديات المعقدة، بعضها يعود إلى طبيعة الإنسان، وبعضها الآخر نتيجة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية. أحد أولى التحديات هو التغير المستمر في شخصية الإنسان. وبما أن شخصية الإنسان تتغير في مراحل مختلفة من الحياة، فلا يمكن أن يكون الحكم التربوي واحدًا لكل الفترات. يجب على الفقيه أن يأخذ بعين الاعتبار مرحلة النمو، وحالة الفرد، وجودة العلاقة، والآثار طويلة الأمد.

التحدي الثاني هو سرعة التحولات الاجتماعية والإعلامية. التربية اليوم تتأثر بالشبكات الاجتماعية، والمنصات، والألعاب، والإعلام التفاعلي، والهياكل الاتصالية الجديدة. هذا يجعل موضوعية التربية صعبة للغاية. يحتاج الفقيه في فقه التربية إلى معرفة عميقة ومتعددة التخصصات ليتمكن من فهم البيئة التربوية بدقة.

التحدي الثالث هو الترابط بين التربية والهياكل المختلفة. التربية ليست عمل الأسرة أو المدرسة فقط؛ بل تشارك فيها مؤسسات سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية، وحتى أنماط العيش العامة. في مثل هذه الظروف، يضطر الفقيه إلى التفكير بنهج نظامي وشبكي، لا فردي فقط.

التحدي التالي هو تحديد الحدود بين التربية والإكراه. بما أن التربية يجب أن تستند إلى الاختيار والرغبة، يتعين على الفقيه تحديد بدقة أين تكون القيود مشروعة، وأين تتحول إلى إكراه غير مشروع.

تحدٍّ آخر هو التعارض المحتمل بين بعض الفتاوى التقليدية والنتائج القطعية والموثوقة لعلوم التربية. على سبيل المثال، بعض الطرق العقابية التي كانت معقولة في الماضي، تُعتبر اليوم ضارة بناءً على البيانات التجريبية. يجب على فقيه التربية أن يجمع هذه النتائج مع أصول الشريعة.

والتحدي الأخير هو الحاجة إلى منهجية جديدة لاستنباط الأحكام التربوية. طالما لم تُصاغ طريقة تحليل الآثار، وسلسلة قيم التربية، والنظرة النظامية بدقة، فلن يحصل الاستنباط التربوي على الثبات والانسجام اللازمين.

فقه معاصر: هل يتحمل علم الفقه أساسًا مهمة «تربية البشر» أم أن هذه المهمة على عاتق علوم أخرى؟

قطبي: لا يمكن لفقه التربية أن يجيب وحده على مسألة التربية؛ لأن التربية أمر معقد متعدد الأبعاد، يتطلب معرفة علمية دقيقة بالنمو، وعلم النفس، والتواصل، والبيئة، والإعلام، والهيكل الاجتماعي. في الحقيقة، يقوم فقه التربية بدور «الموجه والمعيار»؛ أي أنه يحدد حدود القيم والغايات والحدود، بينما تحديد آليات تحقيق التربية والطرق والتقنيات والنظم التعليمية والنماذج التنفيذية يقع على عاتق علم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع والإدارة.

على سبيل المثال، يقول الفقه إن التربية يجب أن تكون على أساس الفطرة والاختيار؛ أما علم النفس فيوضح كيف تتشكل الدافعية الداخلية. يقول الفقه إن الوالدين مسؤولون عن التربية، أما علم الاجتماع فيوضح كيف يؤثر هيكل الأسرة على تشكيل الشخصية. يقول الفقه إن الإعلام يجب أن يكون سليمًا، أما علوم الاتصال فتوضح ما هي آثار المحتوى المعين.

باختصار، التربية مشروع متعدد التخصصات؛ فقه التربية يأتي بالـ«قيم»، وعلم التربية يأتي بالـ«الطرق». لا يكتمل أي منهما بدون الآخر.

فقه معاصر: هل الفتاوى مثل جواز ضرب الأطفال من قبل الوالدين والمعلمين قابلة للجمع مع المناهج التربوية العقلانية؟

قطبي: للجمع بين المجالين، يجب أولاً توضيح أن الفتاوى التقليدية -بما فيها جواز ضرب الطفل في ظروف خاصة- صدرت في سياق زمني وثقافي وموضوعي سابق، وكانت تنظر إلى ظروف كانت فيها أدوات التربية محدودة، وهياكل الأسرة مختلفة، والمعرفة العلمية بآثار السلوكيات النفسية بدائية جدًا. في ذلك السياق، كان الضرب المحدود وغير المؤذي يُعتبر آخر وسيلة للسيطرة على السلوك، لا طريقة مرغوبة ودائمة. كان الفقيه القديم يحكم في ظروف لم تكن فيها بدائل فعالة وغير مؤذية متاحة.

من جهة أخرى، تظهر النتائج القطعية لعلوم التربية اليوم أن التنبيه البدني -حتى في شكله الخفيف- له آثار سلبية على الثقة بالنفس، والعلاقة العاطفية، والنمو الأخلاقي، وشعور الأمان لدى الطفل؛ لذا فالجمع الصحيح ليس نفي الفتاوى التقليدية مطلقًا، ولا قبولها دون قيد أو شرط؛ بل تقييمها في إطار نظام تربوي شامل. يجب رؤية التنبيه في منظومة القيم الكبرى للإسلام: حفظ الكرامة، منع الضرر، قاعدة لا ضرر، قاعدة لا حرج، وجوب مراعاة مصلحة المتربي، أهمية تشكل المحبة والأمان العاطفي، ودور الدوافع الداخلية.

يقول فقه التربية: إذا لم يكن للتنبيه في الماضي بديل آخر، فاليوم يجب -في ضوء المعرفة العلمية والأدوات المتاحة- أن يُطرح فقط في حالات استثنائية جدًا وبشروط مراقبة كاملة؛ وذلك فقط إذا لم تنجح أي طريقة فعالة أخرى، ولم يُعتبر الضرب إيذاءً، ولم يترك أثرًا سلبيًا طويل الأمد على العلاقة والشخصية؛ وبالتالي يتحول الحكم التقليدي بالجواز إلى «جواز مشروط ونادر وهادف ومحدود جدًا»، وفي العمل يقترب من الصفر تقريبًا دوره التربوي.

بهذه الطريقة، يمكن الجمع بين النظرةين لا بحذف الأحكام السابقة، بل بإعادة فهمها في إطار مقاصد الشريعة وقواعد الفقه والنتائج القطعية لعلوم التربية.

فقه معاصر: يرى البعض أن «تحويل أكبر قدر ممكن من المقررات الفقهية إلى قانون يؤدي إلى تقليل التجربة الدينية لدى الأفراد، وبالتالي حرمانهم من فرصة تربية أنفسهم». هل توافقون على هذا الادعاء؟

قطبي: التشريع القانوني مجرد أداة واحدة من أدوات التربية، وهي أداة محدودة الوظيفة. كثير من القيم التربوية المهمة مثل المسؤولية، والصدق، والنظام، والسيطرة على الغضب، والاحترام، والرحمة، أو الإيمان، لا يمكن تحقيقها بالإلزام القانوني. يجب أن تُدْخَل هذه القيم داخليًا، والإدخال الداخلي يتم عبر التجربة الحياتية، والعادات، والهياكل الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية.

إذا أُسندت القيم إلى القانون بشكل مفرط، فإن الأفراد سيتصرفون لا عن اختيار أخلاقي، بل خوفًا من العقاب أو للهروب من التبعات القانونية. هذا الأمر يؤدي إلى إضعاف النمو الأخلاقي وتقليل عمق الإيمان. يجب أن يضمن القانون الحد الأدنى من النظام الاجتماعي ويمنع الأضرار الكبرى، لا أن يحل محل التربية الفردية والاجتماعية.

لذلك، يقول فقه التربية: القانون له دور داعم في التربية، لا دور بنّاء. تتشكل التربية الأصيلة عندما تترسخ القيم في هياكل العيش الاجتماعي: في أسلوب الحياة، والعلاقات الأسرية، وشكل المدرسة، وبيئة الإعلام، والعادات اليومية، والطقوس الجماعية. يمكن للقانون أن يهيئ الفضاء لهذا التدفق، لكنه لا يحل محله.

فقه معاصر: في تحدي عدم تربوية المقررات الفقهية، يجب اعتبار أحد العلمين «الفقه» أو «التربية» أمرًا ثابتًا، والعلم الآخر يتغير تبعًا له. برأيكم، أي من هذين العلمين ثابت وأي متغير؟

قطبي: التربية كحقيقة إنسانية لها مبادئ ثابتة وعالمية. غايات التربية -مثل النمو، والكمال، والتقوى، والوعي الذاتي، وكرامة الإنسان- لا تتغير عبر الزمن. لكن الأدوات، والظروف البيئية، والطرق، والمواضيع التربوية تتغير دائمًا. مهمة الفقه تحليل هذه المواضيع المتغيرة بالنسبة إلى المبادئ التربوية الثابتة.

بعبارة أخرى، «التربية» أمر ثابت، لكن «مقتضيات التربية» تتغير دائمًا. يجب على فقه التربية -بالاعتماد على المبادئ الثابتة- تقديم الإجابات والأحكام المناسبة لظروف اليوم. فمثلاً، مبدأ التربية على أساس الاختيار ثابت، لكن الأدوات التي تقوي الاختيار تختلف في كل عصر. أو مبدأ التربية على أساس المحبة والأمان العاطفي ثابت، لكن الظروف التي تهدد الأمان تأخذ شكلاً جديدًا في كل عصر.

يجب على فقه التربية -مع الحفاظ على الأعمدة الثابتة- أن يجعل أحكامه على المستوى التنفيذي مرنة ومناسبة للتغيرات. هذه المرونة هي ما يجعل الفقه قادرًا دائمًا على مواكبة التربية كأمر ثابت.

فقه معاصر: لجعل المقررات الفقهية تربوية، أي تغيير يجب أن يحدث في المباني أو عمليات الاستنباط أو غيرها؟

قطبي: التربية ليست حدثًا لحظيًا؛ بل عملية طويلة الأمد ومستمرة، تؤدي فيها السلوكيات الصغيرة ظاهريًا إلى آثار كبيرة عبر الزمن؛ لذا لا يمكن أن يقتصر الحكم الفقهي في التربية على لحظة واحدة أو سلوك واحد أو موقف محدود. يجب تقييمه في سلسلة قيم التربية: أي تحليل تأثيره قصير المدى ومتوسط المدى وطويل المدى على نمو الشخصية وتشكل القيم.

على سبيل المثال، قد يعطي سلوك ما نتيجة إيجابية قصيرة المدى، لكنه يترك آثارًا سلبية طويلة المدى على عزة النفس، والاستقلال، والدافعية، أو العلاقة العاطفية. يركز الفقه التقليدي عادة على «التأثير الفوري» أو «الموافقة للتكليف»؛ أما فقه التربية فيجب أن يكون له نظرة عملية. التربية تعني مرافقة الإنسان في مسار النمو، لا مجرد إصلاح السلوك الظاهري.

تقول سلسلة قيم التربية: السلوك، والدافعية، والعلاقة، والخلفية، والنتيجة، والهيكل الاجتماعي، كلها تكتسب معناها معًا. لذا يجب على الحكم التربوي أن ينتبه إلى كل هذه العناصر. هذه النظرة العملية تجعل الحكم التربوي أدق وأكثر واقعية، وتمنع التناقضات السلوكية.

فقه معاصر: مع أهمية التربية عبر التاريخ، لماذا لم تُطرح حتى الآن كباب حديثي أو فقهي مستقل، أو موضوع بحوث مستقلة في الفقه والحديث؟

قطبي: هذا الأمر ليس ممكنًا فحسب، بل ضروري. رغم أن هدف جميع أبواب الفقه في النهاية هو تربية الإنسان، إلا أنه لم يُنظر إلى هذا الهدف يومًا في قالب باب مستقل يتولى بيان النظام التربوي الإسلامي من منظور فقهي. يمكن لفقه التربية أن يكون الحلقة التي تربط الأهداف الكبرى للشريعة بالأحكام الجزئية، وتجعل بنية نمو الإنسان معيارًا لتحليل الأحكام.

لهذا الباب المستقل نسبتان مع باقي الأبواب: الأولى أن «الحكم الموضوعي» لكثير من الأبواب يتعلق بالتربية ويجب إعادة قراءته في المنظومة التربوية؛ مثل أحكام الأسرة، والحدود، والمعاملات، أو السياسات الثقافية. الثانية أن فقه التربية نفسه يحلل مواضيع تربوية خاصة -مثل علاقة المعلم والمتعلم، ومسؤولية الوالدين، والرعاية الأخلاقية، والتربية الجنسية، والتربية الإعلامية، والتربية الاجتماعية- من منظور فقهي.

بهذه الطريقة، فقه التربية باب متخصص يندرج ضمن الفقه ويقدم في الوقت نفسه نظامًا لتوجيه وهداية باقي الأبواب. يمكن لهذا الباب أن يرفع الفقه من حالة نقطية إلى حالة شبكية وعملية، ويضمن انسجامه مع الهدف الكبير للشريعة.

Source: External Source