محمد آشوري

الأصول العملية القضائية/27

وفيما يتعلق بالمجرمين المحترفين ومكرري الجرائم، لا يمكن أيضاً الاستناد إلى جرائمهم المرتكبة سابقاً لتجاهل أصل البراءة: فمهما كان للمتهم من سوابق جنائية، يظل من الممكن أنه لم يرتب الجريمة الجديدة المتهم بها وأن الفاعل الحقيقي شخص آخر. ولا يمكن اعتبار السوابق الجنائية للمتهم إلا من قبيل الظروف المشددة وزيادة مقدار العقوبة أو تغيير نوعها ودرجتها، وهذا لا يعفي سلطة الاتهام أو المدعي بالحق الشخصي مطلقاً من تقديم الدليل الكافي بشأن الاتهام الجديد.

إشارة: إن أصل البراءة، وإن كان من الأصول العملية واسعة التطبيق في الفقه القضائي الإسلامي، إلا أن تطبيقه لا يقتصر على الفقه والقانون الإسلامي فحسب، بل هو مطروح في المذاهب القانونية الأخرى أيضاً. وهذا الأمر لا يعني بطبيعة الحال توافق المذاهب القانونية على قبول هذا الأصل. وقد استعرض الدكتور محمد آشوري، في مقاله “أصل البراءة وآثاره في القضايا الجزائية” الصادر في العدد ١١٥٩ من مجلة كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة طهران في شهر ربيع الثاني ١٤١٤ هـ، النظريات المختلفة للمذاهب القانونية حول هذا الأصل وآثاره في الحقوق القضائية. وفيما يلي جزء من هذا المقال:

مقدمة

إن أصل البراءة، الذي يمكن اعتباره إرثاً قانونياً مشتركاً لجميع الأمم المتقدمة في العالم، حظي في القرنين الأخيرين—ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية—بإقبال وعناية خاصين من رجال القانون والمشرعين في القوانين الداخلية للدول، فضلاً عن كونه موضوعاً للإعلانات والمعاهدات على المستوى الإقليمي أو الدولي. ويتبين من الدراسات التاريخية أنه في العصور القديمة، وحتى القرنين الأخيرين، باستثناء بعض الأنظمة القانونية (مثل القانون الإسلامي)، لم يكن افتراض براءة المتهمين مقبولاً، على الأقل في بعض التهم، وفي حال عجز المدعي عن تقديم الدليل الكافي ضد المتهم، كانت مسؤولية إثبات البراءة تُتْرَكُ على عاتق المتهم نفسه. وكان هذا الأمر الخطير يتحقق في بعض الأعصار التاريخية من خلال اللجوء إلى “الاحتكام الإلهي” (الأورداري) الذي كانت له جذور في معتقدات العصر الجاهلي/الوثني، حيث كان القضاة يعتقدون أن الآلهة ستسارع إلى نجدة المتهم البريء، وأن مثل هذا المتهم سيخرج ناصع الصفحة من اختبار الأورداري.

على سبيل المثال، في شريعة حمورابي، كان “الاحتكام الإلهي” هو الذي يحسم مصير الدعوى في تهمتي السحر والزنا: فوفقاً للمادة ١٣٢ من هذه الشريعة، «إذا اتُّهِمَت امرأة متزوجة بالمضاجعة مع رجل غريب، ولكن زوجها لم يضبطها متلبسة مع غيره، فعلى المرأة لتأكيد براءتها أن تغطس مرة واحدة في النهر المقدَّس».
وفي إيران القديمة، كان الاحتكام الإلهي شائعاً عن طريق اللجوء إلى القوانين الثلاثة والثلاثين التي كانت تنقسم بدورها إلى (ورغرم – الاختبار الساخن) و(ورسرد – الاختبار البارد). وفي أوروبا العصور الوسطى أيضاً، ولا سيما في عصر الفرنجة، كان الأورداري أحد أدلة إثبات الإدانة أو البراءة المتداولة لبعض المتهمين، وكان المتهم الذي يعجز عن تقديم الدليل الكافي على براءته يُضطَرُّ في بعض الحالات إلى الخضوع لاختبار الحديد المحمى، أو عصارة النباتات السامة، وما شابه ذلك. وجاء في مجموعة القوانين المتعلقة بالقضاء عند الهندوس والمعروفة بـ (قوانين مانو القضائية) ما يلي: «اليمين الصادقة هي لمن لا تحرقه النار، ولا يغمره الماء بل يحتضنه (يطفو على سطح الماء ولا يصيبه أذى)».

وَيُلاَحَظُ أن براءة المتهم بالشكل الملحوظ في العصر الحاضر لم تكن مد نظر المشرعين في العصور الماضية، ورغم أنه تقرر في القانون الروماني وبأمر من أنطونينوس أن «في حالات الشك والتردد بشأن جرم المتهم، يجب القضاء لصالح، وكل شخص هو بريء ما لم تثبت إدانته»، إلا أن محاكم العصور الوسطى تعاملت مع ذلك عملاً بتجاهل خاص، واستبدلت عملياً أصل الإدانة بأصل البراءة.

إن الحرب العالمية الثانية واحتلال أوروبا من قبل ألمانيا النازية وسجن الوطنيين، ومن بينهم الحقوقيون والقضاة، أدت بعد انتهاء الحرب إلى إيلاء اهتمام أكبر لأصل البراءة الذي كان قد أُعطي القيمة اللازمة في إعلان حقوق الإنسان الفرنسي لعام ١٧٨٩؛ ولا سيما القضاة الذين وقعوا—بسبب المقاومة أو عدم التعاون مع المحتلين—في أسر القوات المعتدية وتعرفوا عن قرب على السجن والحرمان من حق الدفاع، حيث أدركوا هذه الحقيقة الملموسة وهي أنه فضلاً عن المجرمين الحقيقيين، قد يقع المواطنون الأبرياء أيضاً في معرض التهم الباطلة ويواجهون مصير المجرمين.

وقد تزامن نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا الغربية مع انقضاء عهد الاستبداد، وأدى الاهتمام مجدداً بالقيم السامية والكرامة الإنسانية إلى ضرورة إنشاء مؤسسات قانونية حامية، ولا سيما على المستوى الدولي. وفي هذا السياق، اكتسب الاهتمام بالحقوق والحريات الفردية في قالب التأكيد على أصل البراءة في المحاكمات الجزائية أهمية خاصة. ورغم أن إعلان حقوق الإنسان الفرنسي لعام ١٧٨٩—بالنظر إلى مكتسبات الثورة الكبرى واقتداءً بالقانون الروماني—قد أكد سابقاً على الأصل المذكور بعبارة «كل إنسان بريء ما لم تثبت إدانته»، إلا أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام ١٩٤٨، وبغية جلب الانتباه الخاص للدول الأعضاء في مادته الحادية عشرة، أكد مجدداً بعبارة مماثلة على ضرورة مراعاة أصل البراءة. وأخيراً، فإن المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تُسمى أيضاً معاهدة صيانة حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بتخصيصها الفقرة ٢ من المادة ٦ لإعلان أصل البراءة وبعبارة «كل شخص يُتَّهَم بجريمة يُفْتَرَضُ بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً»، قد لفتت مرة أخرى أنظار الدول الأوروبية الأعضاء في مجلس أوروبا والمصادقة على المعاهدة وبروتوكولاتها الملحقة إلى ضرورة توفير ظروف خاصة لإعمال الأصل المذكور على المستوى الإقليمي.

وعلى الرغم من المطالب المذكورة أعلاه، لم يكن جميع الحقوقيين والمذاهب القانونية متفقين في الرأي بشأن نطاق شموله. وقد ساهمت بعض الأحداث التاريخية، ولا سيما مجيء الحكومات الاستبدادية والفاشية، في تعزيز مثل هذه التفسيرات. وبعد دراسة إجمالية وآراء المعارضين في القسم الأول، سنخصص القسم الثاني لتقديم التوضيحات اللازمة حول آثار أصل البراءة.

القسم الأول: آراء المعارضين

أ. المدرسة الوضعية:

من بين مدارس العلوم الجنائية وعلم الإجرام في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، انتقد الوضعيون بزعامة إنريكو فيري أصل البراءة. فمن وجهة نظر هذا العالم، لا شك أن افتراض البراءة يُعبِّر عن وجوب النظر إلى كل مواطن بعين الاحترام واعتباره شخصاً شريفاً؛ ولكن لا ينبغي المبالغة في هذا التفسير: «فعندما يُلقى القبض على المتهم أثناء ارتكاب الجريمة (الجريمة المشهودة/المتلبس بها)، أو في الحالات التي يعترف فيها المتهم بارتكاب الجريمة، فإن افتراض البراءة في هذه الحالات يصابه الخلل؛ وببارة أخرى، لا يمكن لهذا الأصل أن يمتلك قيمة منطقية وقانونية متساوية في جميع الحالات؛ ولا سيما عندما نواجه مجرمين بالفطرة، ومحترفين، وليسوا عاطفيين أو عرضيين، حيث تنخفض قيمة أصل البراءة بدرجة أكبر». وبذلك، فمن وجهة نظر فيري، فإن افتراض البراءة لا يكون معتبراً إلا في حق المجرمين العرضيين، وبشرط ألا يكونوا قد اعترفوا بارتكاب الجريمة، ولم يُقبَض عليهم أثناء ارتكاب جريمة مشهودة!

ومع ذلك، وكما متّع به أنصار أصل البراءة منذ القدم، ولا سيما بالنظر إلى المكتسبات الحديثة للعلوم الجنائية وعلم الإجرام، فإن الرأي المذكور يتعارض مع الحقائق العلمية والقانونية المعاصرة:

  • أولاً: إن ضرورة إجراء محاكمة عادلة ومراعاة أصول المحاكمات حتى في الجرائم المشهودة، مُعترَف بها في قوانین جميع الدول ومنها إيران. كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يفرق لاحقاً باستخدامه عبارة «كل متهم يُفترض بريئاً…» بين المتهمين في الجريمة المشهودة وغيرها. وعليه، فإن عقد محاكمة عادلة ومراعاة قانون الإجراءات الجزائية وضرورة تقديم الأدلة الكافية لإقناع وجدان القضاة حتى في الجرائم المشهودة تقع على عاتق النيابة العامة والمدعي، وهذا بحد ذاته يدل على قبول أصل البراءة حتى في الجرائم المشهودة.

  • ثانياً: إن نظرية “المجرم بالفطرة” بالشكل الذي قُدِّمت به من قبل المدرسة الوضعية، ولا سيما فيري ولومبروزو، قد رُفِضَت منذ أوائل القرن الحالي في المدرسة الاجتماعية الفرنسية بزعامة الدكتور لاكاسان وإميل دوركهايم. فقد أعلن لاكاسان منذ المؤتمر الأول للأنثروبولوجيا (روما ١٨٨٥) أن «كل مجتمع يستحق المجرمين الذين يربيهم»، واستبدل رؤيته الاجتماعية للجريمة والمجرم ودور البيئة الاجتماعية في تكوين الجريمة بنظرية المجرم بالفطرة للومبروزو وفيري. فضلاً عن ذلك، يجب القول: إنه بالنظر إلى مكتسبات علم النفس والطب على مدى القرن الحالي، فإن عوامل ارتكاب الجريمة يجب البحث عنها حتماً فيما وراء الخصائص والمظاهر الجسدية للمجرمين.

  • ثالثاً: وفيما يتعلق بالمجرمين المحترفين ومكرري الجرائم، لا يمكن أيضاً الاستناد إلى جرائمهم المرتكبة سابقاً لتجاهل أصل البراءة: فمهما كان للمتهم من سوابق جنائية، يظل من الممكن أنه لم يرتب الجريمة الجديدة المتهم بها وأن الفاعل الحقيقي شخص آخر. ولا يمكن اعتبار السوابق الجنائية للمتهم إلا من قبيل الظروف المشددة وزيادة مقدار العقوبة أو تغيير نوعها ودرجتها، وهذا لا يعفي سلطة الاتهام أو المدعي بالحق الشخصي مطلقاً من تقديم الدليل الكافي بشأن الاتهام الجديد. وقد لاحظت المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان في الفقرة ١ من المادة ٦ ضرورة إجراء محاكمة عادلة في أي اتهام يُوجَّه إلى أي شخص بهذه العبارة: «لكل شخص الحق في أن تُنظر دعواه بعدالة وعلانية وفي مهلة معقولة من قبل محكمة مستقلة ومحايدة مُنشأة وفقاً للقانون…».

ب. النظرة المحايدة إلى المتهم أثناء المحاكمة:

من بين الحقوقيين الليبراليين، شكك بعضهم تحت تأثير الظروف والأوضاع السياسية الخاصة في أصل البراءة، ومدوا نظرهم إلى وضع موقف محايد في التعامل مع المتهم من الناحية القضائية. على سبيل المثال، كان البروفيسور جان كاربونييه، أستاذ كلية الحقوق بجامعة باريس، يعتقد في الماضي وفي ثلاثينيات القرن الماضي تحت تأثير قانون العقوبات الإيطالي في ذلك الوقت، أن الثوار الفرنسيين في إعلان حقوق الإنسان لعام ١٧٨٩ وعند إعلان أصل البراءة قد ارتكبوا نوعاً من عدم الاحتياط وضُحُّوا بالحقائق القضائية الملموسة لحساب الشعارات الثورية. فمن وجهة نظر هذا الحقوقي، طالما أن التحقيق الجزائي يسير في مجراه، لا ينبغي أن يكون لدينا حكم مسبق بشأن إدانة المتهم أو براءته: فالمتهم هو متهم، لا مجرم ولا بريء؛ وبعبارة أخرى، من الناحية القانونية، لا ينبغي أن نجعل افتراض الإدانة ولا أصل البراءة ملاكاً لعملنا في الإجراءات القضائية، ومن الشايع اتخاذ وضع قانوني محايد بعيداً عن أي حكم مسبق حتى تتضح نتيجة التحقيق.

إن مثل هذا التفسير قد تشكل تحت تأثير الظروف والأجواء السياسية-الجزائية الخاصة للسنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية وفي فترة تشكل سيطرة الفاشية على أوروبا. ولكن بصرف النظر عن هذا الجانب، فإن ما هو غير ممكن من الناحية العلمية، إنما هو عدم إمكانية تصوُّر وتأمين وضع محايد للمتهم أثناء المحاكمة الجزائية. ففضلاً عن أن مثل هذا التفسير لأصل البراءة يمكن أن يكون سلاحاً مناسباً وفعالاً بيد الحكومات الاستبدادية لسلب حرية المواطنين وكرامتهم بذريعة أدنى اتهام وإهدار حقوقهم، فإنه في العمل، يؤدي قبول الوضع المحايد إلى قبول أصل الإدانة بدلاً من أصل البراءة، وهو ما يتعارض مع رأي البروفيسور كاربونييه نفسه. وبعبارة أخرى، في الحالات التي لا يوجد فيها دليل كافٍ ضد المتهم يؤدي إلى إقناع وجدان القضاة، ما هو التكليف؟ هل يُفسَّر الشك والتردد لصالح المجتمع أم لصالح المتهم؟ لا شك أنه متى ما فُسِّر الشك في الحالات المذكورة لصالح المجتمع وضد المتهم، فإننا نكون قد خضعنا ناظرين لقبول أصل الإدانة؛ ومتى ما فُسِّر الشك والتردد لصالح المتهم وتبرئته بناءً على ذلك من الاتهام الموجه إليه، نكون قد قبلنا افتراض براءة المتهم. وبعبارة أخرى، إن نفي البراءة وقبول وضع محايد—كما يُلاحظ—يؤدي في النهاية إلى قبول افتراض إدانة المتهم الذي هو النقيض لافتراض البراءة.

ج. التشكيك في نطاق أصل البراءة:

حقوقيون آخرون لم يشككوا في أصل البراءة ذاته، بل في ساحته ونطاقه. ومن ذلك يمكن الإشارة إلى الرأي المعرب عنه من قبل البروفيسور فرانسوا كلير. فمن وجهة نظر هذا الحقوقي السويسري، ينظر أصل البراءة إلى قواعد إثبات الدعوى الجزائية، والمقصود منه أنه قبل المحاكمة ومراعاة أصول الإجراءات لا يمكن معاملة المتهم معاملة المحكوم عليه. وبعبارة أخرى، ينظر أصل البراءة فقط إلى ضرورة مراعاة “حق الدفاع للمتهم” أثناء المحاكمة من قبل السلطات القضائية، ولا يشمل ضرورة تأمين “حرية المتهم” قبل المحاكمة، ولذلك فإن توقيف المتهم أثناء التحقيقات لا يتعارض مع أصل البراءة.

وفي الرد على مثل هذا التفسير، يصرح أنصار أصل البراءة بأنه من دراسة الأحداث التاريخية التي أدت إلى إعلان أصل البراءة من قبل الثوار الفرنسيين عام ١٧٨٩، يتبين بوضوح أن منع استبداد الأفراد والمسؤولين الحكوميين وحفظ حرية المواطنين في مواجهة السلطة العامة كان مد نظر إعلان الأصل المذكور. إذ كما نعلم، كان اللجوء في فرنسا قبل الثورة إلى الملك ورجال البلاط لإرسال خصومهم—سواء السياسيين أو العاديين—إلى سجن الباستيل عن طريق الأوامر المختومة (Lettres de cacheت) شائعاً جداً، ولا سيما في عهد الملك لوثر السادس عشر. وفي هذا العصر، انتشر اللجوء إلى الأوامر المختومة إلى حد أن مالزيرب، أحد وزراء لوثر السادس عشر، كتب في تقرير له إليه: «إن كل مواطن يتمتع بقدر يسير من الاعتبار والوجاهة يرى في اللجوء إلى الجهاز القضائي لجبر حتى شتيمة واحدة أمراً دون قدره وشخصيته»؛ ولذلك فإن الثوار الفرنسيين بعد هدم سجن الباستيل، وبإعلانهم أصل البراءة في إعلان حقوق الإنسان، ركزوا بوجه خاص على حفظ حرية المواطنين ومنع سلبها، حتى وإن كانوا في معرض الاتهام. فضلاً عن ذلك، فإن عبارة «… وفي الحالات التي يُعتبر فيها القبض على الأشخاص ضرورياً، فإن إعمال أي قسوة لا تكون لازمة للسيطرة عليه يجب أن يُعاقَب عليها بشدة بموجب القانون» والتي جاءت في المادة ٦ عقب إعلان افتراض البراءة، تدل بوضوح على اهتمام الثوار وتوجههم لضرورة تأمين الحريات الفردية. كما أن تأكيد إعلان حقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة على أصل البراءة بعد الحرب العالمية الثانية كان بالنظر إلى التجارب المريرة الناجمة عن الاعتقالات الجماعية ومخيمات العمل والقتل في عهد الفاشية في أوروبا، وتحويل مقولة “المظنون فيه” إلى عدو عيني وسلب الحرية من المواطنين استناداً إلى النسخة النازية لـ “الجريمة المحتملة” بدلاً من مقولة “المظنون في ارتكابه مخالفة”. بالنظر إلى المطالب المذكورة، لا يبقى شك في أن أصل البراءة يشمل كلاً من ضرورة تأمين حق الدفاع للمتهمين وحريتهم قبل المحاكمة.

وقد أولت المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان عنايتها لهذه النتيجة، وبعد تخصيص المادة ٥ للحالات التي يجوز فيها استثناءً توقيف الأشخاص، خصصت المادة ٦ لبيان ضرورة تأمين حق الدفاع للمتهم وكيفيته.

وفي القانون الداخلي، يُستنبط من الجمع بين المواد الثانية والثلاثين والسابعة والثلاثين والثامنة والثلاثين من الدستور، والضمانات الإجرائية التنفيذية المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية (ولا سيما المواد ٢٤ و٢٨ و١٢٤ و١٢٥) والمواد ٤٨ فما بعدها من قانون التعزيرات، أن المشرع الإيراني أيضاً بإعلانه أصل البراءة كأحد الأصول المعتبِرة في الدستور، قد ركز على ضرورة تأمين حرية المواطنين ومنع سلبها إلا في الحالات الاستثنائية وبحكم من السلطة القضائية المختصة ووفقاً للموازين القانونية من جهة، وتأمين محاكمة عادلة ومحايدة وإجراء التحقيقات الأولية في أسرع وقت ومراعاة حق الدفاع للمتهم أثناء المحاكمة من جهة أخرى. وإن دراسة تفاصيل بعض آثار أصل البراءة في الفصل القادم ستكشف لنا ضرورة مراعاة هذا الأصل أكثر فأكثر في الحياة القضائية اليومية.

القسم الثاني: آثار أصل البراءة

أ. افتراض البراءة وحق المتهم في الدفاع:

اعتبر بعض الحقوقيين حق الدفاع بأنه الحق الذي بموجبه يستطيع كل فرد يقع تحت الملاحقة أن يدافع عن نفسه في المحاكم قبل أن يصدر بحقه حكم. ولا شك أن حق المتهم في الدفاع عن نفسه أمام المحاكم يُعد حق دفاع. ومع ذلك، فإن التعريف المذكور لم يلحظ حق الدفاع بمعناه الواسع. في الوقت الحاضر، لا يقتصر الاهتمام على مراعاة حقوق المتهمين في المحاكم فحسب، بل يمتد إلى توفير الإمكانيات القضائية اللازمة لهم في النيابات العامة ولا سيما لدى الشرطة أو مأموري الضبط القضائي لإثبات براءتهم، وبذلك يمكن القول إن حق المتهم في الدفاع يتكون من مجموع الضمانات القانونية والقضائية المنظورة على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي للأشخاص الذين يقعون في معرض ارتكاب الجريمة، طوال مرحلة التحقيق الجزائي بهدف اتخاذ قرار عادل بعيداً عن الأخطاء القضائية. وقد أكدت المادة الرابعة والعشرون من الدستور الإيطالي الصادر عام ١٩٤٨، دون أن تكون في مقام تعريف حق الدفاع، على أهمية مراعاته كأحد الأصول الأساسية كما يلي:

«الدفاع حق لا يجوز المساس به في أي مرحلة من مراحل التحقيق ودرجاته».

في هذا القسم، ونظراً لأهمية الموضوع، ولا سيما التكليف وأسلوب تحصيل الدليل من قبل سلطة الاتهام، سيتم بحث دور محامي الدفاع في مختلف مراحل التحقيق بشكل مقارَن.

يكمن الأثر الأول والأهم لأصل البراءة في التزام سلطة الاتهام بتحصيل الدليل وتقديمه وإثبات الجريمة المنسوبة إلى المتهم. وكما نعلم، في الدعوى الجزائية، تُعتبر النيابة العامة—التي تُعد بتعبير المادة ٥٠ من قانون أصول التشكيلات العدلية (محامي الجماعة)—المدعي الرئيسي، ولذلك وبموجب قاعدة البينة على المدعي، تكون مكلفة بإثبات إدانة المتهم أمام المحكمة. وبعبارة أخرى، لا يقع على المتهم تكليف بإثبات براءته، بل على النيابة العامة نيابةً عن المجتمع أو المدعي بالحق الشخصي إثبات خرق المقررات من قبل المتهم. ولكن يجب الانتباه إلى أن أسلوب وكيفية تحصيل الدليل من قبل النيابة العامة يحظى بنفس القدر من الأهمية ويثير المشكلات تماماً كالتزام النيابة العامة بتقديم الدليل، إلى حد أنه في كثير من الدول، يُعد عدم مراعاة الضوابط المنصوص عليها عند تحصيل الدليل من المصاديق البارزة لتضييع حق الدفاع للمتهم، وقامت المحاكم العليا بإبطال التحقيقات والإجراءات القضائية المتخذة.

إن المسألة الأولى المرتبطة بأسلوب تحصيل الدليل هي كيفية التعامل مع صمت المتهم بعد التثبت من هويته وتفهيمه الاتهام في مرحلة التحقيقات الأولية. فبصرف النظر عن الحالات الاستثنائية التي يراجع فيها المتهم شخصياً المراجع القضائية ويعترف بالجريمة ويقدم التوضيحات اللازمة للنيابة العامة للقيام بواجباتها القانونية، فإن المتهمين في بعض الحالات يلتزمون الصمت، بل وقد يحاولون بإظهار أقوال كاذبة تضليل مأموري الضبط… وفي بعض الحالات لا يكون المتهم عالماً بلغة السلطات الضبطية والقضائية. في كل هذه الحالات والحالات المشابهة الأخرى، وكما يُلاحظ، يجب أن يتم جمع الدليل وفق ضوابط خاصة؛ وإلا فإن عدم مراعاة ضوابط القوانين وخدش الأدلة المتحصل عليها قد يسري إلى التحقيقات اللاحقة ويُسقطها من درجة الاعتبار.

ما هي هذه الضوابط؟ وفقاً للمادة الثامنة والثلاثين من دستور جمهورية إيران الإسلامية، لا يقتصر الأمر على حظر استحلاف المتهم لإجباره على أداء المطالب؛ بل بالنظر إلى العبارة المنصوص عليها في المادة ١٢٥ من قانون الإجراءات الجزائية على هذا النحو: «إذا امتحن المتهم عن الإجابة (في التحقيقات الأولية)، يُدوَّن امتناعه في محضر الجلسة»، يُستفاد بوضوح هذه النتيجة وهي أن حق الصمت للمتهم مُعترَف به ومضمون قانوناً في النظام القضائي الإيراني.

ولكن إذا كان المتهم يستطيع الصمت ولا يمكن اعتبار امتناعه عن تقديم التوضيحات دليلاً على إدانته، ألا يقع على عاتق مأموري الضبط والسلطات القضائية في مرحلة التحقيقات الأولية تكليف بشأن إعلام هذا الحق للمتهم؟ وبعبارة أخرى، ألا يُكَلَّف قضاة النيابة العامة أو مأمورو الضبط في النظام القانوني الإيراني منذ بداية المواجهة مع المتهم بإعلامه بحقه في الصمت؟ إن سبب طرح هذه المسألة هو أنه من منظور القانون المقارن وفي كثير من الدول بما فيها فرنسا وألمانيا وسوريا (على التوالي المواد ١١٤ و١٣٦ و٦٩ من قوانین الإجراءات الجزائية لهذه الدول)، ألزم المشرع قضاة التحقيق والملفين بإعلام حق الصمت للمتهم. تنص المادة ١١٤ من القانون الفرنسي على ما يلي: «عند أول حضور في التحقيق، يُكَلَّف قاضي التحقيق… بأن يعلن للمتهم أنه يستطيع الامتناع عن أداء أي توضيح. ويجب تدوين هذا التذكير في المحضر. وإذا كان المتهم نفسه راغباً في الإجابة تقديم التوضيحات، يبدأ قاضي التحقيق فوراً الاستجوب…».
وتشير المادة ١٣٦ من القانون الألماني StPO بعبارة مماثلة إلى هذا التكليف لقاضي التحقيق: «في الجلسة الأولى يجب تفهيم المتهم أنه وفقاً للموازين القانونية يستطيع تقديم توضيح بشأن الاتهام الموجه إليه أو الامتناع عن بيان أي مطلب…»، وأخيراً تؤكد المادة ٦٩ من القانون السوري صراحةً على التزام قاضي التحقيق بإعلام حق الصمت: «بمجرد الحضور، يقوم قاضي التحقيق بعد الاستعلام عن هوية المتهم بإعلامه بالأفعال المنسوبة إليه ويطلب إجابة الأسئلة، في حين يُعلم المتهم أنه يستطيع الامتناع عن الإجابة حتى حضور المحامي…».