إشارة: يُعدّ حق المساواة الإنسانية للوهلة الأولى أمرًا مقبولاً وبديهيًا، لكننا عندما ننظر إليه بعمق، نجد فيه أبعادًا غير معلنة تتطلب تسليط الضوء عليها؛ من قبيل: ما هي نسبته إلى حقوق الإنسان وحقوق المواطنة؟ وهل هو أمر توقيفي يجب أن تُبيّن مصاديقه من قِبل الشرع أم أنه حق غير توقيفي؟ وما إلى ذلك… يعتقد الدكتور عبد المجيد مبلغي، عضو الهيئة التدريسية في معهد علوم الإنسان والدراسات الثقافية، والذي أجرى دراسات واسعة في مجال القانون الأساسي والفكر السياسي، أن هذا الحق هو أمر سابق على الدين وغير توقيفي. بطبيعة الحال، فهو لا يرى أن كون هذا الحق غیر توقيفي يمنع الشارع من التدخل في تحديد مصاديقه. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ والباحث الجامعي:
الفقه المعاصر: ما هو حق المساواة الإنسانية وما هي أبعاده؟
مبلغي: إذا أردنا تناول هذا السؤال، فعلينا القول إن حق المساواة الإنسانية يعود بمعناه إلى المساواة الذاتية بين البشر في الكرامة الناظرة إلى الحيثية الإنسانية. وتتجلى هذه المساواة وتظهر بطبيعة الحال في مجال التكاليف، ومجال الحقوق، ومجال الاستفادة والتمتع بالفرص.
وهذا الحق يعود في جوهره إلى تساوي البشر في أصل الخلقة والذي هو منشأ أهلية التكليف. ويخبرنا تحديداً أنه في وهلة أولى، وفي فهم ناتج عن ملاحظة القيمة الوجودية للبشر، لا يمتلك أي فرد تفوقًا حقوقيًا على غيره لمجرد العرق أو الجنس أو النسب. طبعًا، تطرأ هذه الفوارق لاحقًا في العلاقات البيئية والاجتماعية بناءً على العمل أو التقوى ومباحث من هذا القبيل.
وبعبارة أخرى، يوجد بعد تكويني لهذا الحق يمثل المساواة في أصل الخلقة والكرامة الذاتية للإنسان، وتشير الآية ٧٠ من سورة الإسراء «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» إلى هذا الأمر. كما يوجد بعد تشريعي يمثل المساواة في الأحكام التكليفية والأحكام الجزائية. طبعًا، أوجد الشارع في بعض الموارد تفاوتاً في هذا البعد التشريعي بسبب تفاوت الأدوار أو المصلحة، وشكّل ذلك النظام التشريعي الخاص؛ لكنهم في حد ذاتهم يتمتعون بنوع من المساواة، غير أن هذه المساواة يجب أن تكتسب معناها في ارتباطها بالمناسبات والروابط التي أوجدت مجموعة من الارتفاعات والانخفاضات.
وبمعنى ما، يمكن اعتبار بعد إجرائي واجتماعي له أيضاً؛ أي أنه بالإضافة إلى البعد التكويني والبعد التشريعي، يمتلك بعداً إجرائياً-اجتماعياً. وهنا، يمكن إدراج المساواة في الوصول إلى العدالة مثلاً، والمساواة في التمتع بالفرص الاجتماعية، والمساواة في الوصول إلى المناصب السياسية، وعدم التمييز الجائر في نمط سلوك أصحاب السلطة (مثل الحكومة أو القاضي والجهاز القضائي) تجاه الأفراد، وما شابه ذلك تحت هذا البعد.
الفقه المعاصر: هل يندرج حق المساواة تحت حقوق الإنسان أم حقوق المواطنة؟ وهل هو حق طبيعي أم حق تعاقدي؟ وما هي الفوارق التي ينطوي عليها اختيار أيٍّ من هذه الخيارات؟
مبلغي: أولاً، إن حقوق المواطنة نفسها تمتلك إحالة جادة في جوهرها وماهيتها إلى حقوق الإنسان، وبمعنى ما فإن حقوق المواطنة في أصلها وأساسها وكنهها المعرفي/الوجودي ليست منقطعة الصلة بحقوق الإنسان. يجب أن نأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، وإلا فإن إدراكنا لجوهر الموضوع بأكمله سيصاب بنوع من الاعوجاج المعرفي. ومع مراعاة هذه المسألة، ندرس حقيقة الموضوع. إذا اعتبرنا المساواة حقًا ناشئًا عن الكرامة الذاتية للإنسان، فحينئذٍ يكون من الواضح أنه يُصنّف ضمن حقوق الإنسان، ولهذا الأمر آثار بالطبع؛ فمثلاً لم يعد كَوْن الفرد بلا جنسية أو خارج الحدود مسقطاً لذلك الحق.
ولكن إذا لحاظنا المساواة وفهمناها في إطار القانون الوطني وتحديداً تحت مظلة العلاقة بين الفرد والدولة، والتي تكتسب معناها داخل الدولة الوطنية وبمعنى أدق «الدولة-الأمة»، فإنها حينئذٍ تندرج ضمن حقوق المواطنة، وتترتب عليها تحديداً آثار كـ التابعية (الجنسية) والتواجد داخل حدود وطنية معينة.
وإذا قال قائل إننا لا نعدّ هذه الحقوق وهذا الحق في المساواة جزءاً من حقوق الإنسان أو حقوق المواطنة، ونعدّه وفق الفكر الحديث أمراً تعاقدياً، فيجب القول إن هذا فهم خاطئ للنسبة بين الأمر التعاقدي أو العقد الاجتماعي (Social Contract) وحقوق الإنسان. في الواقع، إن حقوق الإنسان هي جوهر العقد الاجتماعي، وكون الأمر تعاقدياً لا يسقط نسبته إلى حقوق الإنسان. طبعًا، هذا البحث طويل ولن أخوض فيه أكثر من ذلك.
الفقه المعاصر: بأي أدلة يمكن إثبات حق المساواة الإنسانية؟ وهل يتضمن إثبات حق المساواة الإنسانية بأحد هذه الأدلة آثاراً مختلفة عن إثباته بأدلة أخرى؟
مبلغي: إذا أردنا التطرق إلى الأدلة الفقهية والحقوقية، فيمكننا تحت مظلة الأدلة النقلية الفقهية والحقوقية تناول الآيات والروايات. فعلى سبيل المثال، تؤكد الآية الكريمة: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات: ١٣) على المساواة في أصل الكرامة والتفاضل على أساس التقوى – وهو أمر يرتبط بالحق تعالى – وتلاحظ هذه المساواة في حد ذاتها للإنسان على قاعدة الكرامة؛ وعلى الرغم من أن التقوى -التي تحتل مكانة خاصة في الأدبيات الدينية- تصنع تفاوتاً سيكون ذا أهمية عند الحق تعالى، إلا أن هذا لا يعني أن الإنسان الفاقد للتقوى لا يتمتع بحق الكرامة الذاتية.
وإذا تطرقنا إلى أدلتنا العقلية الفقهية والحقوقية، فنحن نواجه قبح التمييز الجائر وأصل العدالة العقلية المقبولة في أصول الفقه أيضاً. ونحن نعلم أن «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع»، والتمييز الجائر غير صائب، كما أن العدالة العقلية والقبول بالعدالة كأصل عقلي كان موضوع دقة ومراجعة كبيرة. كما أن سيرة العقلاء وبناءهم قائم على التعامل المتساوي مع البشر، لا سيما مع ملاحظة أصل القيمة الوجودية المشتركة والمتشابهة الناشئة عن الكرامة الإنسانية.
الفقه المعاصر: هل المساواة الإنسانية أمرٌ توقيفي يجب أن يبيّنه الشارع، أم أنها أمرٌ عرفي يحدد العرفُ مفهومَه ومصاديقَه؟
مبلغي: لنرَ أولاً ما معنى أن يكون الأمر توقيفياً؟ إذا كان المقصود هو نفس المساواة، فهل المساواة توقيفية؟ كلا، أصلها لم يُؤَسَّس في الشرع، بل هو إمضائي وتأييدي. أي إن كون الإنسان مساوياً يمتلك دلائل مهمة سابقة على الدين ناظرة إليه، وقد قبل الشارع هذا بوصفه أمراً عقلائياً؛ وإن كان قد حدّده (بالحاء) أو وسّعه في مرحلة تطبيق المصاديق. لكن أصل الموضوع، أي المساواة، هو أمر كان موجوداً.
ومن هذا المنطلق، نرى أن تحديد العديد من مصاديق التمييز أو المساواة يقع على عاتق العرف وبناءً على بناء العقلاء. طبعًا، إذا صرّح الشارع في موضع ما بخلاف ذلك، فإنه يكون مسموعاً؛ وبناءً عليه، يمكن الاستنتاج بأن المساواة الإنسانية في الأصل أمر عقلائي وسابق على الدين، أمضاه الشرع وأكّده وصاغه ووسّعه أو حدّده.
الفقه المعاصر: ما الفرق بين حق المساواة الإنسانية بوصفه حقاً من حقوق المواطنة، وبين حق المساواة الإنسانية بوصفه قاعدة فقهية؟
مبلغي: لنرَ أولاً ما الذي نضعه للنقاش في هذا السؤال؟ أولاً، حق المواطنة. يضرب حق المواطنة بجذوره في مصدرين ومنبعين: أحدهما القانون الأساسي، والآخر القوانين الموضوعة. وحق المواطنة تابع للإقليمية السياسية ونتيجة للتمتع بالجنسية (التابعية). أي إنك إذا كنت تحمل جنسية دولة-أمة وتتواجد وتبرز داخل نظامها ونطاقها الإقليمي والسياسي، فحينئذٍ وتحت مظلة صلاحية خاصة تُعرّف لك، ستكون حائزاً على حق المواطنة الذي يتولى الجهاز القضائي والنظام الحقوقي لذلك البلد ضمانَ تطبيقه. هذا هو ما نفهمه من حق المواطنة.
والآن السؤال هو: ما الفرق بين حق مساواة الإنسان كحق من حقوق المواطنة وحق مساواة الإنسان كقاعدة فقهية؟ القواعد الفقهية مأخوذة من النصوص الشرعية وتُلاحظ داخل جهاز الوعي الشرعي وباستخدام الهيكلية المنهجية المؤدية إلى فهم القواعد الشرعية (بما في ذلك النهج المتبع في أصول الفقه والعلوم المماثلة). إن القواعد الفقهية عامة وشاملة لجميع البشر، وليست محصورة داخل إقليم ونطاق حوكمة ناتج عن دولة وطنية ومؤثر في فهم أمر المواطنة، وضمانة تطبيقها هي الحكم الشرعي والالتزام الديني. على الرغم من أنه قد تتشكل دولة دينية في إقليم دولة-أمة (مثل إيران في عصرنا الحالي) تعمل بالأمر الشرعي بوصفه قانوناً عبر إجراءات تمر بها (مثل تحويله إلى هيكل قانوني في البرلمان).
وإذا أردنا وضع كل هذه المباحث إلى جانب بعضها البعض وتقديم صياغة وخلاصة، فيمكننا القول إن حق المساواة في الفقه الإسلامي هو أصل إمضائي وعقلائي أيّده الله في إطار الكرامة الإنسانية وبصمت النصوص الشرعية عليه بختم الصحة والتأیيد. طبعاً، يمكن لمصاديقه أن تتوسع أو تتحدد بناءً على العرف ومقتضیات الزمن، باستثناء ما أضفى عليه الشارع شكلاً وهيئة خاصة بشكل محدد. وفي إطار الحوكمة الدينية، يمكن أن يحوز وصفاً قانونياً يكون محلاً لممارسة حقوق المواطنة؛ أي يجب صياغة المسألة بطريقة تمكننا من إظهار أشكال التراكب هذه بين المجالات ذات القاسم المشترك.
