انعقاد الندوة الخامسة والثمانين من ندوات «أیام الأحد: مناقشة المنهج» تحت عنوان «تأثير القرآن الكريم في منهجية إنتاج الفرضيات والنظريات في العلوم الإسلامية»

المنهجیة، جسرٌ بین الوحی والمعرفة البشریة: تحدیات صیاغة النظریات القرآنیة وحلولها

٩ Mordad ١٤٠٥ ٩ دقيقة قراءة أیام الأحد: مناقشة المنهج

عُقدت الجلسة الخامسة والثمانون من سلسلة ندوات «أیام الأحد: مناقشة المنهج» تحت عنوان «تأثير القرآن الكريم في منهجية إنتاج الفرضيات والنظريات في العلوم الإسلامية» بهمة معهد دراسات الفقه المعاصر.

وفقًا لما أفاد به الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر، شارك آية الله أحمد مبلغي بوصفه المتحدث الرئيسي في هذه الندوة العلمية، بينما تولى حجة الإسلام والمسلمين حقاني فضل، مدير موسوعة الفقه المعاصر، إدارة الندوة بوصفه الأمين العلمي، وقام بالتعريف بالبرنامج وتبيين أهمية الموضوع، متطرقاً إلى النسبة البنيوية للقرآن الكريم بتشكل العلوم الإسلامية وضرورة صياغة النظريات في منظومة المعرفة الدينية.

في البداية، ولفت الإشارة إلى المكانة المحورية للقرآن في الفكر الإسلامي، أكد أن القرآن الكريم هو المصدر الأولي لكافة العلوم الدينية وأساس تشكّل العلوم الإسلامية، وأن الفهم الصحيح للدين لن يتأتى دون الرجوع إلى هذا المصدر البنيوي. وأضاف مدير موسوعة الفقه المعاصر: «على الرغم من وجود نوع من عدم الاكتراث بالقرآن لدى بعض التيارات الأقلية، إلا أنه في رؤية غالبية المفكرين المسلمين، يظل القرآن المصدر الأساسي، والبنيوي، والغير محرّف للفكر الديني».

وتناول حجة الإسلام والمسلمين حقاني فضل في الاستمرار البعدَ الثاني لأهمية هذه الندوة والمتعلق بمسألة صياغة النظريات في العلوم الإسلامية قائلاً: «اليوم، لم يعد إبداء الرأي في العلوم، ولا سيما في مجال العلوم الإنسانية والعلوم الإسلامية، دون الاتكاء على نظرية منسجمة يمتلك الجدوى المطلوبة».

وذكّر الأمين العلمي بطرح المسألة الرئيسية لهذه الندوة قائلاً: «إذا أردنا امتلاك نظام فكري تكون فيه الآراء التي يبديها الباحث والمفكر في الأجزاء المختلفة منسجمة مع بعضها البعض وتؤيد بعضها دون أن تنقضه، فهذا أمرٌ شبه مستحيل دون امتلاك نظرية».

كما أشار مدير موسوعة الفقه المعاصر إلى تخطيط معهد دراسات الفقه المعاصر للتركيز على محور القرآن في بعض ندوات الفصل الماضي، لافتاً إلى أن هذا المسار قد توقف بسبب الظروف الناجمة عن «الحرب النبالة والمفروضة»، والآن أُدرجت استمراريته في جدول الأعمال، وتنعقد الجلسة الحالية في امتداد هذا النهج وبهدف دراسة «تأثير القرآن الكريم في إنتاج الفرضيات والنظريات».

ثم استعرض آية الله أحمد مبلغي كلمته مؤكداً على لزوم التنقيح الدقيق لعنوان البحث، وقال إن هذا الموضوع يرتبط بعدة عناوين متوافق وأفقها ومسارها، ويجب التفكيك بين عدة مقولات وعدة مستويات من البحث:

  1. استنباط النظرية من التركيب بين القرآن والمصادر غير الوحيانية: ويشتمل هذا النهج على شقين؛ الأول الدور «التمهيدي والإعدادي» للبيانات غير الوحيانية التي توفر أرضية الفهم فحسب، والآخر الدور «الركني» لهذه البيانات التي تشكل النظرية مباشرة بالاتحاد مع القرآن.

  2. استنباط النظرية من القرآن بصورة محض: ويتناول هذا النهج الاستنباط المباشر للنظرية من عين القرآن، وكما أشار آية الله مبلغي، قد لا يكون هذا النهج كافياً بمفرده في عالم اليوم دون نوع من التمهيد المقدماتي.

  3. استنباط المنهج من القرآن: ويستخرج هذا المحور «المنهجَ» نفسه لإنتاج النظرية من القرآن ويمتلك جنبة منهجية.

واعتبر أستاذ البحث الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقولةَ الأولى هي «استنباط النظرية من التركيب بين القرآن والمصادر غير الوحيانية»، موضحاً: الموضوع هنا هو «النظرية»، والجهد المبذول هو «الاستنباط»؛ لكن هذا الاستنباط يتجه نحو مجموعة مركبة من البيانات الوحيانية وغير الوحيانية؛ أي القرآن من جهة، والبيانات البشرية من جهة أخرى، شاملاً العلوم، والتجربة، وسائر المعارف الإنسانية.

وتمكّن آية الله مبلغي في تبیين هذه المقولة من التمييز بين حالتين أو شقين. فبحسب قوله، في الحالة الأولى، تمتلك البيانات غیر الوحيانية دوراً تمهيدياً وإعدادياً؛ بمعنى أن هذه البيانات ليست بنفسها جزءاً مكوّناً مباشراً للنظرية، بل توفر أرضية الفهم والاستنباط للباحث. وفي مثل هذه الحالة، تستطيع البيانات البشرية تحفيز ذهن صائغ النظرية، وإعطاءه زاوية نظر، وفتح أفق جديد، وتوفير أدبيات يتحقق في ضوئها فهمٌ جديدٌ للقرآن؛ ومع ذلك، فإن النظرية تُستنبط في النهاية من عين القرآن، لا من التركيب الهيكلي الواقعي للقرآن مع تلك البيانات الخارجية.

وفي شرحه للحالة الثانية، تحدث عن الدور الركني للبيانات غیر الوحيانية، متصرحاً بأنه في هذا الفرض، لا تتشكل النظرية بمجرد التمهيد من البيانات البشرية، بل عن طريق الاقتران الواقعي بين نوعين من البيانات ــ البيانات الوحيانية والبيانات غير الوحیانية. وهنا لم تعد البيانات غير الوحيانية مجرد ممهّد، بل تمتلك حصة في الهيكل النهائي للنظرية، ويجب أن تتركب مع البيانات القرآنية في منظومة منتظمة ومنسجمة لتمكين إنتاج النظرية.

ومع تأكيده على أن كلا الصورتين ممكنتان وموجودتان في مقام العمل، اعتبر آية الله مبلغي هذا البحث موضوعاً منهجياً هاماً في فضاء العلوم الإسلامية والعلوم الإنسانية، مضيفاً أن تفعيل مثل هذا النهج في الحوزات العلمية يمكن أن يكون طريقاً للخروج من المأزق الحالي في الاستفادة من القرآن.

وفي جانب من كلمته، وبنظرة نقدية للوضع الراهن، صرّح بأن المسألة الرئيسية في عصرنا هي مهجورية الطاقات المنهجية للقرآن في حل المسائل الواقعية للحياة. ولفت إلى أن المسلمين يتحدثون دوماً عن التمسك بالقرآن، إلا أنه في مقام العمل، قلّما تحقق الاستثمار المؤثر والمحلّ للمشاكل للقرآن في مواجهة تعقيدات الحياة اليوم.

وأكد أستاذ البحث الخارج في الحوزة العلمية أنه لا ينبغي إحالة العجز الحالي إلى النص المقدس، بل يجب اعتباره ناتجاً عن الضعف في مناهج التفسير والاستنباط.

وشرح آية الله مبلغي منتقداً بعض أساليب التفسير الشائعة، أنه رغم قيمة التفاسير الموجودة، إلا أن هذه التفاسير لم تستطع في كثير من الموارد الوصول إلى مستوى من الفاعلية تؤدي فيه دوراً مباشراً في حل المسائل السلوكية، والنموذجية، والحركية، والعيش المعقد للإنسان المعاصر. وبحسب قوله، فإن جزءاً من المنتجات التفسيرية وإن كان ذا أهمية علمية ومعرفية، إلا أنه قلّما تُرجم إلى لغة الحياة، وقلّما استطاع التأثير في صعيد العمل الاجتماعي وتنظيم المسائل العينية لإنسان اليوم.

وفي هذا السياق نفسه، أكد على لزوم التناول العلمي والدقيق والصَبور لهذه المسألة، وقال إنه إذا أُتبعت أبعاد هذا البحث بنحو علمي وغير سطحي، فيمكن الأمل بحدوث تحول جاد في صعيد التفسير والاستفادة من القرآن؛ تحول يفتح آفاقاً جديدة للنسبة بين القرآن وإنتاج النظرية في العلوم الإسلامية.

وذكّر آية الله مبلغي في كلمته بأن مقولة «استنباط النظرية من التركيب بين القرآن والمصادر غير الوحيانية» تشكل أهم محاور بحثه في هذه الندوة، وسوف تُتابع المباحث اللاحقة بناءً على هذه المقدمة المفهومية نفسها.

وأشار إلى رؤية المرحوم الشهيد الصدر حول التفسير الموضوعي، عادّاً هذا النهج من أهم المحاولات المبذولة في هذا المجال، لكنه صرّح بأن هذا المنهج ليس كافياً للإجابة الكاملة عن المسألة. وبحسب قوله، فإن المسألة الرئيسية هي: «بأي منهج وبأي أداة تريدون استنباط الأفكار القرآنية واستخراجها وضعها أمام أنظار المجتمع المحتاج لهذه الأفكار».

واعتبر الدور التطبيقي نهجاً شاع في بعض فترات التنوير الديني، لكنه أكد أن التطبيق المباشر والقطعي للآيات على النظريات العلمية لا يمتلك سنداً مضموناً، ولا ينبغي جعله المبنى الأساسي لفهم القرآن.

ولفت آية الله مبلغي في جانب آخر من كلمته إلى أنه إذا نجحت بعض التطبيقات في العمل، فإن هذا النجاح لا يعود بالضرورة إلى نفس التطبيق، بل ينبع من أن نظرية علمية معتبرة أُخذت في البداية ثم فُهم معنى الآية ومصداقها بناءً عليها.

واعتبر أن المشكلة الرئيسية هي غياب الانضباط الذهني والمناهج النمطية للاقتراب من القرآن، مؤكداً على لزوم تحصيل معارف تخصصية عميقة ثم الرجوع إلى القرآن، ومضيفاً: «إذا اكتسب المنهج التمهيدي انضباطاً، فسيكون من أفضل وأكثر المناهج فاعليةً وشيوعاً للاقتراب من القرآن».

ولإيضاح الموضوع بنحو أكثر جلاءً، تناول آية الله مبلغي بیان عدة نماذج من آيات القرآن، مشيراً إلى الآية الكريمة: «وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (سورة الإسراء، الآية ٥٣) بوصفها مثالاً ممتازاً للاستنباط القرآني في مجال علوم الاتصال. وأوضح أنه يمكن تحليل هذه الآية بالأخذ بعين الاعتبار لفرضية مسبقة في علوم الاتصال مفادها أن “الاتصال ليس مجرد كلام، بل يشمل النبرة، ولغة الجسد، والسلوك أيضاً”.

وبناءً على هذه الفرضية المسبقة، يقوم الاتصال على ركنين: الكلام والسلوك، وإن تطابقهما يزيد من تأثير الرسالة. وتأمر الآية «وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» بالقول بـ “أحسن القول”، مع الأخذ بالحسبان لهذه الخلفية القائلة إن الاتصالات الإنسانية تقوم عمدتاً على القول (دون أن تدعي نفيه بالضرورة).

وأضاف آية الله مبلغي: عندما تُستخدم كلمة “أحسن” كـ صفة للقول (السخن)، فإنها تظهر أن هذا “الأحسن” لا يقتصر فقط على المحتوى المنطقي للكلام، بل يشمل النبرة، ولغة الجسد، وملاءمة الكلام مع الظروف الزمانية والمكانية. وهذه الجوانب السلوكية تتطابق تماماً مع النظريات المعاصرة لعلوم الاتصال التي تؤكد على تناسق الكلام والسلوك. ولفت إلى أن “سياق الآية” و”السيمياء (علم العلامات)” تؤديان دوراً هاماً في هذا التحليل.

وبعد هذا العرض، أشاد حجة الإسلام والمسلمين حقاني فضل، الأمين العلمي للجلسة، بالعرض الذي قدمه آية الله مبلغي، وأشار إلى المحور الرئيسي لكلمته مضيفاً: أشار آية الله مبلغي في هذه الندوة، بالإضافة إلى هذا الإطار العام، إلى بعض المسائل الأخرى التي وإن لم تكن الموضوع الرئيسي للجلسة، إلا أنها جديرة بالتأمل من المنظور المنهجي؛ ومنها ماهية المناهج المتاحة للاستفادة من القرآن في صياغة النظريات بصفة عامة، وهل هذه المناهج قابلة للاستخدام بنحو متماثل في كافة المجالات أم يجب تصميم مناهج أكثر تخصصاً للعلوم المختلفة، ولا سيما العلوم الإنسانية.

واختتم الأمين العلمي للندوة بشكر آية الله مبلغي على «العرض المنسجم والمفيد»، داعياً الحاضرين إلى طرح آرائهم ونقاطهم لاستمرار الحوار في محضر الأستاذ.

ثم أُتبعت الجلسة بـ الأسئلة والأجوبة بين الحاضرين والأستاذ. وفي جانب من هذا الحوار، تطرق أحد الحاضرين في سؤال لآية الله مبلغي إلى تحدي العلاقة بين العلوم الوحيانية (الثابتة) والعلوم البشرية (المتغيرة) في عملية صياغة النظريات، مستطرحاً السؤال: بالنظر إلى تغيّر العلوم البشرية، كيف يمكن إنتاج نظرية قائمة عليها؟

وأوضح آية الله مبلغي أنه في منهج استنباط النظرية من التركيب بين الوحياني وغير الوحياني، لا يُراد إلصاق كل معطى بشري بالقرآن بصورة مباشرة ودون منهج؛ بل يجب على الباحث الوصول إلى الاطمئنان عبر المنهجية، وبناء السيناريوهات، والذهاب والإياب بين البيانات القرآنية والبيانات البشرية، ومقارنة الفرضيات. وأكد أن:

  • البيانات البشرية تكون متكثرة ومتغيرة أحياناً، وهذا التنوع نفسه يوفر إمكانية الدراسة والاختيار الأفضل.

  • بعض البيانات البشرية قطعية ومثبتة أيضاً، ويمكن استخدامها في فهم القرآن كـ قانون العرض والطلب في الاقتصاد.

  • القيمة النهائية في هذه العملية ليست للمعطى البشري نفسه، بل للاطمئنان الذي يحصل عليه الباحث بعد السبر والمقارنة.
    وأظهر عبر أمثلة كـ أصالة الفرد أو المجتمع أن المفسر يستطيع عرض النظريات البشرية على آيات القرآن والوصول إلى نتيجة مطمئنة.
    وأكد في الختام أن الهدف هو الوصول من الظن والاحتمال إلى اليقين أو الاطمئنان العلمي، لا الاعتماد على التخمين والظن.

وسأل أحد الحاضرين عما إذا كانت النظرية المنتَجة في هذه العملية ليست قطعية ونهائية وقد تُستبدل بنظرية أخرى لاحقاً؟ فأجاب آية الله مبلغي بأن:
في الفقه والأصول أيضاً ليست النظريات قطعية تماماً، وتعدد الآراء يدل بنفسه على عدم وجود نظرية نهائية مطلقة، ولتقليل الخطأ يجب تقوية منهجية صياغة النظريات وجعلها أكثر دقة لتنخفض نسبة الخطأ. وإن الرجوع المتكرر والعميق للقرآن يمكن أن يؤدی إلى اكتشافات مقرونة بالاطمئنان للباحث. وتزداد الاعتبارية الاجتماعية والعلمية للنظرية عندما يتقبلها الآخرون أو يراونها جديرة بالاهتمام على الأقل. وحتى لو استُبعدت غالبية النظريات، فتتبقى عدة نظريات صحيحة وهي عينها ما يستحق الجهد المبذول.

وأظهرت هذه الندوة أنه في رؤية آية الله مبلغي، يستطيع القرآن أداء دور فاعل وممهد للحلول في إنتاج الفرضيات والنظريات في العلوم الإسلامية، لكن هذا الدور لا يكون مثمراً إلا عندما يقترن بالمنهجية المنتظمة، والنظرة التمهيدية، والاستثمار الدقيق للبيانات العلمية والبشرية. وخلاصة الجلسة هي أن القرآن، ليس في مقام التطبيقات المتسرعة، بل في قالب مصدر ملهم لاكتشاف النظريات يستطيع فتح آفاق جديدة في العلوم الإنسانية، والاتصال، والفن، وعلم الاجتماع.