إشارة: تُعدّ الكرامة الإنسانية من مقولة السهل الممتنع؛ ففي النظرة الأولى يُظنّ أن معناها واضح وجلي، غير أنه عند التدقيق فيها تظهر أبعاد كثيرة غير مقولة وغامضة. يتقصّى سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي محبّي أمني، أستاذ البحث الخارجي في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم وعضو مكتب استفتاءات قائد الثورة الشهيد، في هذه المقالة الموسعة والخاطفة، أبعاد الكرامة الإنسانية من منظور الآيات والروايات. وعلى الرغم من أن هذه المقالة لا تلج مباشرة في المباحث الفقهية التفصيلية المحيطة بالكرامة الإنسانية، إلا أنها تُعدّ بمثابة ضبط المفهوم والمصداق لهذا المفهوم المهم في الفقه الإسلامي.
بيان المسألة
تُعدّ مسألة كرامة الإنسان وقيمته موضوعاً طواه النسيان في بعض المجتمعات البشرية؛ إذ يُعامل المستضعفون في مثل هذه المجتمعات معاملة حيوانات التحميل، بل وأدنى من ذلك كآلات وأدوات للاستغلال.
إن الدول الاستعمارية، بغية الوصول إلى مآربها الاستعمارية، لا تتورع عن ممارسة أي ظلم وجور بحق الآخرين. مع أن النعم من قبيل العقل، وحق الحياة، والانتفاع الطبيعي مما سخره الله للإنسان، هي حق مسلم لكل إنسان. ويُشكل هذا التعامل نمطاً من النهج التفريطي تجاه الكرامة الإنسانية الذي وقعت بعض المجتمعات البشرية في حباله.
إن الإفراط والتفريط في مجال قيمة الإنسان وكرامته يوضح ضرورة تبيين الكرامة الحقيقية للإنسان أكثر من أي وقت مضى.
فأصحاب النزعة الإنسانوية (الأومانية) الذين يقرون بقيمة خاصة (إفراطية) للإنسان ويتشدقون دوماً بحقوق الإنسان وكرامته الذاتية، يروجون لفكره مفادها أن الإنسان يمتلك من الشرف ما يمنع إهانته تحت أي ظرف من الظروف، وبطريق أُولى لا يجوز المساس بحياته. ومن هنا قامت دول عديدة في العالم بإلغاء عقوبة الإعدام، كما لا تجيز بأي وجه العقوبات المقترنة بالإهانة، وتكتفي غالباً بالسجن أو دفع الغرامة المالية – مع كمال الاحترام – على أساس أن الإنسان يمتلك شرفاً ذاتياً لا يجوز أن يُخدش منه شيء. وهذا اتجاه إفراطي في تقييم الإنسان. وبطبيعة الحال، لا يخفى أن الله تعالى قد كرّم جميع البشر تكويناً بالنعم التي أسبغها عليهم، ولكن هذا لا يعني أن هذه الكرامة التكوينية تبقَى له إلى الأبد وتستمر في حال ارتكابه أي فعل، أو بعبارة أخرى، أن الكرامة التشريعية ستُحفظ له إلى جانب الكرامة التكوينية تحت كل الظروف. ومن هنا، فإن تبيين مقام الإنسان وقيمته والكرامة التي قائل بها الله للإنسان يحتل مكانة بالغة الأهمية. وقد حاولنا في هذا المقال بعون الله، وفي حدود الاستطاعة، الاستعانة بآيات القرآن والروايات لتبيين الكرامة الإنسانية الأصيلة، وما هي الكرامات التي منحها الله له، ومكانة الإنسان بين مخلوقات الله، لعلنا نرد في حدود الوسع على النهج الخاطئ لكلا الفريقين.
سنبين في هذا المقال أولاً معنى الكرامة، والمراد من الكرامة الإنسانية، وحدودها وثغورها. ثم نطرح في المبحث الثاني الكرامة الذاتية والاكتسابية بوصفهما نوعين من الكرامة يمكن أن يتمتع بهما الإنسان، وفي المبحث الأخير سنخلص إلى الجمع والنتيجة للمطالب المذكورة.
آملين أن نصل من خلال تبيين أنواع الكرامات الإنسانية إلى فهم صحيح لمكانة الإنسان وقيمته في نظام الوجود، مع الإقرار بأن هذه السطور لم تستوعب كل ما لم يُقل في هذا الموضوع، وإنما هي جهد مقل في حدود مقال.
المبحث الأول: دراسة معنى الكرامة
بحسب ما ذكره الفراهيدي والزبيدي في “العين” و”تاج العروس”، فإن «الكرامة» اسم للإكرام يُقام مقامه، مثل الطاعة التي تُقام مقام الإطاعة [١].
ويقول ابن فارس في “معجم مقاييس اللغة” تحت مادة «كرم»:
«أصل صحيح له بابان: شرف في الشيء في نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق. يقال: رجل كريم وفرس كريم ونبات كريم. وكرم السحاب: أتى بالغيث، وأرض مكرمة للنبات إذا كانت جيدة النبات» [٢].
ويقول الراغب الأصفهاني في “المفردات”:
«الكرم إذا وصف الله تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر، نحو قوله: «إن ربي غني كريم»، وإذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، وكل شيء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم، قال تعالى: «وأنبتنا فيها من كل زوج كريم – إنه لقرآن كريم – وقل لهما قولا كريما». والإكرام والتكريم أن يوصل إلى الإنسان إكرام، أي نفع لا يلحقه فيه غضاضة، أو أن يجعل ما يوصل إليه شيئا كريما، أي شريفا» [٣].
يتضح من عبارة الراغب أن صفة الكرم عندما يُوصف بها الله تعالى فهي اسم ينبئ عن إحسان الرب وإنعامه، وعندما يُوصف بها الإنسان فهي اسم ينبئ عن أخلاق الإنسان وسلوكه المحمود. وبشكل عام، فإن كل شيء شريف في نطاق جنسه يُعبر عنه بوصف الكريم. ويقول الراغب بشأن الإكرام والتكريم – وهو موضوع بحثنا –: الإكرام والتكريم هو أن يوصل إلى الإنسان إكرام ونفع لا يلحقه فيه مشقة وحرج، أو أن يكون ما يوصل إليه شيئاً ذا قيمة وشرف.
وفضلاً عن ذلك، يجدر الإشارة إلى الفرق بين الجود والكرم؛ حيث قيل في الفرق بينهما إن الكرم هو إعطاء الشيء عن طيب نفس سواء كان قليلاً أو كثيراً، أما الجود فهو الإعطاء الكثير سواء كان عن طيب نفس أم لا. وقيل أيضاً إن الكرم هو إعطاء الشيء لمن أُريد إكرامه، بينما الجود قد يكون كذلك وقد لا يكون. وقيل إن الجواد هو من يعطي بناءً على السؤال والطلب، بينما الكريم هو من يعطي من غير سؤال. وقد قيل عكس ذلك أيضاً [٤]. ومن كل ما نُقل، يمكن بيان ما يلي كخلاصة ونتيجة:
-
الكرامة اسم للإكرام، وتُستعمل بدلاً منه أحياناً.
-
يتضح من كلام ابن فارس أن هناك نوعين من الكرامة: كرامة ذاتية وكرامة عرضية. الكرامة الذاتية هي أن يكون الشيء في ذاته وبحد نفسه ذا شرف وعظمة: «شرف في الشيء في نفسه»؛ والنوع الثاني كرامة عرضية وهي أن يكتسب الشرف والعظمة بواسطة اتصافه بصفة ما: فالشجرة تثمر لثمرها، والفرس لركوبه، والسحاب لبطول مطره النافع.
-
الجوهر المعنوي للكرامة هو إنعام شخص أو شيء؛ فتارة يكون بإعطاء شيء ذي قيمة كالمطر من السحاب، وتارة كالثمرة من الشجرة، وتارة يكون فضلاً وإعطاءً لشيء للمخلوق من قبل الرب.
-
النقطة الأخرى أن ما يقع متعلقاً للإكرام هو شيء ذو قيمة: «وكل شيء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم».
-
لا يفوتنا أن الكرامة في العرف اللغوي تُضاف تارة إلى الفاعل (الكرامة الإلهية)، وتارة إلى المفعول (الكرامة الإنسانية). والمعنى المبحوث عنه هنا هو المعنى الأخير الذي يفيض من الله على الإنسان.
المبحث الثاني: أنواع الكرامات الإلهية
لا ريب في أن الإنسان قد حظي بالتكريم من قبل خالقه، ولكن ينبغي البحث في شكل هذه الكرامة وكيفيتها. بالاستعانة بآيات القرآن الكريم، يمكن إحصاء نوعين من الكرامة للإنسان.
النوع الأول: الكرامة الذاتية
نستعرض في هذا القسم مصاديق الكرامة الذاتية للإنسان استناداً إلى آيات القرآن؛ وهي الكرامات الإلهية التي يستوي فيها جميع البشر.
خلق الإنسان
«الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ» [٥].
إن أول كرامة أسبغها الله على كل إنسان هي نعمة الحياة. فالإنسان استعار وجوده من الله. ولا شك في أنه في كفة الوجود أو العدم، فإن كل ما يمتلك استعداد الوجود والنمو والكمال يكون وجوده خيراً من عدمه، وقد تعلق لطف الله بمثل هذا الكائن فخلقه. والإنسان كائن يمتلك استعداد النمو والتقدم وطرق مدارج الترقي، ولم يبخل الله عليه بمثل هذا اللطف والكرامة: «رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى» [٦].
خُلق الإنسان في أفضل تركيب وأحسن صورة وحال ممكنة. إن التناسق والنظام الفريد لأعضاء الإنسان وجوارحه، وقامته المنتصبة، وموقع الرأس في البدن، ومواقع العينين والأذنين والفم والأنف وحجم كل منها بما يتناسب مع بدنه، ودقة الأصابع… أمور جليّة لا تحتاج إلى مزيد تبيين. وهذا يدُلّ على الكرامة التي خصّ بها الحق تعالى الإنسان، والتي لا تتمتع بها سائر الحيوانات بهذا الشكل.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم:
«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» [٧].
وقال أيضاً: «خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ» [٨].
وقد أُكد هذا الأمر في آيات كثيرة نتحاشى ذكرها تجنباً للإطالة ولجلائها.
ما هو وجه التمايز بين الإنسان وسائر الكائنات؟ بعبارة أخرى، ما الفرق بين ذات الإنسان وسائر الكائنات حتى غدا محط العنايات الإلهية؟ [٩] ما السر النهين في نهاد الإنسان وذاته الذي قال الله عنه: «خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا»؟ لا جرم أن ثمة جوهرة ثمينة في نهاده. ويبدو أن ما حول هذا الكائن النحاسي إلى ذهب هو الروح التي نُفخت فيه من قبل الله. فالإنسان من حيث جسمانيته لا يمتلك أي فضل أو مزية على الكائنات الأخرى، بل روح الله هي التي جعلته أهلاً لسجود الملائكة، وهذه الروح الإلهية هي التي منحته الكرامة:
«فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ».
وفضلاً عن ذلك، فإن المفسرين حملوا إضافة “الروح” إلى الضمير الراجع إلى الله على عظمة هذا الكائن وشرفه الذي نُفخ في جسده [١٠]:
«الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ» [١١].
وفي الآية التالية أيضاً فُسر المراد من «أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ» بنفخ الروح [١٢]. ويتضح من سياق هذه الآية أن نفخ الروح في جسد الإنسان كان بعد استكمال خلقه الجسماني؛ إذ يقول بعد تمام خلقه: «فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»:
«وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَاٍر مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» [١٣].
لا ريب في أن الإنسان قد فضل على كثير من المخلوقات الأخرى بفضل النعم والكرامات التي تلقاها من الله. إن امتلاكه لقوة العقل، وقدرة الاختيار والإرادة مع كونه كائناً حياً، جعله متميزاً:
«وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» [١٤].
تُعدّ الآية المذكورة أهم آية مبحوثة في مجال الكرامة الإنسانية، وتجيب عن أسئلة مهمة حول الكرامة الإنسانية.
إن ظاهر جملة «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، فضلاً عن أنه لا يدع مجالاً للشك في تكريم الله للإنسان، ينبئ عن كرامته الذاتية أيضاً؛ أي إن الإنسان في حد ذاته، بغض النظر عن كونه أتباع دين معين أم لا، يحظى بهذه الكرامة الإلهية. وقد صدم مفسرونا على هذا الأمر، واعتبروا عموم المشركين والكفار والفساق مشمولين لهذا النوع من الكرامة. يقول العلامة الطباطبائي في تفسير الآية المذكورة:
«الظاهر أن الآية تسوق الكلام مساق الامتنان العام على عموم البشر، مع قطع النظر عن كرامات خاصة إلهية ببعض منهم في القرب والفضيلة الروحية، فالكرامة تشمل عموم المشركين والكفار والفساق» [١٥].
ومن العبارة الختامية للآية، يثار سؤال: هل الإنسان أفضل من جميع الكائنات الأخرى؟ بعبارة أخرى، من المراد بـ «كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» الذين فضل الله الإنسان عليهم؟ ومن هم الآخرون الذين ليسوا جزءاً من هذا “الكثر” في الآية؟ والأهم من ذلك، أي نوع من الكرامة يُعدّ التفضيل على الآخرين؟
طُرحت أقوال متعددة في تفسير الآية حول المراد من «كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا»:
ذهب بعض المفسرين إلى أن “كثير” هنا بمعنى “جميع”. واستدلال القائلين بذلك هو أنه بالنظر إلى آيات الخلق وسجود الملائكة لآدم (عليه السلام) وتليمه علم الأسماء، لا يبقى شك في أن الإنسان أفضل من الملائكة، ويستشهدون كمؤيد بقول المرحوم الطبرسي حيث قال: شايع في القرآن وكلام العرب استعمال هذه الكلمة بمعنى الجميع. يقول الطبرسي إن معنى الجملة هو: «إنا فضلناهم على من خلقناهم وهم كثير»، ويستشهدون كمؤيد بالآية «وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ» [١٦] التي وردت في الشياطين؛ مع أنه من البديهي أن جميع الشياطين كاذبون وليس أغلبيتهم [١٧].
وقال فريق آخر إن المراد بـ “كثير” هو سائر الحيوانات والجن؛ والمراد بـ “غير الكثير” – الذين يقابلون الكثير – هم الملائكة؛ أي إن الملائكة خارجون عن محل الكلام، لأنهم كائنات نورانية وغير مادية ولا يدخلون في هذا النظام الجاري في هذا العالم [١٨]. ولتوضيح هذا البحث، يجدر الإشارة إلى الفرق بين الكرامة والفضيلة، وهو ما يعيننا على إدراك المعنى الحقيقي.
أوفى العلامة الطباطبائي في هذا الصدد – مقارنة بسائر المفسرين – الحقيقة حقها. فيقول:
«التكريم هو إعطاء الشيء ما يختص به ولا يوجد في غيره، والتفضيل هو إعطاؤه ما يشاركه فيه غيره غير أنه يُعطى أكثر مما يُعطى غيره. فالتكريم مفهوم نفسي لا يلحظ فيه غير المكرم، بل إنما يلحظ الشخص المكرم ليشرف ويكرم؛ بخلاف التفضيل الذي يُقصد منه ترجيح الشخص المفضّل على غيره مع اشتراكهما في اصل العطية» [١٩]. ثم يضيف العلامة بعد بيان الفرق بين التكريم والتفضيل:
«إذا اتضح الفرق بين التكريم والتفضيل نقول: إن للإنسان بين سائر الكائنات في العالم خصوصية ليست لغيره، وهي نعمة العقل. ومعنى تفضيل الإنسان على سائر الكائنات هو أنه في غير العقل من سائر الخصوصيات والصفات يفوق غيره أيضاً، وكل كمال يوجد في سائر المخلوقات يتواجد بأعلى حدوده في الإنسان» [٢٠].
«فيتضح أن تفضيل الإنسان على سائر الكائنات كموهبة وكرامة من الله معناه أنه منح الإنسان سَهماً أكبر مما أعطاه لغيره. فإذا كان الحيوان يأكل طعاماً بسيطاً من اللحم أو الفاكهة أو النبات أو غير ذلك، فإن الإنسان الذي يشاركه في هذا الاتجاه يمتلك هذه الإضافة وهي أنه يأخذ المواد الغذائية نفسها ويبتكر لنفسه أنواع الأطعمة المطهوة والخام، فيخترع لنفسه أطعمة متنوعة وفنوناً مختلفة ولذيذة لا تُحصى. وهكذا المشروب والمَلبس وإطفاء الغريزة الجنسية وطريقة اتخاذ السكن والسلوك الاجتماعي في الحيوان والإنسان على هذا القياس» [٢١].
وثمة احتمال أيضاً أن «كَرَّمْنَا» تعتني بالجانب المادي للإنسان؛ كما أن استعمال «فَضَّلْنَا» في مواضع أخرى من القرآن يأتي غالباً بهذا المعنى. وعلى سبيل المثال في الآية ٢٥٣ من سورة البقرة: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ»، وكذلك في الآيات التالية بالمعنى نفسه:
«وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ» [٢٢].
«وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلْنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ» [٢٣].
وحيثما يُفهم المعنى المادي من «فَضَّلَ»، يكون ذلك مقترناً بحرف الجر “في”، كما في الآيتين التاليتين:
«وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ» [٢٤].
«وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِماءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ» [٢٥].
من جملة عنايات الله وكراماته الخاصة للبشر خلق السماوات والأرض. فقد خلقهما الله ليستغل الإنسان طاقة الفكر والعقل في سبيل نموه وتساميه. فالجبال، والسهول، والبحار، كلها خُلقت للإنسان. والشمس مادة استمرار الحياة على الأرض، والقمر سبب ضياء الليالي وجزر وبحر مياه البحار، والرياح سبب تشكل السحب وهطول أمطار الرحمة الإلهية وتلقيح النباتات وتكاثرها. والأيام لكسب معاش الإنسان، والليالي مادة سكنه وراحته.
وتدل آيات القرآن صراحة على أن هذه كلها خُلقت للإنسان: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا». و”ما” الموصولة هنا تدل على أن كل ما على الأرض خُلق لكم.
وجدير بالذكر أن التسخير يأتي بمعنيين: أحدهما أن الكائنات الأخرى في خدمة منافع الإنسان ومصالحه؛ والآخر أن زمام واختيار الأشياء المسخرة بيد البشر [٢٦].
ومن مظاهر تكريم البشر أن الله سخر له البحار وأجرى فيها الفلك ليلتمسوا من فضله بعقولهم ويبتغوا من رزقه الطيب:
«اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا…» [٢٧].
«وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ…» [٢٨].
ويذكّر الله بهذه النعم والكرامات في آيات كثيرة يخرج ذكرها جميعاً عن نطاق هذا المقال. ويقول الله في ختام هذه الآيات: أفلا تعقلون وتتفكرون؟ أي إنه جعل خلق السماوات والأرض آية ودليلاً على وجود الحق؛ وجعل الليل للسكن والنهار لكسب الرزق والمعاش [٢٩]، وخلق من جنس الإنسان أزواجاً ليسكنوا إليها [٣٠]، ونعماً جمة لا تُعد ولا تُحصى [٣١].
من أكبر الكرامات التي منحها الله المنّان للإنسان هو مقام الخلافة والنيابة عنه في الأرض. فالإنسان يمتلك من القيمة والمكانة ما جعل الله يجعله خلیفة له على الأرض.
والإشكال الأول الذي قد يُثار هو أن هذه الخلافة كانت مختصة بآدم (عليه السلام)، وأن البشر من نسله لا يشتركون في هذه الكرامة.
وفي الجواب يُقال: لا ريب في أن مقام خلافة الله لم يكن مقتصراً على شخص آدم (عليه السلام)، بل يشمل جميع أفراد البشر لعدة دلائل:
لو كان هذا المقام مختصاً بآدم (عليه السلام)، لما كان هناك داعٍ لسؤال الملائكة لله: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ لأنه لو كان خاصاً بآدم ينافي عصمته. وعلى فرض أن الملائكة طرحوا هذا السؤال حول آدم، لكان على الله أن يجيب بأن هذا الكائن لن يفسد ولن يسفك الدماء، بينما لم ينفِ الله ذلك عنهم [٣٢].
تصرح آيات أخرى من القرآن بأننا جعلناكم خلائف في الأرض، كالآية ١٦٥ من سورة الأنعام و٣٩ من سورة فاطر:
«وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ».
«هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا».
ويقول العلامة الطباطبائي في هذا الصدد:
«ليست هذه الخلافة مختصة بآدم (ع)، بل يشاركه فيها غيره. وتدل على عمومية هذه الخلافة الآيات من قبيل: «ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ…» [٣٣]» [٣٤].
والسؤال الآخر: ما هو مقام الخلافة الإلهية؟ وعندما يُقال إن الإنسان خليفة الله في الأرض فما المراد؟
في الجواب يُقال إن هذا المقام ليس كرامة تفعلت بدواً منذ ولادة الإنسان، بل المراد هو أن هذا المقام موجود بالقوة في نهاد كل إنسان، ويستطيع المرء بالإيمان والعمل الصالح والجهد في طريق عبودية الله أن ينال هذا المقام.
لم يكتفِ الله بتوفير شروط حياة الإنسان ولم يسخر له فقط «ما في الأرض وما في السماء». فلم يُخلق الإنسان ليبقي أياماً قلائل في هذه الدنيا ويفيد من نعمها في هذه المدة فحسب. يقول النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله):
«ما خلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء، وإنما تنقلون من دار إلى دار» [٣٥].
لا يصدر من الخالق الحكيم أن يخلق خلقاً للفناء. فهذا الخالق الحكيم أسبغ لطفاً آخر بالإضافة إلى خلق الإنسان، حيث وفر له أرضيات الهداية وأسبابها، وأضاء له مصباح الهداية لكي لا يضل في ظلمات الدنيا. بعبارة أخرى، هيأ له ظروف الثبات على الصراط المستقيم وسلوك هذا الطريق.
يُعدّ إرسال الرسل – بشكل تام – من جملة أسباب هداية الإنسان، وهو في الواقع شاهد على أن الإنسان لم يُخلق للأكل والشهوات؛ إذ إن وجود الرسل لهداية البشر ينبئ عن وجود حكمة في خلقه.
١-١. الرسول الباطني (العقل)
من جملة أسباب الهداية وعواملها العقل. وفي لسان الروايات يُذكر العقل بوصفه الرسول والحجة الباطنية. وفي رواية، يقول الإمام الصادق (عليه السلام) مخاطباً هشام بن الحكم:
«يا هشام، إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة؛ فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (ع)؛ وأما الباطنة فالعقول» [٣٦].
العقل كائن اختاره الله، وبالعقل يستطيع الإنسان استخدام النعم الأخرى المسخرة له من سمع وبصر وفؤاد وغيرها في طرقها الصحيحة [٣٧]، ويستطيع بها تمييز الرشد من الغي.
وفي استمرار الرواية المذكورة، يقول الإمام الصادق (عليه السلام):
«إن الله عز وجل خلق العقل، وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره، فقال له: أدبر، فأدبر؛ ثم قال له: أقبل، فأقبل؛ فقال الله تبارك وتعالى: خلقتك خلقاً عظيماً، وكرمتك على جميع خلقي» [٣٨].
هذا الكائن ذو الكرامة وُضع في نهاد أشرف مخلوقات الله (الإنسان)، والذي تجلى مصداقه الأتم في وجود النبي الأكرم (ص) والأئمة المعصومين (ع).
وجاء في حديث عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله):
«استرشدوا العقل ترشدوا، ولا تعصوه فتندموا» [٣٩].
وروي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال:
«العقل رسول الحق» [٤٠].
إن ما جاء من بيانات المعصومين وقادة الدين يوضح بجلاء دور العقل ومكانته في هداية الإنسان. ولكن كيف يكون العقل كرامة للإنسان؟ يقول العلامة الطباطبائي:
«تكريم الإنسان بالعقل الذي لم يُعطَ لأي كائن آخر، والإنسان يميز به الخير من الشر، والنافع من الضار، والحسن من القبيح. والمواهب الأخرى من قبيل النطق والخط وأمثالهما لا تتحقق إلا إذا كان العقل موجوداً» [٤١].
وبالاستعانة بظاهر آيات القرآن يُستفاد أن هذه النعمة موجودة لدى الجميع، ولذلك تُعد كرامة عامة.
فالآيات التي توبخ جميع البشر بخطاب عام لعدم تعقلهم بتعابير مختلفة مثل «أَفَلَا تَعْقِلُونَ»، «أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ»… ونذكر آيتين على سبيل المثال:
«إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ» [٤٢].
«وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ» [٤٣].
والفرق الوحيد بين عقول البشر هو أن قوة العقل لدى الناس فيها شدة وظعف ومستويات تفاوت. والإنسان هو من يستطيع تعزيز القوة العاقلة لديه وتقويتها ليصبح المصداق الأتم:
«إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ… يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» [٤٤].
وحول قيمة هذه الكرامة نكتفي بحديث النبي الأكرم (ص) حيث قال:
«ما قسم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل».
١-٢. الرسول الظاهري (النبوي أو الرسول)
عندما هبط آدم وحواء من الجنة قال الله لهما: «قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» [٤٥]؛ ويرى المفسرون أن المراد بـ «هُدًى» في هذه الآية الأنبياء والرسل [٤٦].
ويذكّر الله بوضوح الإنسان بنعمة الأنبياء: «يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ…» [٤٧].
وبيان القرآن لذلك أكثر صراحة في موضع آخر:
«لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» [٤٨].
لا ريب في أن الآيات المذكورة في مقام بيان النعمة والكرامة الممنوحة لِعباد الله. فعندما أودع الله العقل في الإنسان كان يعلم أن العقل وحدَه لا يكفي كرسول إلى الحق؛ لأنه لا يمتلك إدراك الحقائق غير المادية؛ ومن هنا أرسل الرسل لتسهيل أمر هداية البشر. حجة يشعر بها الناس فيما بينهم ويتخذونه أسوة وقدوة؛ عبداً يكون مصداق العقل الأتم والأكمل: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» [٤٩]. وحيث إن جميع البشر لا يفيدون كاملاً من عقولهم أو يقل استخدامهم لها في تمييز الحق من الباطل، فكانوا بحاجة إلى قائد وأسوة فيما بينهم يقوم بدور المذكّر: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا» [٥٠]. فالأنبياء شهداء في أوساط الأمم في كل عصر، ويحملون عبء التبشير والإنذار: تبشير المؤمنين بالجنة وثواب الرب، وإنذار الكافرين بعذاب جهنم [٥١]. وبوجود الأنبياء لا تبقى للناس حجة ولا عذر عند الرب في أنهم لم يأتهم نذير:
«إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا… رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا» [٥٢].
وقد يُثار سؤال: بناءً على الآية «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» [٥٣]، هل هذه الكرامة خاصة بالمؤمنين ولا تشمل غيرهم، وبالتالي لا يمكن عدها كرامة عامة؟
أجاب المرحوم الطبرسي صاحب “مجمع البيان” عن هذا السؤال بقوله: «هذه الآية تبين أن الله منّ على المؤمنين وبعث فيهم رسولاً من أنفسهم، غير أن النبي (ص) مبعوث لهداية كافة البشر. وسبب تخصيص المؤمنين بالذكر في الآية هو أن المؤمنين ينتفعون أكثر من غيرهم من الله في اتجاه الكمال والنمو» [٥٤].
وفضلاً عن ذلك، تدل آيات أخرى على أن هذه الكرامة عامة ولجميع البشر:
«وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ…» [٥٥]، «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ» [٥٦]، و«وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» [٥٧].
وكان جميع الأنبياء في أوساط الناس، يأكلون الطعام مع الناس وبينهم:
«وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا» [٥٨].
وبشكل خاص، فإن نبيكم (نبي المسلمين) نبي أرحم الراحمين: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» [٥٩]، «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ…» [٦٠].
١-٣. تنزيل الكتاب
يُعدّ تنزيل كتاب هادٍ برفقة الرسول رمزاً من رموز الكرامة الإلهية للإنسان. فقد يسر الله بسلوك طريق الحق بتنزيل الكتاب السماوي: «ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ» [٦١]؛ كتاب يلعب دور المرشد والقائد، كما قال الله مخاطباً نبيه:
«نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ» [٦٢].
كانت هذه الكتب ذات منشأ إلهي، غير أن البشر أنفسهم هم من عمدوا إلى تحريف الكتب لإرضاء الأهواء النفسية وحُرموا من هذه النعمة؛ وإلا فإن الكرامة البشرية في هذا المجال كانت عامة.
تعليم الإنسان
تعلم الإنسان ما لم يعلم من الله. ولكن يا ترى ما هي أسرار العلوم التي كشف الله عنها؟ هذا سؤال أثار حركة أفكار المفسرين والمفكرين وجولانها، ونحن بصدد تقديم الجواب في حدود وسع المقال.
كان الإنسان في بدو ولادته جاهلاً لا يعلم شيئاً، وبمرور الوقت رفع مستوى علمه ومعرفته عبر الحواس الظاهرة والباطنة واستأنس بأرجاء العالم المحيط به:
«وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ» [٦٣].
يحظى الطفل بالكرامة في رحم أمه منذ بداية حياته، وتُوضع تحت تصرفه أدوات كشف حقائق الأشياء بخلق العين والأذن والفم و… وفي الواقع وضع الله أدوات كسب العلم والمعرفة تحت تصرف الإنسان، ولم يودع العلوم وحقائق الأشياء بدواً في نهاد الإنسان؛ وإلا لما كان هناك محفز للنمو والحركة والترقي.
وهنا يجب أن نعرف ما هي الأشياء التي علمها الله للإنسان. ففي الآية ٣١ من سورة البقرة، جعل متعلق تعليم الإنسان «علم الأسماء»:
«وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ…».
وعند مواجهة هذه الآية تُطرح أسئلة عديدة: الأول: هل علم الله الأسماء لآدم (ع) وحدَه وهل كان هو الفائز بهذه الكرامة دون غيره؟ والآخر: ما المراد بالأسماء التي علمها الله لآدم وكان الملائكة يجهلونها؟
في الجواب عن السؤال الأول يُقال إنه كما سلف، وحيث إن مقام خلافة الله ليس محصوراً في شخصية آدم (ع) بل يعم جميع البشر ويوجد بالقوة فيهم ويستطيعون النيل منه بسلوك طريق الكمال، فإن تعليم الأسماء ينبغي ألا يختص بآدم (ع). ولتوضيح المطلب ينبغي الجواب عن السؤال الثاني حول حقيقة الأسماء التي تشمل غيره من البشر في هذه الكرامة.
طُرحت نظريات متعددة حول حقيقة الأسماء. وأورد صاحب “مجمع البيان” أقوالاً مختلفة حول حقيقة هذه الأسماء:
«منها أن الله علّم الإنسان كل ما يتعلق بعمارة الدين والدنيا من أسماء الصناعات والمعادن والأرض والأشجار وأنواع الأغذية والمأكولات و… وقيل هي ألقاب الأشياء وأسماؤها ومعانيها وخواصها» [٦٤].
ولكن يبدو أن حقيقة الأسماء لا يمكن أن تكون مجرد مجموعة من الألفاظ واللغات؛ لأن مجرد معرفة هذه الألفاظ لا يوجب الفضل على الملائكة. ولآية الله الطالقاني بيان جليل في علة ذلك، حيث يقول:
«إن اتساع هذه الألفاظ والكلمات من حيث التنوع يبلغ حداً لا يسهل معه تعليمها لآدم أو لنوع آدم؛ ومن جهة أخرى، فإن تعليم الألفاظ واللغات لشخص يجب أن يتم بلغة ولفظ آخر، وهذا يجر إلى تسلسل لا نهاية له. ومن هنا، فإن المقصود بالأسماء يجب أن يكون المعنى العام والحقيقي الذي ينبئ عن المسمى. فكل ما يُظهر الكائن ويُعرف به فهو اسمه حتى وإن كان هو نفسه ذا اسم؛ ولا يمكن معرفة أي كائن إلا عن طريق اسمه ورسمه وصفاته الخاصة. فهذا وجود الإنسان وحواسه وإدراكاته هي التي تخرج كل مصنوعات الخلق من حجاب الخفاء والغفلة. فهذه القوى المدركة والحاسة والعاقلة هي حقيقة تعليم الأسماء التي تتقدم تدريجياً من الحواس الظاهرة نحو العقل وبالأفكار والتجارب العامة للبشرية دوماً. وهاتان القوتان التعليمية والفطرة الباحثة عندما تجتمعان مع قدرة الاختيار والتصرف في ظاهرة الإنسان، تصبحان صاحبتي مقام الخلافة» [٦٥].
فلو لم يبرز مثل هذا الكائن المدرك في العالم، لظلت جميع المخلوقات تحت حجاب الغفلة والنسيان، ولما كان للعالم جلال وجمال، ولما أثمر أي مخلوق ولما ظهر فضل بعضها على بعض.
ولو أدركنا حقيقة الأسماء بالمعنى المذكور، لانتفى اختصاص تعليم هذه الأسماء بآدم (ع) وشمل غيره من الأفراد. ومن هنا قرن الله خلق الأذن والعين والفم فور ذكر جهل الإنسان عند الولادة:
«وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ» [٦٦].
ويمكن ملخص رأي العلامة الطباطبائي في هذا الصدد كما يلي:
-
ليس المراد بحقيقة الأسماء الألفاظ والكلمات، بل حقيقة الأسماء هي حقائق وكائنات خارجية؛ كائنات كانت نهينة وراء حجاب الغيب، أي غيب السماوات والأرض، والعلم بتلك الكائنات الغيبية على ما هي عليه كان ممكناً للكائن الأرضي دون الملائكة السماويين من جهة، وكان لذلك العلم مدخلية في الخلافة الإلهية من جهة أخرى.
-
كل اسم من تلك الأسماء، أي المسمى بتلك الأسماء، كانت كائنات ذات حياة وعلم، وفي عين اتصافها بالعلم والحياة كانت قائمة خلف حجاب الغيب. والمؤيد لذلك كلمة «عَرَضَهُمْ» حيث عرضهم على الملائكة، مما يدل على أن الله كلما أنزل اسماً كان ببركتهم وخيرهم، وكل ما في السماوات والأرض مشتق من نورهم وبهائهم [٦٧].
وفي رواية عن الإمام الصادق (ع) في كتاب “معاني الأخبار” أنه قال:
«إن الله تعالى علم آدم أسماء حججه كلهم، ثم عرضهم وهم أرواح على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين بأنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم. فقال الملائكة: «سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ». فقال الله تعالى لآدم: يا آدم «أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ»، فلما أنبأهم بأسماء حجج الله وقف الملائكة على عظيم منزلتهم عند الله وعلموا أنهم أحق بالخلافة في الأرض وأنهم الحجج على خلقه، ثم غيبهم عن أبصار الملائكة واستعبدهم بولايتهم ومحبتهم وقال لهم: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ»» [٦٨].
فكل خير وبركة وُضعت في هذا العالم كان بسبب وجودهم، حتى الكرامات التي فاضت من الله على الإنسان كانت ببركة هؤلاء الحجج. فالإنسان يصيب كرامات لا يحظى بها الملائكة بسبب وجود أفراد كهؤلاء بين البشر، وتلك الكرامات هي إدراك حقائق الوجود بالمدركات الحسية والعقلية لوجود هؤلاء الحجج [٦٩].
النوع الثاني: الكرامة الاكتسابية
يختلف هذا النوع من الكرامة عن الكرامة الذاتية للإنسان؛ فالنوع الأخير كرامة يتمتع بها الجميع ولا يمكن أن تكون ملاكاً لتقييم أفراد البشر. ومن هنا فإن ملاك تفاوت درجات البشر عن بعضهم البعض، وبعبارة أخرى ملاك القرب والبعد عن الذات الإلهية المقدسة والذي يستتبع التفاوت في مستوى الفوز بالكرامات الإلهية، ينبغي أن يكون اختيارياً تماماً ليحصل عليه البشر بسعيهم وجدهم. وحيث إن القرآن الكريم يقول: «إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى»، فإن الكرامات التي يكتسبها الناس تتفاوت أيضاً.
الكرامة الاكتسابية، ملاك التفاوت والتفاضل بين البشر
يعود تفاوت البشر في نيل الكرامة الإلهية إلى مستوى قربهم من الله، وذلك يرتبط بمستوى طاعتهم لربهم. وفي المرحلة الأولى، فإن معيار الكرامة الإلهية هو الإسلام؛ فالذين وجدوا طريق الحق واستسلموا لله يحظون بكرامات إلهية أكبر ممن ضلوا الطريق. فمعيار التكريم الإلهي ليس جنساً خاصاً ولا عرقاً معيناً، ولا المال والثرة والقصور والخدم وما شابه ذلك، ولا القبح والجمال؛ لأن هذه الأمور المادية زائلة وفانية ولا يمكن أن تكون معياراً لسنج الأفراد عند الله. بعبارة أخرى، هذه أمور ظاهرة في البشر، بينما ينصب تأكيد الإسلام وإشيرته على الصفات الذاتية والباطنية للإنسان التي تُعد معيار قيمة الأفراد عند الله.
إن الكرامة الاكتسابية هي التي تحدث فجوة ملحوظة بين البشر. فهناك فئة تصل في ظل الإيمان والعمل الصالح والتقوى الإلهية إلى الكمالات الإنسانية بحيث يصدق عليها «فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى» ويجعل الله لها أجراً كريماً؛ وفي المقابل، هناك فئة تولي ظهرها للقيم الإنسانية وتنتهج الظلم والجور فيصدق عليها «أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ» ويُقال في شأنها: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ»، أي ذق فإنك أنت العزيز الكريم المزيف الذي اكتسبت لنفسك كرامة فارغة بالظلم والعدوان!
التقوى، معيار الكرامة الاكتسابية
حيث إن التقوى صفة باطنية، ومن الصفات التي يكثر مدعوها ويقل متصفوها، فلا يحظى بها كل أحد. فهذه الجوهرة الثمينة يمكن وجدانها في نهاد كل رجل وامرأة وكل أسود وأبيض ولا تقتصر على ناس مخصوصين. إن المعيار الحقيقي لتقييم البشر هو مستوى تقواهم، وشدتها وضعفها يحددان مستوى الاستفادة من الكرامات الإلهية الاكتسابية.
يرى الإمام الخميني أن ملاك العظمة والكرامة عند الله تعالى ليس عرقاً أو قوماً خاصاً، بل مستوى التقوى الإلهية. ويقول في ضمن بيانه:
«إن الإسلام يقول بصراحة إن من يمتلك الكرامة عند الله هو الإنسان المتقي. الإنسان الذي يستقيم سلوكه، وتكون لديه تقوى، ولا يكون فاسداً ولا مفسداً، والإسلام ينظر إلى الجميع من عرب وعجم وكرد وتركي بنظرة سواء» [٧٠].
ويؤكد في موضع آخر على هذه النقطة قائلاً:
«إن الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى الطبقات أن هذه طبقة عليا، أو رئيس وزراء، أو جلالة الملك، أو قائد، وما شابه ذلك. هذه لا قيمة لها عند الله تبارك وتعالى. المطروح في الإسلام هو التقوى. من يمتلك تقوى، فمن زادت تقواه زادت كرامته عند الله» [٧١].
وتأتي تصريحاته انسجاماً مع الآية الكريمة:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [٧٢].
تخاطب هذه الآية – على عكس الآيات السابقة التي كان الخطاب فيها للمؤمنين وتحذرهم من الرذائل الأخلاقية – كافة الناس بضرورة عدم اعتبار المعايير الزائفة لتقييم الإنسان مثل الذكورة والأنثوية أو الانتماء لقَبيلة معينة أو البياض والسواد. إن المعيار والمقياس هو تقواكم التي تُوزن عند الله. وفي الواقع تُبطل هذه الآية كافة التمييزات الاجتماعية الزائفة السائدة في المجتمعات البشرية والتي ضاق بها المستضعفون ذرعاً.
المبحث الثالث: وضع المجتمعات البشرية تجاه الكرامة الإنسانية
أما المسألة المطروحة حالياً في بعض المجتمعات الدولية فهي النهج الإفراطي والتفريطي في كرامة أحد الجنسين البشريين؛ حيث يُعطى الرجل في بعض المجتمعات أكثر من المرأة، وتُعطى المرأة في مجتمعات أخرى أكثر من الرجل، وتُهدر حقوق أحدهما أو تُتجاهل. وفي هذا الصدد يوضح الإمام الخميني موقفه وموقف الإسلام من هذه المناهج في رسالته السنوية لمسيحيي العالم قائلاً:
«إن القوى الظالمة في العالم، ولا سيما في القرن الأخير، أصرت على إقصاء المعنوية والقيم الإنسانية السامية من حياة المجتمعات البشرية، ونجم عن ذلك تفشي المفاسد الأخلاقية والإدمان والتحلل ودمار أركان الأسرة، ونمو الاستغلال وزيادة الفجوة بين الشعوب الفقيرة والغنية، والابتعاد المتزايد عن العدالة الاجتماعية والاستخفاف بكرامة الإنسان وإنتاج الأسلحة الفتاكة وزيادة المجازر الجماعية. وقد غدا العلم كالإنسان ضحية لإقصاء المعنوية والاستخفاف بالقيم الدينية» [٧٣].
وفي موضع آخر يصور حالة حقوق الإنسان في الدول الاستعمارية كما يلي:
«إن النظام الأمريكي يتوهم أنه صاحب الخيار في العالم وأن ولاية العالم تعود إليه! إن هؤلاء لا يقيمون وزناً للشعوب، ولا لشعبهم أنفسهم. ولو حلل المحلل تحليلاً صحيحاً لتبين أن هؤلاء لا يقيمون أي قيمة للنفوس البشرية. فاسم حقوق الإنسان عندهم دكان وسلاح. فحيثما اختلفوا مع دولة وأرادوا حربها والضغط عليها يرفعون علم حقوق الإنسان. بينما هناك دول وحكومات كثيرة في العالم لا تقر بأي حقوق للإنسان وتعيش وتنفس تحت ظلال النظام الأمريكي دون أن يعترضها أحد هل ثمة شيء اسمه حقوق إنسان في بلادكم أم لا… وحيثما كانت هناك شعوب ودول تخالفهم يضغطون عليها ويكيلون لها أشكال التهم… فالشيء غير المطروح هو حقوق الإنسان، والشيء غير المطروح هو كرامة الإنسان» [٧٤].
وهذا النهج التمييزي بين الرجل والمرأة حائم في مثل هذه المجتمعات أيضاً. فالمرأة لا تحظى بأي كرامة في هذه المجتمعات ويُنظر إليها كأداة ووسيلة فحسب.
وقد جاء بيان الإمام حول كيفية تعامل الأمم الاستعمارية مع المرأة بمناسبة يوم المرأة كما يلي:
«نحن نريد للمرأة أن تبقَى في مقامها الإنساني السامي ولا تكون ألعوبة بأيدي الرجال وأيدي الأراذل… لقد انحطوا بالمرأة في هذه الأعصار الأخيرة… انحطوا بفتياتنا وخانوا أمتنا وجعلوا فتياتنا ألعوبة وكالدمى. كانت فتياتنا محاربات وأرادوا لهن أن يكن عاراً ولم يرد الله ذلك. لقد أهانوا مقام المرأة وأرادوا أن يداولوها كشيء ومتاع من يد إلى يد» [٧٥].
موقف الإسلام تجاه هذا النهج التمييزي
ينظر الإسلام الذي ينادي بنجاة البشرية بنظرة متساوية للجميع ولا يقر بأي تمييز بين أي قوم وعرق وبين أي رجل وامرأة. فالإنسان باعتبار إنسانيته يحظى بحقوق أولية يجب مراعاتها تماماً وتحت أي ظرف. وحيث إن طينة الإنسان وخلق الرجل والمرأة كانا من نفس واحدة، فلا يوجد أي تفاوت في الاستفادة من الكرامات الإلهية – وهي الكرامة الذاتية – بين الجنسين؛ وإن اختلفا في بعض التكاليف والحقوق بسبب جنسيتهما، غير أنهما متساويان في الوظائف المترتبة تجاه المعبود وأبناء الجنس ولا فرق بينهما وبين الرجال؛ لأن كلاً منهما مسؤول أمام الله ويجب أن يحاسب على أعماله:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [٧٦].
ويتصرح المرحوم الإمام بتمتع النساء بالكرامة الإنسانية كالرجال قائلاً:
«لقد خلقكم الله بالكرامة وخلقكم أحراراً. فالنساء يمتلكن مقام الكرامة والإرادة تماماً كما يمتلك الرجال الإرادة» [٧٧].
المبحث الرابع: حصيلة البحث
أدركنا أن الكرامات الإلهية تتناول جميع الموارد المذكورة، وربما لو وسعنا دائرة التكريم الإلهي لشملت كل نعم الله المسبغة على الإنسان. ونعرض في هذا القسم لبعض الموضوعات المهمة التي يمكن اتخاذها كنتيجة لهذا المقال.
أنواع الكرامات الإلهية
من خلال المراجعة العامة للكرامات التي منحها الله للإنسان والمشار إليها في القرآن، يبدو أنه يمكن إدراج هذه الكرامات في نوعين: التكريم العام والتكريم الخاص.
النوع الأول من هذه العنايات والكرامات عام ويشمل جميع البشر من رجال ونساء ومؤمنين وكفار… وهو ما يعبر عن صفة الرحمانية لله تعالى. وكما جاء في تفسير صفة “الرحمن”، فإن الرحمن يقابل الرحيم، وهو نوع من الكرامة الإلهية التي تعم كافة البشر [٧٨]. ومن هذه الكرامات: حق الحياة، وخلق الإنسان، وقدرة الإرادة والاختيار، وقدرة التعقل والتفكير، وتسخير الكائنات الأخرى للإنسان، وتوفير أسباب هداية الإنسان كإرسال الرسول الظاهري والباطني.
والنوع الآخر من الكرامات الإلهية للبشر خاص، ويختص فقط بالبشر الذين وجدوا طريق الحقيقة وآمنوا بالله. وقد أسبغ الله على هذه الفئة من البشر رحمة خاصة يُحرم منها غير المؤمنين. ويُعبر عن هذا النوع من الكرامة والرحمة في لسان القرآن والتفاسير بالرحمة الخاصة. وقال المفسرون في معنى “الرحيم” إنه نوع من الرحمة الخاصة للرب تشمل المؤمنين فحسب: «وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا» [٧٩]، وقال تعالى أيضاً: «إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ» [٨٠] [٨١].
[١]. يُراجع: خليل الفراهيدي، كتاب العين، ج ٥، ص ٣٦٨. ويُراجع أيضاً: الزبيدي، تاج العروس، ج ٩، ص ٤١، تحت المادة.
[٢]. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، ١٤٢٠هـ، ج ٢، ص ٤٤٠.
[٣]. الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، دفتر نشر الكتاب، ١٤٠٤هـ، ص ٤٢٩.
[٤]. أبو هلال العسكري، معجم الفروق اللغوية، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٢هـ، ص ١٧٠.
[٥]. الرحمن: ١-٣.
[٦]. طه: ٥٠.
[٧]. التين: ٤.
[٨]. التغابن: ٣.
[٩]. الحجر: ٢٩.
[١٠]. محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، ١٤٠٢هـ، ج ١٢، ص ١٥٥.
[١١]. السجدة: ٧-٨.
[١٢]. المصدر نفسه، ص ١٥٤.
[١٣]. المؤمنون: ١٢-١٤.
[١٤]. الإسراء: ٧٠.
[١٥]. المصدر نفسه، ج ١٣، ص ١٥٦.
[١٦]. الشعراء: ٢٢٣.
[١٧]. تفسير نمونه (تفسير الأمثل)، تحت الآية.
[١٨]. الميزان، ج ١٣، ص ٢١٧.
[١٩]. المصدر نفسه، ص ٢١٤.
[٢٠]. المصدر نفسه، ص ٢١٥.
[٢١]. المصدر نفسه، ص ٢١٧.
[٢٢]. الأنعام: ٨٦.
[٢٣]. النمل: ١٥.
[٢٤]. النحل: ٧١.
[٢٥]. الرعد: ٤.
[٢٦]. تفسير نمونه (تفسير الأمثل)، ج ١٠، ص ٣٥٦.
[٢٧]. الجاثية: ١٢-١٣.
[٢٨]. الإسراء: ٧٠.
[٢٩]. القصص: ٧٣.
[٣٠]. الروم: ٢١.
[٣١]. آيات إضافية في هذا المجال: «وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ» (إبراهيم: ٣٢)؛ «وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا» (النحل: ١٤).
[٣٢]. عبد الله نصري، مبانی انسانشناسی در قرآن (مبادئ الأنثروبولوجيا في القرآن)، مؤسسة دانش و انديشه معاصر الثقافية، ١٤٢١هـ (١٣٧٩ش)، الطبعة الثالثة، ص ٤٥٣.
[٣٣]. يونس: ١٤.
[٣٤]. الميزان في تفسير القرآن.
[٣٥]. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٦، ص ٢٤٩.
[٣٦]. الكافي، ج ١، ص ١٦.
[٣٧]. إشارة إلى الآية «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ» (المؤمنون: ٧٨).
[٣٨]. يُراجع: الكليني، أصول الكافي، تحقيق علي أكبر الغفاري، تهران، دار الكتب الإسلامية، ج ١، ص ٢١، ح ١٤.
[٣٩]. بحار الأنوار، ج ١، ص ٩٦.
[٤٠]. محمدي الريشهري، ميزان الحكمة، ج ٣، ص ٢٠٣٣ [نقلاً عن غرر الحكم].
[٤١]. الميزان، ج ١٣، ص ٢١٧.
[٤٢]. الأنفال: ٢٢.
[٤٣]. القصص: ٦٠.
[٤٤]. آل عمران: ١٩٠-١٩١.
[٤٥]. البقرة: ٣٨.
[٤٦]. يُراجع: الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤١٥هـ (طبعة ١٠ مجلدات)، ج ١، ص ١٧٧؛ ونحوه في الميزان، ج ١، ص ١٣٧.
[٤٧]. المائدة: ٢٠.
[٤٨]. آل عمران: ١٦٤.
[٤٩]. الأحزاب: ٢١.
[٥٠]. الأحزاب: ٤٥.
[٥١]. الميزان، ج ٦، ص ٣٢٨.
[٥٢]. النساء: ١٦٣-١٦٥.
[٥٣]. آل عمران: ١٦٤.
[٥٤]. مجمع البيان، ج ١، ص ٤٣٥.
[٥٥]. النحل: ٣٦.
[٥٦]. يونس: ٤٧.
[٥٧]. الإسراء: ١٥.
[٥٨]. الفرقان: ٢٠.
[٥٩]. الأنبياء: ١٠٧.
[٦٠]. التوبة: ١٢٨.
[٦١]. عبس: ٢٠.
[٦٢]. آل عمران: ٣-٤.
[٦٣]. النحل: ٧٨.
[٦٤]. نقل أقوالاً أخرى أيضاً، يُراجع: مجمع البيان، ج ١، ص ١٥٢.
[٦٥]. آية الله الطالقاني، تفسیر پرتوی از قرآن (تفسير قبس من القرآن): ج ١، ص ١١٧ و ١١٨ (تحت الآية ٣١ من سورة البقرة).
[٦٦]. النحل: ٧٨.
[٦٧]. الميزان، ج ١، ص ١١٦-١١٨.
[٦٨]. البقرة: ٣٣.
[٦٩]. لمزيد من الدراسة يُراجع: آلاء الرحمن في تفسير القرآن، الشيخ محمد جواد البلاغي، قم، مكتبة الوجداني، الطبعة الثانية، د.ت، ص ٨٤.
[٧٠]. صحيفه نور، ج ١٠، ص ١٩٧.
[٧١]. المصدر نفسه، ج ٥، ص ٢٣٣.
[٧٢]. الحجرات: ١٣.
[٧٣]. المصدر نفسه، ج ٢٨، ص ٦٤٢، نداء إلى مسيحيي ومسلمي العالم بمناسبة ذكرى ميلاد السيد المسيح (ع)، تاريخ الخطاب: ٢١ جمادى الثانية ١٤١٢هـ (١٣٧٠/١٠/٧ش).
[٧٤]. خطاب في لقاء الفضلاء والطلاب وشرائح الشعب في قم بمناسبة انتفاضة ١٩ دي، ص ٧٣٠، تاريخ الخطاب: ٤ رجب ١٤١٢هـ (١٣٧٠/١٠/١٩ش).
[٧٥]. المصدر نفسه، ج ١١، ص ٢٥٣.
[٧٦]. الحجرات: ١٣.
[٧٧]. جایگاه زن در اندیشه امام خمینی (موقع المرأة في فكر الإمام الخميني)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الثامنة، ص ١٠٣ [كلمة الإمام في جمع نساء قم، بتاريخ: ٧ ربيع الثاني ١٣٩٩هـ (١٣٥٧/١٢/١٥ش)].
[٧٨]. الميزان، ج ١٣، ص ١٨.
[٧٩]. الأحزاب: ٤٣.
[٨٠]. التوبة: ١١٧.
[٨١]. الميزان، ج ١٣، ص ١٩.
