مقتطف: قليلون هم المفكرون في العالم الإسلامي وإيران الذين نستطيع إيجادهم ممن فكروا في موضوع الكرامة الإنسانية بشكل بنيوي مثل شريعتي.
أفاد موقع “الفقه المعاصر” نقلاً عن وكالة مهر للأنباء، أن السيد جواد ميري، عضو الهيئة التدريسية بمعهد العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية، قال بخصوص الكرامة الإنسانية من منظور علم الاجتماع: إن إحدى الطرق النافعة جداً في الحوارات العلمية والنظرية هي أنه عندما نتحدث عن موضوع ما، أن نحدد أبعاده لنرى ما هي معانيه واستخداماته وتاريخه. وعلى سبيل المثال، لنرى هل كان هذا المفهوم موجوداً وله سابقة دائماً في الحوارات النظرية وفي السير والتطور الفلسفي على مدى تاريخ التأملات النظرية للمجتمعات المختلفة أم لا؟
وأضاف: على سبيل المثال، عندما نتحدث عن موضوع الكرامة الإنسانية، يجب أن نرى ما هي المكانة التي احتلتها الكرامة في الفكر الإيراني؟ وما هي المكانة التي احتلتها الكرامة في الفكر النظري لفلاسفة وحكماء العالم الإسلامي؟ أو على سبيل المثال في الفلسفة الغربية، كيف فسر مفكروهم مفهوم الكرامة الإنسانية؟ وفي رؤية فلاسفة وحكماء الصين والهند، عندما يجري الحديث عن الإنسان، أي مكانة يقرون بها له؟ هل يعتقدون أن الإنسان نسيج وحده ومستقل عن الطبيعة أم لا؟! أو على سبيل المثال في فكر اليابانيين، عندما يتحدثون عن الإنسان، يعتبرونه كائناً ليس على الطبيعة ولا خارجاً عنها، بل بين الأرض والسماء، والإنسان كائن كلما اقترب من طبيعته أو كلما تفتح وازدهر في طبيعته، تزدهر وتثمر إنسانيته أيضاً، لا أنه يسحب نفسه من الطبيعة أو يصاب بالاغتراب عنها.
وأضاف: في الفكر الحديث، ينشأ مسار فكري عندما يتحدث عن الإنسان ويُريد حساب قدر وحدود إنسانية الإنسان، فيقول: كلما زادت قدرته واستطاعته لتسخير الطبيعة، كان ذلك الإنسان أكثر قوة وتفتقت إنسانيته أكثر. وهذا النوع من الرؤية للإنسانية يقع في تقابل مع نوع الرؤية الشينتوية للإنسان؛ إذ إن الشرايين الحكمية والإنسانية الأخرى عندما تريد الحديث عن الإنسان لا تعتبره كائناً خارجاً عن الطبيعة.
وصرح هذا المحقق والمؤلف في بلادنا: يجب أن نعرف في التراث العبراني والمسيحي عندما ينظرون إلى الإنسان، كيف يفسرونه؟ يعتبرون الإنسان كائناً مخلوقاً لله. وفي القرآن أيضاً عندما يتحدثون عن الإنسان، يعتبره خليفة ونائباً لله. يعتبر الإنسان كائناً يصوغ المفاهيم داخل نظام الخلق الذي حدد الله حدوده وثغوره. وقال: إن أحد المباحث الجديدة المطروحة في مجال الفكر والحكمة والفكر النقدي هو أنه عندما نتحدث عن كرامة الإنسان، يبدو أن شيئاً قد حدث تحت مظلة الأفكار الإنسانية؛ لأنه بعد عصر التنوير يتشكل تدريجياً مفهوم يُسمى حقوق الإنسان. وقبل ذلك في التراث الفلسفي المسيحي، والإسلامي، والعبراني، وغيرها، كان يُطرح مفهوم الطبيعة الإنسانية، وهو مفهوم كان يقر بذاته بحقوق للبشر.
وتابع ميري: تدريجياً بعد عصر التنوير، يُفسر هذا المفهوم في أبعاد أكثر اتساعاً، ويقال إن هذه حقوق طبيعية. وكيف ينبغي فهم ذلك في المجتمع الإنساني؛ أي إنه يقع في مواجهة مفهوم مبين آخر يُسمى السيادة. فعندما نتحدث عن حقوق الإنسان أو نتحدث عن الكرامة الإنسانية بوصفها أحد أبعاد هذه الحقوق، لا نريد اعتبار ذلك في الفراغ، بل نريد تفسيره في سياق المجتمع الإنساني وداخل مفهوم الدولة-الأمة، وتحديداً في مواجهة السلطة اللانهائية للسيادة. وفي إجابته عن السؤال: كيف ينبغي تفسير ذلك، وهل للإنسان في حد ذاته حقوق أم لا، صرح ميري: إن هذه النقاشات تُطرح بنوع ما في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتخلق بحثاً جديداً في الفلسفة الحديثة. وعلى سبيل المثال عندما نتحدث في إيران عن هذا المفهوم، يجب أن نرى هل طُرحت هذه النقاشات في فكرنا الفلسفي والحكمي في سياق الفلسفة السياسية أم لا؟ وعندما ننظر إلى العالم الإسلامي نجد أن هذه النقاشات ليست غريبة، وقد دخل مفكرو إيران والعالم في هذه النقاشات حيث تقف الكنيسة عاجزة في هذا الصدد عن العلاقة بين مفهوم حديث يُسمى الأمة وحقوق المواطنة والإنسان ككائن ليس ملكوتياً فحسب بل إن الإنسان وُضع في إطار وحدة سياسية تُسمى الدولة-الأمة.
وتابع: النقطة الأخرى هي: أساساً في المجتمع الذي نعيش فيه، إلى أي اتجاه يسير سياقه وتوجهه؟ هل يسير الإنسان في هذا الاتجاه نحو التشيؤ أم بالعكس نحو الحرية من ذلك التشيؤ لكي تتفتح شخصيته وفطرته الإنسانية؟
ومبيناً أن المقصود بالمجتمع ليس فقط المجتمع السياسي بل الأعم منه، تصرح عضو الهيئة التدريسية بمعهد العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية: هل يذهب الأفراد في مثل هذا المجتمع نحو التشيؤ ويفرغون من الشخصية أم إن هذه الأشياء تذهب نحو الأفراد؟ أي عندما يولد طفل، فعندما يقع في دائرة علاقات ذلك المجتمع، هل يدفعه نظام التعليم والتربية، والنظام السياسي، والثقافي، والديني، والفقهي ومجموع هذه الأنظمة والعلاقات والمقررات نحو تقليل اغترابه عن ذاته وتفتحه أم نحو العكس؟ وإذا أردنا نقد النظام الإسلامي لمعرفة ما إذا كان قد استطاع في سير تطوراته إيجاد فضاء تُحفظ فيه الكرامة الإنسانية، فيجب أن نطرح هذا السؤال: إلى أي مدى استطاع إبعاد الإنسان عن التشيؤ والاغتراب عن الذات؟
عصر التكنولوجيا يفرغ علاقات الإنسان أساساً من الإنسانية، والأنظمة المطلوبة هي التي توجد بوعي ظروفاً يتفتح فيها البشر تدريجياً. وإذا أردنا النظر من هذا المنظور، فإن النظام الذي يمكن اعتباره نظاماً مطلوباً في القرن الحادي والعشرين هو النظام الذي يتوفر فيه الوعي الذاتي، ويحقنه عبر وسائل الإعلام والأنظمة التعليمية والتربوية في جسد المجتمع، وينقذ الإنسان من الانمساخ، وعند حدوث الانمساخ يمنح البشر تلقائياً القدرة على تغيير أنفسهم عبر العصيان. وإذا سلب نظامٌ ما هذه القدرةَ من الإنسان، فهو ليس نظاماً مطلوباً ولا معقولاً، ولا تقترب روحه من الحاكمية الدينية.
وصرح ميري في الختام: الحاكمية الدينية بنحو تغلب فيه الحكمة، وهذه الحكمة جارة ومقيمة في دار واحدة مع الإرادة والحرية. إن الحاكمية الدينية في موقع الحكم تنبع من ركائز الحكمة الدينية، وقد تجلت الحرية من الله في الإنسان وخلق البشر بنحو يصممون فيه علاقات في المجتمع يتمكن معها البشر الآخرون أيضاً من نيل حظ وافر من حريتهم وقدرتهم على الاختيار والاستفادة من قدراتهم الباطنية. ومن هذا المنظور، تُعد الكرامة الإنسانية إحدى الأبحاث النقدية والمفتاحية جداً التي ينبغي لنا التدقيق والدراسة الأكثر حولها، ويجب فحصها في سياق المجتمع السياسي والثقافي والاجتماعي.
وقال: من هذا المنظور يُلاحظ أن فقهاءنا وحكماءنا ومفكرينا قد تخلفوا كثيراً عن الأبحاث الجديدة والمعاصرة، ولكن إذا نظرنا من المنظور التاريخي، فنحن نجد سلسلة من الأبحاث والمفاهيم المطروحة في التراث العبراني والمسيحي والإسلامي والإيراني والصيني والهندي والتي تمتلك ركيزة واحدة.
وأشار هذا الأستاذ الجامعي إلى أننا نستطيع العثور في كافة التقاليد والتراث على نقاط مشتركة تمتلك تشابهات بنيوية تقريباً في نوع رؤيتها للإنسان وحقوقه، وقال: إن التغير والتحول البنيوي قد بدأ منذ انطلاق العصر الحديث والذي نطلق عليه عصر ما بعد التنوير، وهنا تصبح الفواصل ملموسة إلى حد ما. ومن هنا، فحتى في إيران وفي عهد الجمهورية الإسلامية، واجهت العديد من المسائل والرؤى حول كيفية تعريف الكرامة الإنسانية تحديات بنيوية؛ وعلى سبيل المثال ما هو معنى الكرامة الإنسانية بوصفها حقوق مواطنة داخل نظام الجمهورية الإسلامية أو ولایت الفقيه؟ وهل تستطيع هذه الكرامة الإنسانية استيعاب البعد المواطني؟
وأضاف: على سبيل المثال، إذا حدث نزاع بين السلطة والمواطن، فكيف ينبغي تعريف حدود تعامل السلطة والمواطن؟ وكيف ينبغي للنظام الحقوقي تعريف الخلافات والتباينات بالرؤية والمرجعية إلى مفهوم الكرامة الإنسانية؟ وإذا كان لشخص ما من المنظور الإنساني والفكري وجهة نظر ذات دواعي دينية وسياسية واجتماعية وثقافية، فهل يحق لهذا الفرد أن يحظى بوظيفة وهل يحق له مع تفاوت فكره أن يتمتع بحقوق وأن يستطيع حفظ كرامته الإنسانية في القرن الحادي والعشرين أم لا؟!
ومبيناً أنه باستثناء الدكتور علي شريعتي يقل أن نجد مفكراً من العالم الإسلامي أو إيران فكر في هذه الموضوعات بشكل بنيوي، قال: يعتقد شريعتي أنه لكي نتحدث عن الإنسان أو عن النظام الفكري، توجد في العالم المعاصر ثلاثة شرايين فلسفية وفكرية قوية جداً وبنيوية استطاعت كل منها إقامة أنظمة سياسية على الساحة العالمية؛ أحدها التيار الفكري للرأسمالية واللبرالية. والآخر التيار الفكري للاشتراكية بشرايينها الفكرية المختلفة. والثالث التيار الفكري الوجودي (الوجودية)، وبطبيعة الحال إذا نظرنا بدقة أكثر فقد أضيفت تيار فكرية أخرى لهذه الموارد، غير أن التي استطاعت تشكيل نظام حقوقي وفكري كانت أساساً هذه الموارد القليلة المشار إليها أعلاه، وإلى جانب هذه الموارد يوجد نظام آخر يُسمى النظام الإسلامي.
وواصل ميري حديثه بالإشارة إلى أفكار شريعتي حول الكرامة الإنسانية وأضاف: يحدد شريعتي للإنسان مؤشرين؛ فيقول أولاً إن الإنسان كائن عصاة/عصيان، وثانياً إن الإنسان كائن يمتلك حق الاختيار. ولكي نفهم الكرامة الإنسانية أو نعرف هذه الكرامة الإنسانية، يجب أن نفحصها بالارتباط مع العنصرين الذاتيين؛ وهما العصيان والقدرة على الاختيار، أو بعبارة علماء السلف: قوة الاختيار التي تستطيع اختيار الخير.
