إشارة: تحظى المرأة في الدين الإسلامي الحنيف بمكانة سامية، ولا نجد في أي من الآيات والروايات إقراراً بتفوق الرجل على المرأة، وإنما التفاوت في مستوى التقوى التي يتحلى بها كل منهما. كما أُكد في الإسلام على أن النساء يمتلكن كرجال القدرة على الوصول إلى مقام القرب الإلهي، غير أنه ذُكرت لهن في بعض الموارد تكاليف وواجبات متفاوتة تعود طبيعياً إلى التفاوتات الجسدية بينهما. ورغم هذه المكانة للمرأة في الدين الإسلامي، نلاحظ أحياناً أن أفراداً يحملون الضغينة للإسلام يطرحون شبهات ضد حقوق المرأة ومكانتها في الإسلام مما يستدعي تقديم إجابات علمية ولائقة لمثل هذه الرؤى. ولمزيد من البحث في مكانة المرأة في الإسلام ومقارنتها بمكانتها في الأديان الأخرى، التقينا بالدكتورة نسيم عربي، عضو الهيئة التدريسية بجامعة المذاهب الإسلامية.
برأيكِ ما هي أهم الانتقادات بخصوص وضع النساء في الإسلام وما هو سببها؟
عربي: يُسأل أحياناً: هل من الصحيح والمنطقي علمياً القول إنه بوجود الاختلاف في خلق الرجل والمرأة، يوجد تميز في الحقوق المجعولة في قبال هذه التفاوتات، وهل يُعدّ هذا العمل عدالة؟ ومن جهة أخرى يسألون: بأي منطق أوجد الله التفاوت في الخلق والآفرينش فجعل للرجل خصائص منها الشجاعة والقوة الأكبر والقدرة في الساحات الشاقة وجعل للمرأة اللطافة الأكبر؛ فهل من الصحيح اختصاص المرأة بحقوق غير متساوية بسبب هذا التفاوت في الخلق؟ تنشأ هذه الأسئلة من الاعتقاد بأن أموراً مثل المهر والإرث والنفقة وغيرها من الأمور الخاصة بالنساء في الإسلام، والتي هي محل خلاف، قد وُضعت لصالح الرجال، ويعدون سند هذه التفاوتات التفاوتَ الماهوي في خلق وفنيزيا الرجل والمرأة.
تنبع هذه الرؤية من اعتبار العدالة بين الرجل والمرأة قائمة على التشابه بينهما؛ أي يعتقدون بوجود تشابه بين الرجل والمرأة وبالتالي يقولون بتساوي الحقوق، غير أن الإسلام – بناءً على الأحكام الفقهية والتكاليف والواجبات والخصوصيات المتفاوتة المودعة في المرأة واستناداً إلى آيات القرآن والروايات – قائلٌ بالعدالة الاستحقاقية؛ أي حُددت للمرأة تكاليف بناءً على الخصائص المتناسبة مع الأنوثة ورُتبت لها حقوق في قبال هذه التكاليف، وحُددت للرجل تكاليف وواجبات متفاوتة بناءً على هذه التمايزات والخصائص الفردية والجسمانية والنفسية؛ ومن ثم فإن له حقوقاً متفاوتة مقارنة بالمرأة.
في المجتمعات الغربية توجد رؤية المساواة بين الجنسين دون الاهتمام بالتمايزات. وهم يستندون إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام ١٩٤٨م ويعتبرون ذلك اليوم يوماً عالمياً لحقوق الإنسان ويعتقدون أن المرأة والرجل متساويان وعرفوا كلمة “متساويان” بـ المساواة والتشابه، غير أن الدين الإسلامي لا يوافق أبداً على برابرة ومساواة الحقوق الناظرة إلى التفاوتات والتمايزات بين النساء والرجال. ومن هنا توجد أحكام قطعية في بعض الموارد، وتدع القوانين الثانوية أحياناً يد الحاكم مفتوحة لإيجاد تغييرات في الأحكام بما يتناسب مع ظروف المجتمع.
لماذا يخالف الدين الإسلامي المماثلة والمساواة الصرفة بين الرجل والمرأة؟
عربي: يخالف الدين الإسلامي هذه المماثلات بشدة، وتصرح القوانين والأحكام الأولية بوجود تفاوتات في بعض الأحكام الفقهية بين الرجل والمرأة؛ إذ لا يوجد تشابه بين الرجل والمرأة بناءً على الواجبات والتكاليف. يقوم نظام الخلق على أن عالم الوجود هو تجلٍ لصفات الله، وإحدى تجليات صفات الله هي مسألة الخلق. فالله يخلق في كل لحظة، وهذا الخلق يقع عبر مسار الرجل والمرأة؛ أي إن الرجل والمرأة يسهمان بحد سواء في تكثير نظام الخلق وتجلي صفات الله ولا ينبغي ورود أي خدش في هذه الظاهرة والسنة الإلهية ولو للحظة.
وبناءً على هذا تشكل نظام الأسرة المقدس، ونتيجة لذلك صدرت الأحكام الأسرية للرجل والمرأة. ومن هنا فإن كافة الأحكام التي تقع محل سؤال في مجال الإرث والمهر والنفقة قائمة على أساس أن يكون نظام الأسرة نظاماً متيناً ولا يخضع للتغيرات الناجمة عن رسم السياسات. يعتبر الله المرأة مأمناً للسكينة والراحة للأسرة لكي تتفرغ لتربية الأسرة والمجتمع، وتقع وظيفة حفظ معيشة الأسرة على عاتق الرجل، وكلاهما مسؤولان بحد سواء عن حفظ نظام الأسرة المقدس.
تُطرح اليوم مثل هذه الأسئلة بين النساء والفتيات كثيراً: لماذا يوجد تفاوت في أحكام مثل إرث الرجل والمرأة؟
عربي: إذا رأينا أحكاماً في القرآن الكريم تقضي بأن إرث الرجل ضعف إرث المرأة، فهذا التفاوت في الكمية والكيفية. فمن الناحية الظاهرية تبدو بعض الأحكام الفقهية ذكورية؛ ومنها الإرث أو الحجاب وحق الطلاق التي تقع أحياناً محل سؤال تحت عنوان التقييد الحقوقي، وتارة تحت عنوان الحرمان الحقوقي، وتارة تحت عنوان الحظر الحقوقي. والنقطة ذات الأهمية هي أنه إذا أخذنا بالاعتبار التمايزات في التكاليف والواجبات ولم تكن الكمية هي الأصل لدينا بل جعلنا الكيفية هي الأصل، فسندرك جيداً الكيفية العالية لمثل هذه القوانين في الدين الإسلامي الحنيف.
وعلى سبيل المثال في قانون الإرث، إذا كان حق الرجل الضعف فلأن الإسلام بيّن تكاليف وواجبات أكثر على الرجل وتقع معيشة الأسرة على عاتقه، بينما لا نصل لمثل هذا الوجوب في حق المرأة. وبناءً عليه نصل إلى نتيجة مفادها أن كيفية إرث المرأة عالية جداً؛ ومن ثم يجب الاهتمام بالنتيجة؛ لأن نتائج هذه الأحكام الفقهية تؤدي في النهاية إلى حفظ كيون الأسرة وتعود منفعتها على كافة أفراد الأسرة سواء كانوا رجالاً أم نساء ويُحفظ كيون الأسرة أيضاً. وهنا تتجه رؤيتنا نحو تسامي الروح الذي يتشكل عبر مسار الأسرة.
في الفكر الغربي نشهد منذ القرن الرابع عشر أن المجتمعات المسيحية أحدثت تغييرات في مجال حقوق النساء. وبطبيعة الحال وقع هذا الأمر عبر تصدير الفكر الإسلامي من مسار الأندلس إلى أوروبا أيضاً؛ لأن الأندلس كانت محل اتصال المجتمع الإسلامي بالأوروبي. وفي ذلك الحين تتغير ظروف المرأة التي كانت تعاني من العزلة المطلقة وتُعتبر ملكاً طلقاً للرجل. وعلى مدى العصور التاريخية وفي المجتمعات القديمة قبل نفاذ الإسلام، نشهد وضعاً غير لائق للنساء؛ ففي مرحلة تُورث المرأة وتُعامل كالطفل أو السلعة أو تُهدى من قبل الأب أو الزوج، ولكن مع ظهور الإسلام في القرن السادس الميلادي، تنحي القوانين الإسلامية هذا الفكر القائل بأن المرأة إحدى الأدوات الشخصية للرجل جانبًا، ونتيجة لذلك نشهد دورة الأهلية.
ما هو قصدكِ من دورة الأهلية؟
عربي: في هذه الدورة تكون المرأة مالكة لأموالها، غير أنه لا يُؤذن لها بالتصرف في أموالها ويختص هذا الإذن بأبيها وزوجها فحسب؛ لأنهم يعتقدون أن المرأة لا تمتلك القدرة على اتخاذ القرار الصحيح تجاه أموالها ولا تمتلك قدرة الإدارة. ولكن عندما يُبعث النبي الكريم (ص)، فإن أحد أول وأثمن الأعمال التي يقوم بها هو المساواة بين الرجل والمرأة والسماح للنساء بالمبايعة والمشاركة في الشؤون الاجتماعية والسياسية وحق الاختيار.
إن كافة الأحكام الفقهية الموجودة في القرآن الكريم وحقوق النساء في الإسلام قُدمت للنساء قبل أربعة عشر قرناً، بينما نشهد في المجتمعات الأوروبية طرح بحث الأهلية مؤخراً منذ القرن الرابع عشر، وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان يطرحون المساواة بين الرجل والمرأة بسبب الفكر المادي والاستفادة من قدرات النساء واستغلال طاقاتهن، ويعتقدون أن الرجل والمرأة متساويان في كافة الأمور والشؤون بما في ذلك الواجبات والتكاليف والحقوق.
ما هو نقدكِ للرؤية وحقوق المرأة في الغرب؟
عربي: المظهر الظاهري للأمر محبب في بعض الموارد ويستحق التحسين أحياناً، غير أن مخرجات هذه الرؤية للمساواة بين الجنسين في الحقوق والتكاليف أدت إلى إلحاق أضرار جادة بالكيان المقدس للأسرة، الذي يُعد نظاماً مقدساً في الأديان الإلهية والمدارس التوحيدية؛ لأن الله خلق هذا النظام وكان الهدف الرئيسي من الخلق أن يكون تجلياً لصفات خلق الله، غير أن الرؤية المادية والأداتية للمجتمعات الغربية تجاه المرأة تتسبب في إهمال هذه التفاوتات والتمايزات. وبناءً عليه فإن الدين الإسلامي يولي اهتماماً كبيراً للكيفيات ورؤيته هي العدالة الاستحقاقية القائمة على تمايز الخصائص الجسدية والنفسية للرجل والمرأة.
في مجال الأسرة توجد رؤيتان؛ الأولى هي أنه لا يوجد تفاوت بين الرجل والمرأة في الأسرة ولا تؤدي التفاوتات الخِلقية إلى التفاوت في تكاليف الرجل والمرأة. ولهذا السبب نلاحظ في المجتمعات الغربية أن كافة الحقوق متساوية، أما الرؤية الأخرى فتعتقد بوجود التفاوتات والتمايزات وتضع وظائف متفاوتة للرجل والمرأة في نظام الأسرة حيث يُعد الاهتمام بهذه التمايزات ضرورياً لحفظ كيون الأسرة.
ما هو الدور الذي تلعبه الظروف الزمانية والمكانية ومقتضيات العصر في مكانة النساء؟ برأيكِ هل يمكن التعامل مع امرأة اليوم كما يُتعامل مع امرأة قبل مائة عام أم يجب مراعاة الظروف الزمانية والمكانية؟
عربي: الإسلام دين حيوي ويمتلك أحكاماً اولية وثانوية. فبعض الأحكام تابعة لنص القرآن وبعضها تابع للظروف الثقافية والاجتماعية والسنن والأعراف. ومن هذا المنظور نشهد في النظام الحقوقي للدين الإسلامي وفي النظام المعرفي لهذا الدين حيوية وازدهاراً في النظر إلى كافة أبعاد الدين. وفي مجال النساء توجد أيضاً بعض الأحكام المسلمة والقطعية في القرآن والتي تُظهر اهتماماً خاصاً بحقوق المرأة ومنها المهر والنفقة اللذان يختصان بالمرأة ولا يتعلقان بالرجل.
وطبقاً لهذا الإطار والضوابط الإسلامية، فإن بعض القوانين تابعة لظروف اليوم ومن الضروري إخضاعها للمراجعة الدائمة بناءً على الظروف، بشرط ألا يَرِد أي خدش على الهدف الرئيسي والخطير لنظام الخلق ومنظومية عالم الوجود؛ أي إن القوانين والضوابط تكون في هذا الإطار بحيث يوضع الرجل والمرأة في مكانتهما الرئيسية بناءً على النظام الذي حدده الله لهما.
واستناداً إلى نظرية المنظومية أو التماسك التنظيمي لمؤسسة ما، يستطيع النظام تقديم إنتاج مطلوب عندما تؤدي جميع أعضاء ذلك النظام وظائفها بشكل متكامل ومتحد وتلعب دورها بصورة متكاملة بناءً على الوظائف الموكلة إليها في تلك المنظومية. فلو جعلنا جميع أجزاء جهاز ذي تروس متشابهة ولم نهتم بوظائف كل عضو وترس من أجزاء هذا النظام، فهل سيعمل هذا النظام بشكل صحيح في إطار المنظومية بمعزل عن وظائف كل جزء ومجرد الادعاء بوجوب تشابه كافة الأجزاء؟
المسألة المهمة هي أن عالم الوجود نظام وتجلٍ لصفات الله ومحل لبروز صفات الخلق. وبناءً عليه، وبشرط صيانة هذا الحريم، لا مانع في الإسلام من تغيير ضوابط وقوانين مجال النساء. وقد أكد قائد الثورة في أحد تصريحاته أن عدم الاهتمام بحقوق النساء يؤدي أحياناً لمواجهة الاستياء في هذه المجالات. ومن ثَمّ يجب إبداء المزيد من الدقة ووجود ضابطة تنفيذية أكثر اتساعاً في مجال إحقاق الحقوق.
إن كل مجتمع يضع قوانين بناءً على رسم السياسات للحكومات والعرف الحاكم في تاريخ وثقافة كل مجتمع، ويلقي الدين بظلاله على هذه الموارد. وطبيعياً لا نستطيع في أي دورة تاريخية التغاضي عن دور الحكومات والعرف. فُعرف مجتمع اليوم يختلف عن عرف قبل ١٤٠٠ عام ويجب علينا أخذ هذه التفاوتات بعين الاعتبار. وبناءً عليه فإن الاهتمام بأصل وظائف وتكاليف المرأة في نظام الخلق أمر ضروري وقائم على حفظ نظام الأسرة والمجتمع، غير أنه إلى جانب ذلك يُعتبر إحقاق حقوق النساء بناءً على أطر الشريعة أمراً لا مانع منه في الإسلام.
المصدر: إيكنا
