القائد الشهید لم یکن یَعُدّ الإجماع المدرکی من علم الأصول أساساً!
إشارة: ليست الشهرة دائماً سبباً في إبراز صفات الناس وخصائصهم؛ بل إنّها تؤدّي أحياناً إلى أن تقع بعض الخصائص تحت ظلّها فلا يُلتفت إليها. والأبعاد العلمية لشخصية القائد الشهيد للثورة — شأنها شأن خَلَفه الصالح — من هذا القبيل. فقد أدّى طغيان الأبعاد السياسية والاجتماعية لشخصيته إلى قلّة تناول خصائصه العلمية والمعرفية على نحوٍ عالِم وغير ترويجيّ. وبمناسبة استشهاد هذا القائد العظيم الشأن، حاورنا آية الله محمد محمدي القائيني، أحد أساتذة بحث الخارج في الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم، وممّن حضروا درس سماحته سنواتٍ عدّة، حول خصائص درس القائد الشهيد. وهو يرى أنّ للقائد الشهيد ابتكاراتٍ في علم الأصول والفقه والرجال والتفسير، كان يتناولها في درس الفقه. ويرى أنّ من أهمّ هذه الخصائص إخراجَ الإجماع المدركي من علم أصول الفقه، وعدمَ الملازمة بين فساد الشرط وفساد العقد. وفي ما يلي نصّ الحوار الخاصّ مع عضو المجلس العلمي لقسم فقه الصحّة والطبّ في مركز دراسات الفقه المعاصر:
فقه معاصر: لماذا لم يُدرِّس الشهيد آية الله الخامنئي بحث الخارج في أصول الفقه قطّ؟ هل كان ذلك ناشئاً من عدم توفّر الوقت لتدريسه، أم من ضعف اعتقاده بعلم أصول الفقه؟
محمدي القائيني: أمّا في شأن سبب عدم تدريسه علمَ أصول الاستنباط، فالمسألة الأساسية أنّ وقته كان ضيّقاً. فأمر إدارة الأمّة الإسلامية، ولا سيّما في ما يتّصل بالثورة الإسلامية، عملٌ كبير جدّاً. ولم يكن هو وحده كذلك، بل المراجع العظام الكبار كذلك أيضاً؛ فالإمام نفسه لم يُدرّس بعد الثورة لا فقهاً ولا أصولاً. والمرحوم البروجردي، بعد مضيّ مدّةٍ على مرجعيّته وكان يُدرّس الأصول والفقه، عطّل درس الأصول بالكامل. وكذلك أعلامٌ آخرون. فالمرجعية، وما هو أعلى منها، أي زعامة الشيعة، بل زعامة الأمّة الإسلامية، ولا سيّما مع هذه الثورة الإسلامية، تستغرق وقتاً كثيراً. لكنّه لم يكن ضعيف الاعتقاد بأصول الفقه. فقد كان يعتقد، شأنه شأن كثيرٍ من الأعلام الآخرين، أنّ علم الأصول بوصفه مفتاحاً لاستنباط الفقه ينبغي أن تكون له أُطُرٌ محدّدة ومنظّمة ومرتّبة وغير مطوّلة. فأصولنا فيها زوائد كثيرة وفيها تطويلاتٌ يمكن التقليل منها؛ سواء في مقام التصنيف، أو في مقام البيان، أو في مقام طرح المسائل المفيدة التي جانبها التطبيقي أكبر، غير أنّ هذه التنقية لم تُنجَز بعدُ في أصولنا؛ ولذلك فهو يقيناً كان معتقداً بالأصول؛ وكان هو نفسه في المباحث الفقهية التي يستدلّ فيها على معرفةٍ ومهارةٍ تامّة بالأصول ومبانيه. غير أنّ سبب عدم شروعه فيه أنّه أوّلاً كان يرى أنّ كثيرين يُدرّسون هذا العلم، وثانياً أنّ ما يلزم للفقه هو امتلاك المباني الأصولية، وقد كانت لديه هذه المباني. ونتيجةً لذلك، ولأنّ علم الأصول بهذا المنهج الجديد كان مستغرقاً للوقت كثيراً، لم يدخل فيه، واكتفى بطرح المباني الأصولية في ضمن دروسه لإثبات المسائل، ولم يكن يرى لزوماً لصرف وقتٍ طويل من أجل طرح المباحث الأصولية على نحوٍ مفصّل.
فقه معاصر: كيف كان منهجه في معالجة الموضوعات الفقهية؟ وهل كان له منهج مغاير لفقهاء قم؟
محمدي القائيني: نعم. في ما يتعلّق بمنهج البحث الفقهي، شاع اليوم اصطلاحاً أن يقال: المنهج السامرّائي، والمنهج النجفي، والمنهج القمّي؛ وهذه المدارس التي سُمّيت باسم إحدى هذه المدن، لكلٍّ منها مؤشّراتها. وقد طرحنا هذه الأمور في بحثٍ مفصّل مستقلّ. أمّا في ما يتعلّق بمنهج بحثه في الموضوعات الفقهية، فالنقطة المفتاحية أنّ فقهه كان فقهاً جواهريّاً؛ أي إنّه كان ملتزماً بالمنهج نفسه الذي كان عليه صاحب الجواهر، وهو المنهج الذي أجلّه جميع علماء النجف وقم أيضاً وعملوا وفقه. وهذا الأمر يُرى بوضوح في برامجه الفقهية وكان يُطبَّق فيها. والفقه الجواهري هو الذي كانت له هذه المؤشّرات: أوّلاً، قيامه على البرهان والاستدلال؛ وثانياً، نظره إلى أقوال الفقهاء؛ وثالثاً، التفحّص عن كلّ ما ورد من آراء الفقهاء في تلك المسألة؛ ورابعاً، التعميق والتوسعة في البحث والاستدلال والابتعاد عن البساطة. هذا هو المنهج الذي طبّقه صاحب الجواهر عمليّاً، وكان واضحاً وجليّاً تماماً في البرامج الدرسية لسماحة القائد، سواء في بحث الغناء والموسيقى، أو في بحث «الرسائل الثلاث» المتعلّقة بباب الجهاد، أو في المكاسب المحرّمة؛ ولذلك فإنّ ما كان يتألّق في بحوثه الفقهية هو معرفة الموضوع والاهتمام الخاصّ بالموضوع. فربّ مسألةٍ تكون واضحةً بحسب العرف، لكنّها ليست واضحةً بحسب المتخصّصين، وبالعكس؛ فربّما كان موضوعٌ ما يُعَدّ واضحاً بحسب رأي الفقهاء والمتخصّصين، لكنّه كان — بما له من نقدٍ وما يُجريه من تدقيقٍ — يبيّن الموضوع على نحوٍ آخر، ويُغيّر الحكم بناءً على ذلك؛ ولذلك يمكن القول (وهو ما نراه بارزاً تقريباً لدى الإمام الراحل أيضاً) إنّه كان يبذل دقّةً كبيرة في معرفة الموضوع، والتكيّة على الموضوع، وتبيين الموضوع بحسب الزمان والمكان؛ سواء في بحث الغناء والموسيقى، أو في بحث آلات اللهو واللعب، أو في بحث الغيبة والتدخّل في الأمور السياسية، أو في سائر المباحث والموضوعات.
والقاعدة الكلّية أنّنا ما لم نعرف الموضوع معرفةً دقيقة لا نستطيع أن نحكم. وبحسب رأي العلماء، فإنّ نسبة الموضوع إلى الحكم بمنزلة نسبة العلّة إلى المعلول، وما لم نعرف الموضوع معرفةً جيّدة فلا معنى للحكم على الموضوع أصلاً؛ ولذلك ينبغي في الموضوعات الفقهية أن ندقّق بحسب الزمان والمكان، بل حتى بحسب ما صدر في زمان صدوره عن المعصوم: ما معنى هذه الكلمة؟ وما مراد المعصوم منها؟ وألّا ننظر إلى العرف الحاليّ فحسب. وقد كان له في هذا الشأن سعيٌ خاصّ، وهذا واضح تماماً في ثنايا بحوثه وفي طرحه لكلّ مسألة، ويمكننا أن نراه بجلاء.
فقه معاصر: كيف كانت تُختار موضوعات بحث الخارج الفقهي لديه؟ وهل كان يصرّ على طرح الموضوعات المعاصرة، أم أنّه كان يبحث الموضوعات القديمة أيضاً؟
محمدي القائيني: نعم. في ما يتعلّق بموضوعات الدرس، فقد كان يقيناً يعطي الأولوية للموضوعات المعاصرة، لأنّنا على أيّ حال قد أقمنا اليوم حكومة؛ فلدينا بحث الجهاد، ولدينا السياسة، والإدارة، والتربية، وكثيرٌ من المسائل الأخرى. ولدينا عُقدٌ وإبهاماتٌ كثيرة لم تتّضح بعدُ اتّضاحاً كاملاً؛ فبحث التضخّم، وبحث فروق الأسعار التي تُوجد اختلافاً في السعر بين المشتري والبائع مثلاً، هذه ينبغي أن تُجاب عنها، وفقه الإسلام — على أساس المعايير التي أعطانا إيّاها المعصومون عليهم السلام — مجيبٌ عنها جميعاً؛ ولذلك فإنّه وإن كان يطرح هذه الموضوعات بوصفها موضوعاتٍ معاصرة، فليس معنى ذلك أنّه لم يكن يبحث الموضوعات القديمة؛ بل كان يطرح تلك الموضوعات القديمة نفسها بحُلّةٍ جديدة ومقاربةٍ معاصرة؛ مثل مسألة النظر إلى المرأة وما هي مكانة المرأة؟ ومسألة النظر إلى الشباب، وما مكانة الشابّ في المجتمع؟ وعلاقة الدين بالسياسة، وعلاقة الدين في الحكومة، والمسائل من هذا القبيل. نعم، يمكن طرح ذلك في كلمةٍ واحدة موجزة: أنّه كان يسعى إلى حلّ مشكلات العصر، كما كان الشهيد مطهّري والشهيد الصدر وكثيرٌ من أعلامنا الآخرين — وإن لم يكن عددهم كبيراً — يُعطون الأولوية لمسائل العصر التي كان موضعها شاغراً ولم يُعمل في ذلك المجال، أو عُمل فيه قليلاً، أو لم يُعمل فيه على نحوٍ عميق، وكانوا يحلّون المشكلة بحلّ المسائل الفقهية المعاصرة، ويمهّدون الطريق ويُذلّلونه أمام الحكومة والنظام والمسؤولين الذين كانوا بحاجةٍ إلى أحكام هذه الموضوعات.
فقه معاصر: بالنظر إلى الأهمّية البالغة التي كان يوليها للقرآن طوال حياته، هل كان ذلك ملحوظاً في بحث الخارج الفقهي لديه أيضاً؟ وبعبارة أخرى، هل كان استدلاله بالآيات القرآنية من باب التيمّن والتبرّك فحسب، أم أنّه كان يتناولها بجدّية ويعدّها أُمَّ الأدلّة؟
محمدي القائيني: ومن قبيل المصادفة أنّ الأمر المسلَّم جدّاً هو أنّه كان في مطلع كلّ بحثٍ يدخل فيه يطرح أوّلاً آيات القرآن ذات الصلة، ثمّ الروايات. ثمّ إنّه في ضمن البحوث أو بعد انتهاء بحث الروايات كان يصل إلى الإجماع والشهرة الفتوائية أيضاً ويبحثهما. وفي الاستدلال على المسائل الفقهية التي كان مقرّراً التمسّك فيها بالآية، أي إثبات تلك الأحكام على أساس الآية، كان يبذل الدقّة الكافية واللازمة؛ وذلك بأن يطرح الآية من حيث اللغة، والتركيب، ومن حيث أنواع الدلالات وأنواع التفاسير التي أبدى فيها مفسّرونا الكبار آراءهم وخاضوا فيها، فيُثبتها أو يردّها باستدلالٍ قويّ، بل كان في بعض الأحيان يقول بالتفصيل؛ ومن ثَمّ ليس الأمر أنّ اهتمامه كان منصبّاً على مجرّد قراءة القرآن وذكر آيتَين للتبرّك وإبداء الاحترام للقرآن؛ كلّا. بل كان يدرس الآيات دراسةً مفصّلة صحيحة؛ فمثلاً في الآية نفسها ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: ما معنى العقد؟ وكم معنًى له؟ وما معنى العهد؟ وما الفرق بين ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ و﴿أَوْفُوا بِالْعُهُودِ﴾؟ وهل يمكن أن يدلّا كلاهما على الأصل الأوّلي في البيع أم لا؟ له كلامٌ مفصّل في ذلك. وممّا يُلفت أنّه في هذه الاستدلالات التي كان يُجريها، كان يبدأ من آراء المتقدّمين من المفسّرين والمتكلّمين والفقهاء، بل كان أحياناً يطرح على نحوٍ مفصّل رأي المعاصرين في تلك الآية وكيفيّة تفسيرهم لها، ويُخضعها للنقد، وكانت نقوده إنصافاً نقوداً جادّة؛ أي إنّه كان — على أساس مبانيه واستنباطه، ومع حفظ احترام الأعلام — ينقدها ويردّها، وربّما قدّم رأياً جديداً من عنده؛ ولذلك فهذه المسألة واضحة تماماً: أنّه كان يولي القرآن اهتماماً خاصّاً بوصفه منبعاً أصيلاً والمنبعَ الأوّل للاستدلال في أحكام الدين ومعارفه، وهذا درسٌ لنا جميعاً كي لا نُقبل على القرآن للتأييد فحسب ونجعل آية القرآن في المرتبة الثانية والثالثة. فالمرحلة الأولى ينبغي أن تكون الاستدلال بكتاب الله، ثمّ الروايات وسائر الأدلّة.
فقه معاصر: في أيّ الأمور كانت الابتكارات الفقهية لآية الله الشهيد؟
محمدي القائيني: من الناحية الفقهية، ممّا يمكن نسبته إليه بوصفه ابتكاراً: مسألة ولاية الفقيه نفسها، فقد كان يوليها أهمّية بالغة، شأنه شأن الإمام، والمرحوم صاحب الجواهر، والمرحوم النراقي، بل ومن متقدّمينا كالشيخ المفيد الذي قال بأصل ولاية الفقيه؛ بمعنى أنّ حجّية جميع السلوكيات والأعمال التي تُنجَز في المجتمع — سواء على مستوى الحكّام أو عامّة الناس — إنّما تكتسب الشرعية، في نظره، بالنظر إلى نفوذ ولاية الفقيه وإحراز رضاه عن العمل؛ وإذا لم يتحقّق ذلك فلا شرعيّة لأيّ عمل. فحتى لو كان الإنسان من أهل الصلاة والصوم، ومن أهل الصدقة، وعمل الخير، لكنّه علم في عملٍ ما أنّ رأي وليّ أمره ليس هذا وأنّ له رأياً آخر، فإنّه لم يكن يرى القيام بذلك العمل جائزاً ولا مشروعاً أصلاً.
وفي ما يتعلّق بأمور أخرى، مثلاً في ما يتعلّق بأنّنا هل نستطيع، من أجل تمشية الأمور، أن نعدل عن الأصول الأوّلية، وأن نؤخّر بعض أحكام الإسلام أو لا تُنفَّذ موقّتاً بتشخيص الأهمّ فالأهمّ، حتى تُنفَّذ مسألةٌ فقهية أخرى أهمّ؟ نظير ذلك الاستدلال الذي كان لجناب هارون النبيّ في مقابل أخيه، حين قال حضرة موسى: لماذا لم تمنع عبَدة العجل؟ قال: خشيتُ أن تأتي فتقول: لماذا اختلف الناس و﴿لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾؛ قلتُ: احفظ هؤلاء جميعاً على أساس الإسلام وتأتي أنت لتحاسبني، ولذلك رضيتُ بأن يقبل الناس أصل التوحيد، وإن صار بعضهم في مقام العبادة من عبَدة العجل، حتى تأتي أنت فتحدّد التكليف.
وهذه مسألة مهمّة: أن نُشخّص ما هو الأهمّ والمهمّ في المجتمع. فأحياناً يكون ذلك لازماً، وأقول مثلاً: إنّ مسألة الحجاب اليوم من ضروريّات الإسلام، لكن إذا كان مقرّراً أن يكون تعاملنا ومنهجنا على نحوٍ يُعرّض أصل النظام للخطر، ويُذهب أصل الثورة، فإنّ هذا ينبغي يقيناً تأخيرُه، أو عدم جعله في الوقت الحاضر أولويةً في ما يتّصل بمسائل النظام. وكذلك في ما يتعلّق بالمسائل الاقتصادية والمالية، وفي المسائل المصرفية، بل وفي المسائل السياسية، وفي باب التحزّب والأحزاب؛ فالناس أحرار في إبداء آرائهم وفي تشكيل التنظيمات، لكن عليهم أن يعلموا أنّه وإن لم يكن في تشكيل الحزب إشكالٌ من جهة تمشية الأمور وكيفية تنفيذ العمل، إلّا أنّه في ما يتعلّق بأصل الدين والتبعية للنظام لا ينبغي أن يكون الإنسان تابعاً للحزب. فالحزب بوصفه إدارةً تبيّن قواعد صنفيّة إنّما هو في هذا الحدّ فحسب، أمّا أن ينظّم الناس عقائدهم وسلوكهم على أساس أمر الحزب، فلا، هذا لا شرعيّة له. فالشرعية للإسلام، وهي في زمان الغيبة ينبغي أن تتحقّق بواسطة الفقهاء العدول الجامعين للشرائط؛ ولذلك نعم، لا إشكال في التحزّب، بل إنّ الأنشطة السياسية لازمة، لكنّ هذا كلّه ينبغي أن يكون تحت مظلّة الولاية، أي ينبغي أن يتشكّل بالنظر إلى قواعد الإسلام وثبوت أحكام الإسلام في المجتمع، وهذه الأنشطة جائزةٌ إلى الحدّ الذي لا تُلحق فيه ضرراً بتلك التبعية لأحكام الإسلام.
فقه معاصر: هل كانت له في علم الأصول أيضاً ابتكاراتٌ أو مبانٍ خاصّة وأقلّ ذِكراً؟
محمدي القائيني: تقريباً في المباحث الأصولية، نعم، كانت له آراء مخالفة للمشهور أيضاً. فمثلاً لم يكن يقبل استصحاب العدم الأزلي، وهو أحد أقسام الاستصحاب.
أو مثلاً في ما يتعلّق بأنّ فساد الشرط هل يوجب فساد العقد أم لا؟ فالمشهور يقولون: نعم، لكنّه كان يقول: لا، فالعقد إذا انعقد وكان مشروطاً بشرط، فإنّ شرطه إن كان فاسداً فلا أثر له وهو لغو؛ أمّا أصل العقد فلمّا ثبت بالإرادة الجدّية، وأُحرز، وأُوقع، فهو باقٍ على حاله وصحيح، ولا يفسد ذلك العقد.
أو مثلاً في ما يتعلّق بالإجماعات المدركية، له بيانٌ يقول فيه: إنّ علماءنا حين ينقلون أحياناً إجماعاتٍ — مع وجود الآية والرواية وسائر الأدلّة — ويوردون الإجماع أيضاً؛ فهذه الإجماعات التي تُذكر في مثل هذه المواضع يُراد بها القول إنّ هذا القول الذي وجدناه من الكتاب والسنّة مثلاً له مؤيّدون، وأنّ المخالف فيه قليل أو لا مخالف فيه أصلاً؛ ولذلك ليس المقصود منها الإجماعَ المصطلح الذي هو أحد الأدلّة الأربعة؛ ومن ثَمّ فإنّ الإجماع المدركي ليس من الإجماع الاصطلاحي في علم الأصول أصلاً، وهدفه أيضاً تأييد المطلب. وهكذا القواعد الأخرى، فله فيها بالمناسبة، في بعض الموارد، مطالبُ مخالفةٌ للمشهور وتُعَدّ تقريباً مبنًى خاصّاً به.
فقه معاصر: ما كان مبناه في تقييم اعتبار الأحاديث؟
محمدي القائيني: نعم. في ما يتعلّق بالتمسّك بالأحاديث، فإنّه في الوقت الذي يقبل فيه مبنى المشهور من أنّ خبر الثقة حجّة، وأنّ الرواية التي يكون رواتها ثقاتٍ حجّةٌ — سواء أكانت اصطلاحاً صحيحةً أم حسنةً أم موثّقة — إلّا أنّه كان يعتقد أنّ حجّية الخبر ليست منحصرةً بخبر الثقة. فالمعتبر هو الخبر الموثوق الصدور؛ أي إنّ لدينا روايةً يكون مضمونها على نحوٍ نطمئنّ معه إلى صدورها عن المعصوم؛ وإن كان بعض الرواة الواردين في الرواية أو أحدهم لم تثبت وثاقته؛ فهذا لا إشكال فيه وهذه الرواية معتبرة؛ وذلك بقرائن مثل أن يؤيّدها مضمون القرآن، أو يؤيّدها مضمون رواياتٍ معتبرة أخرى، أو أن تكون هذه الرواية — وإن كانت ضعيفة — قد وردت في الكتب الأربعة، أو أن يكون فقهاؤنا الكبار الذين هم أركان الفقه قد أوردوا هذه الرواية عمليّاً في كتبهم أو عملوا بها، أو صرّحوا على الأقلّ بأنّ هذه الرواية معتبرة وإن كان السند الذي وصل إلينا فيه نقصٌ وضعفٌ ولم تثبت وثاقة بعض الرواة، فيُعلم أنّه كان لديهم دليلٌ على وثاقة جميع أفراده، لأنّ هذا السند وصل إليهم من طريقٍ معتبر؛ ولذلك كان يقول بهذه التوسعة في ما يتعلّق بالأحاديث.
فقه معاصر: هل كانت له في علم الرجال ابتكاراتٌ أو مبانٍ أقلّ ذِكراً؟
محمدي القائيني: نعم. ومن قبيل المصادفة أنّه كانت له في المسائل الرجالية، قبل الثورة، مقالةٌ ورسالةٌ في مقارنة الكتب الرجالية الأربعة المعروفة عند الشيعة، وهي: فهرست الشيخ الطوسي، ورجال الشيخ الطوسي، ورجال النجاشي، ورجالٌ آخر جمعه الشيخ الطوسي أيضاً. فقد أجرى مقارنةً بينها، وبين اعتبارها، وطريق رواية الروايات بواسطة هؤلاء الرواة الأربعة بما لديهم من مبانٍ مختلفة. كما كانت له نقودٌ على العلماء الكبار من معاصرينا، ومنهم المرحوم الخوئي والمرحوم آية الله البروجردي، ممّن دخلوا في الرجال وألّفوا فيه كتباً وكان كلٌّ منهم صاحب مبنى، ولا سيّما آية الله العظمى البروجردي الذي أبدى في الرجال ابتكاراتٍ من عنده. وله مطالبُ رجالية على المستوى الصغروي وعلى المستوى الكبروي معاً، من قبيل: أوّلاً، هذه الكتب التي وصلت إلينا، هل هي في الحقيقة عائدةٌ إلى أصحابها أم لا؟ وثانياً، هل الوسائط التي تُذكر في هذه الروايات بوصفها توثيقاً لراوٍ معتبرةٌ كلّها أم لا؟ وإذا لم يكن بعضها معتبراً، فهل يمكن إثبات اعتبارها من طريقٍ ما أم لا؟ ولذلك، فإنّ روايةً يقول أعلامُنا أحياناً إنّ هذا الشخص فيها ليس موثّقاً، لأنّ الذين وثّقوه لم تثبت وثاقتهم أنفسهم؛ كان هو يوثّق الرواية من باب تبدّل السند، أو من باب العثور على الشخص الواسطة الذي يُفترض أن يوثّق ذلك الراوي الأوّل؛ فمثلاً كان قد وجد الراوي في كتابٍ ثبتت وثاقته فيه؛ ولذلك يورد الإشكال على هؤلاء الأعلام ويقول: لا، هذه الرواية التي لا تعدّونها معتبرة، هذا الشخص فيها موثّقٌ من قبيل المصادفة، ودليل وثاقته أنّ الذين وثّقوه جميعُهم موثّقون بالسند وبالدليل؛ ولذلك نعم، كان يُعَدّ بوصفه فقيهاً صاحبَ مبنى في بحث الرجال أيضاً، وكانت له في بحوثه الأصولية وفي تحليلاته الرجالية نقودٌ على آراء الأعلام وابتكاراتٌ من عنده، كانت تؤدّي بسببها روايةٌ ما إلى السقوط عن الاعتبار أو إلى ثبوت حجّيتها؛ فتؤثّر نتيجةً لذلك في الحكم الفقهي وتُغيّر حكم المسألة ويُتوصَّل إلى نتيجةٍ جديدة.