فکرة «العنف ضد الزوج» ذات أساس غربی وهی ولیدة نظریة السیولة الجنسیة
دراسة الأبعاد الفقهية للعنف ضد الزوجة/26
إشارة: لطالما طُرح موضوع العنف ضد الزوجة منذ سنوات طويلة في الأدبيات الفقهية والحقوقية النسوية، ومفاهيم من قبيل الاعتداء على الزوجة وتصنيف أنواع العنف ضد المرأة هي وليدة هذا الخطاب. في المقابل، ثمة نوع آخر من العنف يمكن تصوّره تحت عنوان العنف ضد الزوج، مع أنه أقل حضوراً في الأدبيات الفقهية والحقوقية. طرحنا هذا الموضوع مع الدكتورة ناهيد سليمي، عضو هيئة التدريس في معهد المرأة والأسرة. وترى هذه الكاتبة والباحثة في شؤون المرأة أن العنف ضد الزوج قد جرى تناوله بالتحليل في أدبياتنا الفقهية، لكن استحداث هذا المصطلح تمّ من قِبل مجتمعات تُجيز المثلية والعلاقة الجنسية بين رجلين. وفيما يلي نص الحوار التفصيلي الخاص الذي أجرته «الفقه المعاصر» مع عضو هيئة التدريس هذا في معهد المرأة والأسرة:
الفقه المعاصر: هل يمكن أن يتحقق العنف في العلاقات الزوجية ضد الزوجة فقط، أم أن عنف الزوجة ضد الزوج أيضاً قابل للتصوّر؟
سليمي: يدل العنف في معناه اللغوي والاستعمالي على نوع من الفعل والسلوك الخشن والفظّ في مقابل اللين والتوافق، وهو يأخذ في البيئات والثقافات المختلفة مصاديق ومعاني متفاوتة تبعاً للثقافة المحيطة. وفي الفقه الإسلامي أيضاً يُنظر إلى نوعين من العنف، إيجابي وسلبي؛ فالعنف في موضعه الإيجابي يدل على الشدة في العمل وعدم التساهل مع العدو والخارج على القانون، أما في نوعه السلبي فيدل على تعدّي المسلم على حقوق الآخرين والقانون. ومن النقاط البارزة في الفقه الإسلامي في تنظيم العلاقات بين الزوجين هو بحث نشوز الزوجة، الذي يُطرح كمصداق للتعدي على حقوق الزوج، ويمكن طرحه أيضاً بمعنى العنف ضد الزوج. وبناءً على ذلك، وبما أن التعرّض لنشوز الزوجة كان أدق وأكثر حضوراً في الفقه، ربما يمكن القول إن التعرّض للعنف ضد الزوج ومنع العنف ضده قد احتلّ مكانة خاصة في الثقافة الإسلامية والفقه. وقد وردت هذه الحرمة أيضاً بصراحة في الروايات، وقد مُنع هذا التعدي على الحقوق من جانب الزوجة. يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الصدد: «أيّ امرأة آذت زوجها لم يقبل الله صلاتها وحسناتها، وإن صامت عمرها كله، وأقامت الصلاة، وأعتقت عبيداً كثيرين، وأنفقت مالاً وثروة كثيرة في سبيل الله؛ إلا أن ترضي زوجها، وإن ماتت من دون رضا زوجها كانت أول من يدخل جهنم».
الفقه المعاصر: هل يمكن اعتبار البرودة في العلاقة الجنسية، واستخدام الزوجة ألفاظاً بذيئة خلال العلاقة الجنسية، وإجبار الرجل على أداء بعض الأوضاع في العلاقة الجنسية، مصاديق للعنف الجنسي ضد الزوج؟ وما هو الحكم الفقهي لذلك؟
سليمي: إذا أخذنا بالنظرة الكلية والعامة التي طُرحت في مطلع البحث بشأن المصاديق المذكورة للعنف، فسنجد أن كثيراً من السلوكيات الخارجة عن العرف والإفراط والتفريط من جانب المرأة تجاه الرجل، والتي انتقلت من الفقه إلى القانون، تنطبق في العلاقة الزوجية على معنى العنف السلبي والعنف الذي يتجاوز حدّ القانون. وهذه البرودة في العلاقة الجنسية، إن لم يكن ثمة مانع شرعي، هي محل نهي فقهي كثير، وهي مصداق من التفريط الذي يؤدي إلى ضياع حق الزوج.
وبناءً على ذلك، فإنه في المنظور الإسلامي، وبالرغم من أن حقوقاً وتكاليف خاصة تنشأ تلقائياً بين الزوجين بعد الزواج، ويكون الزوجان ملزمين بأداء تكاليفهما وحُسن المعاشرة فيما بينهما؛ إلا أن ما نال قدراً أكبر من التناول في البعد السلوكي وغير الاقتصادي هو حقوق الرجل الواجبة على المرأة، وتكاليف النساء، من خلال توسيع دائرة مفهوم ومصاديق التمكين والنشوز. وبناءً على ذلك، إذا قصّرت المرأة في أداء تكاليفها وكانت لا مبالية تجاه زوجها، فإنها تُعدّ في الفقه والقانون مرتكبة للنشوز وإيذاء الزوج. ويشمل هذا الإيذاء في بُعد التمكين الخاص كل ما يتعلق بتمتع الرجل الجنسي من المرأة؛ وبناءً على ذلك، فإن كلاً مما ذُكر، كإهانة الرجل أو الإصرار على نوع معين من المتعة الجنسية يؤدي إلى عدم رضا الرجل وعدم استمتاعه بالعلاقة الجنسية، يُعدّ بشكل ما نشوزاً من المرأة وإيذاءً للرجل.
الفقه المعاصر: هل يمكن اعتبار احتقار الزوج، ومقارنته بالرجال الآخرين، والتهديد بالطلاق، والصراخ والفظاظة والشتم ضده، مصاديق للعنف اللفظي ضد الزوج؟ وما هو الحكم الفقهي لذلك؟
سليمي: يرى الشهيد الأول أن عبوس الوجه في وجه الزوج مقدمة للنشوز، ويرى الشهيد الثاني أيضاً أن الكلام القاسي نوع من العنف في القول ومن مقدمات النشوز، أي تحوّل نمط الكلام من اللين والهدوء إلى القسوة والعنف، وهو أمر مطروح في حق المرأة والرجل كلاهما؛ لكن ما توسّع في العرف القانوني والأخلاقي كان في التطبيق العملي متوجهاً إلى المرأة وخصائصها السلوكية، وفي الواقع فإن نشوز الرجل وإيذاءه لا يشمل سوى عدم دفع النفقة للزوجة، وعدم مراعاة المضاجعة الواجبة في مدة محددة وطويلة، وبكيفيات أقل من ما هو مطروح بشأن المرأة.
الفقه المعاصر: بالنظر إلى أن حالات العنف ضد الرجال (الجسدي واللفظي) من قبل النساء ليست قليلة، فلماذا يُفسَّر العنف في العلاقات الزوجية على أنه عنف الرجال ضد النساء فقط؟
سليمي: إن ما طُرح في مقدمات البحث، إلى جانب المنظور العام للإسلام تجاه الأسرة، يحدّان من موضوع ومفهوم العنف ضد الرجال في بحث الأسرة ضمن محورين:
أولاً: في العقلانية الإسلامية، فإن تنظيم العلاقات في المجتمع، لاسيما الأسرة، إلى جانب الحقوق والتكاليف المشار إليها في الفقه والقانون، مطروح بشكل أكبر ضمن البُعد الأخلاقي وبريادة الوجدان. وأساساً لم تكن نية الإسلام متجهة نحو تضخيم التشريع والتقاضي في شأن الأسرة، بل يُفضّل المصالح الجماعية للأسرة القائمة على التضحية والتسامح على التركيز المفرط على الحقوق الفردية والفردانية الحقوقية المحض.
ثانياً: إن ما يتعلق بحقوق الرجل ورعاية المرأة لحقوقه قد جرى تناوله بالتفصيل وعلى نحو موسّع في الفقه والقوانين الإسلامية، وقد يكون من النادر أن يوجد مصداق سلوكي سلبي من المرأة في العلاقة الزوجية لا يمكن أن ينطبق على الشبكة المعنوية والسلوكية لنشوز الزوجة وإيذاء الزوج. وبناءً على ذلك، فإن التعرض لمفهوم العنف ضد الرجال في العلاقة الزوجية في المنظور الإسلامي والفقهي ليس ابتكاراً جديداً أو أمراً مستحدثاً أو مغفولاً عنه، كما هو الحال في موضوع المرأة. ومع أن العنف والتعدي على حقوق المرأة يُعدّ أمراً منتشراً وواضحاً في ميدان التحولات الاجتماعية، فإن مصاديق العنف ضد الرجال، لأسباب تتعلق بالخصائص الطبيعية والحقوقية الجنسية والجندرية، ليست أمراً منتشراً، ولم تكتسب على مدى التاريخ خاصية الانتشار.
ولعلّ توسّع هذا المفهوم، كما هو الحال في كثير من المفاهيم الاجتماعية والحقوقية للأسرة، بالنظر إلى الزوايا الحتمية للعولمة، يكون تابعاً لتطورات الأدبيات والسياسات الدولية في هذا الموضوع. وينبغي الانتباه إلى أن الأدبيات الغربية في مجال الأسرة والانحرافات المستحدثة التي أوجدتها في بنية وماهية الأسرة وأشكالها، قد أدت إلى إفراغ الأسرة من مفهومها الأساسي بوصفها تجمعاً أساسياً متماسكاً ذا مصالح متشابكة، وأدت غلبة الفردانية على الجماعية القائمة على الأسرة إلى تسليط الضوء بشكل متزايد على الحيّز الفردي والحقوق الفردية للأفراد. وفي هذا الفضاء، يكون المخاطَبون الأساسيون بالنظام الحقوقي والتشريعي، في المرتبة الأولى، هم الأفراد الذين يجب أن تُصان مصالحهم في العلاقة فيما بينهم باستمرار بما يتناسب مع تطورات العصر، وليست الأسرة التي يكون الأفراد فيها منشغلين في المرتبة الثانية بحلّ المسألة من أجل صونها.
بالرجوع إلى الأدبيات الدولية، يبدو أن نشوء فكرة العنف ضد الرجال ذو أساس غربي، يُطرح بوصفه من التوابع الحتمية للأشكال الجديدة للأسرة، وشيوع نظرية الجندر، والمقولات المنبثقة عن الثورة الجنسية كالسيولة الجنسية والجندرية. وعلى هذا الأساس، يبيّن التدقيق في التقارير والدراسات أيضاً أن العنف ضد الرجال أو العنف المنزلي ضد الرجال من قبل الزوج أو الزوجة أكثر شيوعاً في الأسر التي يكون فيها الشريك الجنسي أو الزوج من نفس الجنس مقارنة بالعلاقات المغايرة جنسياً، وأن الرجال الذين يقعون ضحية عنف رجال آخرين لا يزالون أكثر من الرجال الذين يقعون ضحية عنف نساء. وفي هذه الوثائق، يُعدّ التوجه الجنسي للرجل وتعرّض هذا التوجه للتحقير والهجوم من جانب الشريك الجنسي أو الزوج من أكثر المفاهيم تكراراً في الشبكة المفهومية للعنف ضد الرجال. لهذا السبب، حتى في النموذج الغربي للتعامل مع بنية الأسرة ومحتواها، حيث يشهد العنف وتوسّع دائرة التقاضي في العلاقات الأسرية تصاعداً حاداً، فإن نسبة تعرض النساء للعنف المنزلي لا تُقارن بنسبة انتشاره بين الرجال. إلى حدّ أن الإحصائيات تُبيّن أن امرأة واحدة تقريباً من كل أربع نساء منذ سن الخامسة عشرة تتعرض للعنف من الشريك الحميم أو الزوج، مقارنة برجل واحد من كل ثلاثة عشر رجلاً.
وبناءً على ذلك، فإن الأدبيات الدينية والفقهية تحدثت بما فيه الكفاية عن حدود ومعنى التمكين والنشوز، بوصفهما وجهاً من الإفراط والتفريط المُخِلّ بالسكينة في الأسرة، وله وجوه حقوقية، وإضافة وجوه أحدث أو تشديد هذه الأدبيات ينبغي أن يكون له أسباب سياقية خاصة لم نتورط بها في الثقافة الإيرانية والإسلامية في بعض الأحيان.
الفقه المعاصر: ما هي أوجه الحماية التي كُفلت في الفقه والحقوق الإسلامية للرجل الذي يقع ضحية عنف الزوجة؟
سليمي: يبدو أن الإسلام لم يقم على التدخل الأقصى في الأسرة والحيّز الفردي لأفرادها، لكي تُحلّ المسائل عبر الآليات الأخلاقية للأسرة؛ وبناءً على ذلك، فإن الدولة الإسلامية لا تملك لنفسها حقّ ممارسة السلطة إلا في مصاديق العنف المُسمّاة نشوز الزوجة والفعل المُفرِط أو المُفرَّط المؤدي إلى الإيذاء، وليس لها حق التدخل في الحالات التي تُعدّ من مقدمات العنف. وبعبارة أخرى، هذا هو موضع الاختلاف بين الفكر الإسلامي والغرب؛ لأن الغرب، بناءً على الأسباب التي جرى التعرّض لها، يعتقد وبالطبع يحتاج إلى التدخل الحقوقي في جميع أنواع السلوكيات التي تُعدّ في العالم الجديد عنفاً.
ومع هذه التفسيرات، فإنه كلما رجعنا إلى الفقه والحقوق الإسلامية والقوانين، نجد أن وزن الرعاية لحقوق الزوج في مقابل تعدي الزوجة أكبر، وأن آلية النشوز حدّدت مصاديق كثيرة للإفراط والتفريط من جانب الزوجة تجاه الزوج. وما يُطرح بشأن العنف ضد الرجال ومصاديقه يمكن عموماً تتبعه في هذه الدائرة.
وما هو مطروح بشكل عام ومتبادل ورد في المادة ١١٠٣ من القانون المدني على النحو التالي: «الزوج والزوجة مُلزمان بحُسن المعاشرة فيما بينهما.» ويشمل حُسن المعاشرة المذكور في هذه المادة عموماً: التسامح عن أخطاء كل منهما، والاحترام المتبادل وحُسن الخُلق تجاه الآخر، والتجنب عن ذمّ الآخر وذكر عيوبه عند الغير، وأداء حق التمتع الجنسي، والتعاون والتشاور فيما بينهما في شؤون الحياة. أو ما يُطرح بشأن الإهانة وانتهاك الكرامة المتبادلة في العلاقات الاجتماعية والأسرية، والذي يمكن تتبعه بشكل يتجاوز الجنس والجندر. فمثلاً، تُعدّ المادة ٦٠٨ من قانون العقوبات الإسلامي، من الجرائم التعزيرية (هتك حرمة الأشخاص جريمة لم يُحدد الشرع لها عقاباً معيناً) ومن حقوق الناس، وتخضع للعقاب بموجب القانون. وفي هذه المادة، بيّن المُشرِّع بوضوح أن الشتم واستخدام الألفاظ البذيئة يُعدّ إهانة، وأي مصداق آخر يقع في هذا النطاق يُعدّ عنفاً. وتنص هذه المادة على أن إهانة الأفراد، كالشتم واستخدام الألفاظ البذيئة، إن لم تبلغ حدّ القذف (اتهام الآخر بارتكاب جريمة الزنا أو اللواط)، تكون عقوبتها الجلد حتى ٧٤ جلدة أو غرامة نقدية من خمسين ألف إلى مليون ريال. ومع ذلك، إذا تضمنت الإهانة ألفاظاً ونسباً غير لائقة (زنا أو لواط) ولم يستطع مرتكبها إثبات صحتها أمام المحكمة، يُحكم عليه وفقاً للمادة ٢٥٠ من قانون العقوبات الإسلامي بـ٨٠ جلدة.
أما بخصوص حقوق الزوج ومراعاتها من جانب الزوجة، فقد وضع المُشرِّع، من خلال توسيع مفهومي النشوز والتمكين في القوانين، ضمانات تنفيذية للسلوكيات المؤذية من المرأة. وقد جرى التعرض لهذه الضمانات ضمن ثنائية التمكين (العام والخاص) والنشوز.
إن الضمانة التنفيذية المباشرة لعدم تمكين الزوجة في الفقه والقوانين الإسلامية هي حرمان المرأة من حق النفقة؛ وهو أمر مورد إجماع فقهاء الشيعة والسنة. وقد نصّت المادة ١١٠٨ من القانون المدني على هذا الحكم بشكل صريح، بحيث يكون أثر سوء معاشرة المرأة هو حرمانها من النفقة. فإذا لم تسكن المرأة في المنزل الذي هيّأه الزوج، أو خرجت من المنزل بدون إذنه أو رضاه، أو كانت لها صداقات وعلاقات غير متعارف عليها، أو لم تُرضِ زوجها جنسياً، فإنها تُعدّ ناشزة. بل يمكن للرجل، بموجب المادة ١١١٧ من القانون المدني، أن يمنع زوجته من ممارسة مهنة تتعارض مع مصلحة الأسرة.