إشارة: یمکن اعتبار حجة الإسلام والمسلمین سید محمدعلی إیازی من الرواد فی تحویل حق الکرامة إلى قاعدة فقهیة. تألیف کتاب «أصل الکرامة کمقاعدة فقهیة» من قبله، إلى جانب مقالات ومحاضرات وحوارات أخرى قام بها حول هذا الحق وآثاره الفقهیة، جعله أحد السباقین فی تثبیت هذا الحق فی منظومة الفقه الشیعی. بهذه المناسبة، تحدثنا معه حول ماهیة وأبعاد هذا الحق. وقد فرّق بدقة بین هذا الحق والحقوق الأخرى مثل حق العدل والإحسان، ویعتبر الأول خاصاً بالإنسان والثانی شاملاً لجمیع المخلوقات. وهو یصر على أن هذا الحق لا یختص بالمؤمنین، بل یشمل جمیع البشر حتی المخالفین والکافرین والأعداء. نص الحوار الخاص لفقه معاصر مع هذا الأستاذ والباحث فی الحوزة العلمیة فی قم کما یلی:
فقه معاصر: ما هو حق الکرامة وما أبعاده؟ هل هذا الحق خاص بالبشر أم یمکن تصوره للحیوانات أیضاً؟
أیازی: الکرامة یمکن أن یکون لها أساسان ورکنان؛ الأول دینی ومستند إلى النقل فی القرآن الکریم والروایات، وهو ما طرحوه عقلاً عبر الأزمنة؛ والثانی ما طرح من القرن الرابع عشر متأثراً بثقافة الأدیان حول المکانة التی طرحت بشأن شخصیت الإنسان. جمیع ذلک نابع من المعارف التی طرحت فی القرآن الکریم. فی القرآن الکریم، الکرامة مطرحة على نحو عام بصورة «لَقَدْ کَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ». هذا الأمر لم یُذکر صراحةً بشأن الخلائق الأخرى. کما أن العدل والإحسان مطرحان فی مکان آخر بشأن الحیوانات. حتی عندما یتحدث عن ذبحها، یقول: أنزیهوا ذبحکم بصورة حسنة وجمیلة؛ لذا فی القرآن الکریم، مسألتان مطرحتان؛ إحداهما حق کرامة الإنسان، وتعلمون أن هذا الحق فی کثیر من المواضع التی ذُکر فیها فی القرآن قد حوّله فقهاؤنا إلى أصل. رأینا هو أن حق الکرامة خاص بالإنسان، ومستوى هذا الحق مختلف عن الخلائق الأخرى. النقطة الأخرى، العدل والإحسان، اللذان لا یختصان بالإنسان.
فقه معاصر: هل حق الکرامة من حقوق الإنسان أم حقوق المواطنة؟ کما أن حق الکرامة، هل هو حق طبیعی أم تعاقدی؟ ثالثاً، ما الاختلافات التی یترتبها اختیار کل من هذین الجوابین؟
أیازی: أصل الکرامة حق إنسانی وبشری. هذا الأصل فی القرآن الکریم جاء بتعبیر الإنسان، بل بتعبیر بنی آدم. العلامة الطباطبائی یقول إن هذا الحق ذاتی؛ أی متعلق بطبیعة وذات الإنسان. النقطة التی تستحق الاهتمام فی هذه المسألة هی أنه لم یقل: «لَقَدْ کَرَّمْنَا الْمُؤْمِنِینَ» أو «الْمُوَحِّدِینَ»، حتی کلمه الإنسان لا یقولها؛ بل یقول «بَنِي آدَمَ» الذی یدل على ثبوت هذا الحق لکل من یصدق علیه عنوان آدم. هذا التعبیر یدل على ذاتیة هذا الحق وهو معلل؛ لأنه عندما یکون الإنسان خلیفة الله على الأرض، وعندما یکون مسجود الملائکة: «اسْجُدُوا لِآدَمَ»، وعندما یقر له بحق الحیاة کما فی الآیة «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَکَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِیعًا وَمَنْ أَحْیَاهَا فَکَأَنَّمَا أَحْیَا النَّاسَ جَمِیعًا» التی شبهت إحیاء إنسان واحد بإحیاء جمیع الناس، وعندما فی آیات أخرى بتعبیر «أَحْسَنَ الْخَالِقِینَ»، ینادیه مخلوقاً لم یُخلق مثله؛ هذه الأمور تدل على أن هذا الحق متعلق بذات الإنسان ولیس أمراً تعاقدیاً. هذا الحق ذاتی؛ حتی قیل إنه یشمل المجرمین والقاتلین أیضاً. الشهید مطهری یستفید من قصة تعامل الإمام علی (علیه السلام) فی فراش الشهادة بعد الضربة فی مسجد الکوفة مع ابن ملجم، أن ابن ملجم، مع أنه سجین وقاتل وجان، إلا أن أمیر المؤمنین أعطاه حقه الإنسانی الذاتی. الکرامة لها آثار أخرى، مثلاً بسبب کرامة الإنسان، لا یجوز سلب عرض إنسان، أو التهمة علیه، أو الکذب علیه، أو تعذیبه أو مثله؛ کما کان النبی الأکرم (ص) یقول فی الحروب: لا تمثلوا بالأفراد.
فقه معاصر: ما هي الأدلة التی یمکن إثبات حق الکرامة الإنسانیة بها، وهل آثار کل دلیل مختلفة عن الدلیل الآخر؟
أیازی: فقهاؤنا فی استنباطاتهم الفقهیة لهم منهج، وبناءً علیه یستخدمون الکتاب والسنة والسیرة والعقل لاستنباط الأحکام، وبنحو تجمیع القرائن والشواهد یستنبطون الحکم الفقهی. لکن هنا، إثبات حق الکرامة بالآیة الکریمة له اختلافات واضحة مع إثباته بباقی الأدلة. مثلاً هذه الآیة تثبت حق الکرامة لجمیع البشر حتی المخالفین فی الرأی. بعض الحقوق الأخرى تنبع من هذا الحق؛ مثلاً نفی الشتم للأعداء فی الآیة «لَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ»، نابع من حق الکرامة هذا الذی موجود حتی لأعداء الإسلام. الإمام علی (ع) أیضاً عندما شاهد شتائم جنوده للأعداء قال: «إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تَكُونُوا… سَبَّابِينَ». عندما یطرح القرآن هذا الکلام، یرید حل هذا الأمر من منظار إلهی وقدسی. المثیر للاهتمام أن القرآن تحدث عن الکرامة بطریقتیں: مرة یقول عبارت «لَقَدْ كَرَّمْنَا…» ومرة أخرى فی مکان آخر یقول عبارت «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ». هذا یدل على أن المؤمن له مکانة أخرى وأعلى، لکن هذا لا یعنی أن بنی آدم لیسوا مستحقین لحق الکرامة. أحد فروع حق الکرامة هو حقوق المواطنة. هذه الحقوق لیست فقط للمؤمنین، بل للمخالفین والکافرین وحتی للأعداء أیضاً. الآیة «لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا» فی هذا السیاق؛ أی حتی أمام العدو لا یجب الخروج عن حد العدل. بشأن المخالفین والمخالفین فی الرأی قیل إنه إذا لم یحاربوکم فتعاملوهم بحسن: «أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا». هذه آثار یترتبها حق الکرامة بإثباته القرآنی.
فقه معاصر: هل الکرامة أمر توقیفی یجب أن یبیّنه الشارع أم أمر عرفی یحدد مصادیقه العرف؟
أیازی: أن حق الکرامة جاء فی الشرع أمر مسلّم؛ لکن هل هذا یعنی أنه توقیفی أم أنه إرشاد إلى المعنى العرفی نفسه؟ ما یُستفاد من ظاهر الأدلة هو أن الآیة تخبر عن کرامة معروفة عند الناس، لذا لیست أمراً تعبدیاً وتوقیفیاً. بشأن الآیة «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» قیل أیضاً إن الأمر فیه إرشادی لا مولوی؛ أی أن طاعة الناس لأولیائهم أمر لو لم یقل الشارع کان مفهوماً عند الناس أیضاً. حق الکرامة کذلک، ولو لم یقل الله تعالى کان مفهوماً لدینا، لذا هو إرشاد إلى حکم درک بالعقل.
فقه معاصر: ما الفرق بین حق الکرامة کمق حق مواطنة وحق الکرامة کمق قاعدة فقهیة؟
أیازی: عندما نتحدث عن حق، طبیعیاً هناک من یطالب بهذا الحق. إذا ذهبتم إلى مکان وأردتم إیقاف السیارة، فهو حقکم ویمکنکم منع الآخر من الإیقاف مکانکم ویمکنکم مطالبة مکان الإیقاف الخاص بکم. لکن کثیراً ما نستنبط شیئاً کمق حق ویمکننا اعتباره قاعدة أیضاً؛ مثلاً قاعدة الید تقول إن ما فی یدی ملک لی، وقد حوّل الفقهاء هذا الأصل إلى قاعدة. أصل الکرامة أیضاً حق، لکنه فی الوقت نفسه فُهم کمق أصل وقاعدة. هکذا یصبح الکرامة قاعدة ویمکن أن تکون مؤثرة فی خمسة مواضع فی الفقه. إذا راجعتم کتابی ستجدون هذه المطالب جیداً.
