ملاحظة: إن التعارض بين الظاهر والأصل، وإن كان قابلاً لتشخيص المصاديق في كافة أبواب دانش الفقه، إلا أنه يكتسب أهمية مضاعفة في باب القضاء. ففي القضاء، يُعد أصل تقديم الأصل على الظاهر أو العكس موضع نزاع ونقاش، كما يُثار التساؤل عما إذا كان المراد بالأصل هو الأصل العقلائي أم الأصل الشرعي؟ فإذا قائلنا بتقديم الظاهر على الأصل، ألا يصبح الدين عرفياً وظاهرياً؟ وإذا قدمنا الأصل على الظاهر، ألا تميل الأحكام القضائية نحو عدم العقلانية؟ هذه الأسئلة وغيرها تُطرح حول التعارض بين الأصل والظاهر في باب القضاء. يعتقد حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد علي فقيهي، أستاذ البحث الخارج في الفقه والأصول بحوزة قم العلمية، أن القاعدة الأولية تقوم على تقديم الأصل على الظاهر إلا في الموارد التي تعبدنا الشارع فيها بخلاف ذلك. وهو في الوقت ذاته، يرى أن تقديم الظاهر على الأصل هو حكم سائد في جميع المدارس الحقوقية وليس فقط في المدرسة الحقوقية الإسلامية. وفيما يلي تفاصيل الحوار الخاص لـ “الفقه المعاصر” مع أستاذ البحث الخارج في الفقه والأصول بحوزة قم العلمية:
الفقه المعاصر: ما المراد بالظاهر والأصل في التعارض بينهما؟
فقيهي: المراد بالأصل هو الأصل العملي. والمراد بالظاهر هو مقتضى العبارة أو تلك الحالة المقترنة بالقرائن التي تلازمها. فإذا وافق الظاهرُ الأصلَ، فلا مجال للبحث هنا. أما إذا خالف الظاهرُ الأصلَ، فهنا يطرح البحث حول أيهما يقدم على الآخر؟ يطرح البحث في تقديم أو عدم تقديم الظاهر على الأصل في موضعين: أحدهما في باب القضاء والآخر في باب الدعاوى. أما في غير هذين الموردين، فدائماً ما نرجع إلى الأصل ولا نعتد بالظاهر، إلا إذا قام دليل خاص على تقديم الظاهر على الأصل. فعلى سبيل المثال في باب الصلاة، إذا شككنا بعد الصلاة في أننا أتينا بالركعة الثالثة أم لا، فمع أن الأصل هو عدم الإتيان ويجب إعادة الصلاة من جديد، إلا أن الشارع قال إن الشك بعد الفراغ من الصلاة لا اعتبار له، ولذا نتمسك بظاهر حال المصلي الذي هو الإتيان بالصلاة صحيحة، ولا نلتفت إلى أصل عدم الإتيان. وفي موارد قاعدة التجاوز الأمر كذلك، حيث قدم الشارع تعبداً الظاهرَ على الأصل. مثلاً، إذا شك المكلف وهو في السجود في أنه أتى بالركوع أم لا، فمع أن الأصل العملي يقتضي عدم الإتيان بالركوع، إلا أن الشارع بجعله قاعدة التجاوز كلفنا بعدم الاعتداد بالشك والبناء على ظاهر حال المصلي وهو الإتيان بأجزاء الصلاة صحيحة. هذا في حين أن مقتضى الأصل العملي “الاستصحاب” هو البناء على الحالة السابقة وهي عدم الإتيان بالركوع.
أما في الموارد التي لا يوجد فيها دليل خاص على تقديم الظاهر على الأصل، فإننا نعمل بمقتضى الأصل العملي.
والبحث في تقديم الظاهر على الأصل في باب القضاء واضح. أما في مورد الدعاوى، فالبحث يكمن في قولهم إن المدعي هو من يخالف قولُه الأصلَ؛ وهذا يعني أنه يجب العمل وفقاً للأصل ما لم يقم المدعي دليلاً بخلاف الأصل. لذا فإن المنكر الذي يوافق قولُه الأصلَ لا يلزمه تقديم دليل على دعواه، وإنما المدعي هو الملزم بتقديم الدليل بمقتضى أن قوله يخالف الأصل، وإلا رُدَّ قوله وأُعطي الحق للمنكر. مثلاً، إذا ادعى شخص نشأ في بيئة إسلامية وشرب الخمر في المحكمة أنه لم يكن يعلم بحرمة شرب الخمر وجريان الحد على شاربه، فهنا الظاهر هو اطلاعه على هذا الحكم وإن كان الأصل هو عدم اطلاعه. وفي هذه الموارد، قدم الشارع استثناءً الظاهرَ على الأصل وحكم بجريان الحد عليه. وبالعكس أيضاً، إذا شرب الخمر شخص نشأ في بيئة غير إسلامية وادعى عدم علمه بالحرمة وجريان الحد، فإنه يُحكم وفقاً لهذا الظاهر؛ وإن كان مؤدى الظاهر في هذا المورد يتحد مع الأصل. مثال آخر في حالة ادعاء رجل بأن فلانة هي زوجته، وتدعي أخت تلك المرأة أيضاً أنها زوجة هذا الرجل. هنا إذا كان الزواجان صحيحين فإنه يؤدي إلى الجمع بين الأختين وهو أمر غير ممكن. فإذا وقع الدخول، يُحكم وفقاً للظاهر وتُعتبر المدخولة هي الزوجة الشرعية للرجل، في حين أن الأصل هو عدم الزوجية.
الفقه المعاصر: هل تقديم الظاهر على الأصل يعني تحول الدين إلى العرف والظاهرية؟
فقيهي: لو كنا نقدم الظاهر على الأصل دائماً، لربما نشأت هذه الشبهة بأن الدين قد أصبح عرفياً وظاهرياً. ولكن الأمر ليس كذلك، بل يُحكم بتقديم الظاهر على الأصل فقط في الموارد التي يوجد فيها دليل خاص على ذلك. وهذه الموارد يجب على القاضي المجتهد استنباطها من الأدلة؛ وإذا لم يكن القاضي مجتهداً كالقضاة المعاصرين، فيجب عليه العمل وفقاً للقانون المدون المستمد من فتاوى المجتهدين.
الفقه المعاصر: في حال اعتبرنا المراد بالأصل هو الأصول العقلائية، فهل يقدم الظاهر على الأصل أيضاً في حال التعارض؟ وما الدليل على ذلك؟
فقيهي: المراد بالأصل هو الأعم من الأصل الشرعي والعقلائي، ولا يختص بالأصول العقلائية. فإذا كان الأصل شرعياً وكان لدينا دليل على تقديم الظاهر على الأصل، عملنا وفقاً لذلك الدليل. أما إذا كان الأصل عقلائياً، فليس من المعلوم إمكانية التفكيك بينه وبين الظاهر؛ لأنه من المستبعد أن يكون للعقلاء في مورد واحد حكمان متفاوتان.
الفقه المعاصر: هل يوجد تقديم الظاهر على الأصل في سائر المدارس الحقوقية الأخرى؟
فقيهي: إن الدليل الذي يوجب تقديم الظاهر على الأصل هو قوته العقلائية، وهذه القوة لا تختص بالمدرسة الحقوقية الإسلامية، بل هي كذلك في جميع المدارس الحقوقية؛ وبناءً عليه، وبما أن دليل تقديم الظاهر على الأصل هو قوته العقلائية، فلا يمكن لأي مدرسة حقوقية أن تقرر خلاف ذلك. طبعاً، قد توجد تباينات واختلافات بين المدارس الحقوقية في مصاديق الظاهر والأصل، ولكن لا يوجد اختلاف في مبدأ تقديم الظاهر على الأصل.
