إشارة: حجة الإسلام والمسلمين الدكتور مجيد رضائي، المولود عام ١٣٣٩ هـ.ش. في آبادان، يُعد من أبرز أساتذة الاقتصاد الإسلامي. عضو هيئة التدريس في قسم الاقتصاد بجامعة المفيد، بالإضافة إلى التدريس والبحث، هو عضو اللجنة الفقهية للبورصة. وقد ألف في السنوات الأخيرة العديد من المؤلفات حول الاقتصاد الإسلامي، منها كتب «التأمين (البيمه)»، و«العمل والدين»، و«محاضرات فقهية في كتاب الربا». أجرينا معه حوارًا حول التحديات الفقهية لمردمة الاقتصاد. ويرى أن أساس الاقتصاد هو عدم تدخل الدولة، وإذا فهمنا مردمة الاقتصاد بمعنى عدم تدخل الدولة، فإن لزومها واضح وبديهي. وفيما يلي نص الحوار الخاص الذي أجرته «فقه معاصر» مع عضو المجلس الفقهي للبنك المركزي:
فقه معاصر: هل يمكن مردمة الاقتصاد أساسًا مع النهج الحد الأدنى في الفقه؟
رضائي: الحقيقة أننا لا نملك فقهًا حد أدنى وفقهًا حد أقصى. الفقه هو الفقه. وإن اختلفت الاستنباطات. قد يفهم أحدهم هذا السؤال بطريقة مختلفة. في مسائل العبادات، نحن توقيفيون تمامًا، لذا يمكن القول إن نهجنا في الفقه في باب العبادات هو نهج حد أقصى تمامًا. أما في القسمين الآخرين وهما المعاملات (العقود والإيقاعات) والجزائيات (الحدود والديات)، فيجب النظر في معنى الحد الأدنى والحد الأقصى. ما يمكن قوله هو أن النصوص الواردة في هذه الأبواب مثل «أوفوا بالعقود» و«تجارة عن تراضٍ»، جُعلت جميعها قضايا حقيقية، وبالتالي تشمل كل العصور.
أما فيما يتعلق بمردمة الاقتصاد، فيجب القول إن هذا المصطلح حديث العهد وقد جُعل في السنوات الأخيرة. أحيانًا يُقصد بمردمة الاقتصاد أن يُدار الاقتصاد بطريقة كومونية أو اشتراكية؛ كما في اقتصاد دول مثل فرنسا والاتحاد السوفييتي والسويد.
وأحيانًا يُقصد بالمردمة، ملكية الشعب لجميع الأموال. فعلى سبيل المثال، اقتصاد الصين من حيث الملكية دولي، لكنه من حيث التنفيذ يُدار من قبل القطاع الخاص.
لكن وفقًا لكلا المعنيين، لا علاقة لمردمة الاقتصاد بقبول فقه حد أدنى أو فقه حد أقصى، ويمكن الالتزام بها وفق كلا النهجين في الفقه.
بالطبع يجب الانتباه إلى أنه إذا كانت مردمة الاقتصاد تعني تدخل الدولة بحد أدنى في الاقتصاد وتفويض الاقتصاد للشعب، فهذا أمر صحيح تمامًا. أساسًا قاعدة الاقتصاد هي عدم تدخل الدولة. وبالطبع في الإسلام أُكد على ضرورة إشراف الدولة، لكن الاقتصاد يجب أن يديره الشعب لا الدولة. وفي حالات مثل منع الاحتكار أو إضاعة حقوق العمال والمزارعين، يجب على الدولة التدخل. وفي رواية عن النبي الأكرم (ص) أنه قال لأمير المؤمنين علي (ع): لا تُظلم الناس أمامك؛ وهذا يدل على ضرورة المراقبة لحقوق الناس وعدم إضاعتها.
فقه معاصر: هل يمكن لعلم الفقه الذي يرى رسالته أمرًا أخرويًا (التنجيز والتعذير) أن يقدم نظرية أو نهجًا مثل «مردمة الاقتصاد» لتحسين اقتصاد الناس في الدنيا؟
رضائي: لم يقل أحد إن رسالة علم الفقه أمر أخروي. لا شك أن الدنيا والآخرة متتابعتان لا متعارضتان. الدين لديه برنامج للآخرة ولدنيا الناس معًا. حتى الأحكام العبادية ليست لها وظيفة أخروية فقط، بل تعزز إيماننا لمواجهة مشكلات الدنيا في الدنيا نفسها. لم يقل أحد في التاريخ إن الإسلام يعارض الحكومة وإدارة شؤون دنيا الناس. فقط في العصر الحديث في أوروبا جاء قوم وأبعدوا الدين، وظن بعضهم أن القرآن يقول الشيء نفسه. بينما الأوامر الاجتماعية في القرآن أكثر من الأوامر الفردية، وأساسًا من ينجح في الآخرة هو من عمل جيدًا في الدنيا.
فقه معاصر: من لوازم تشجيع الناس على الاستثمار في الاقتصاد والإنتاج، الاعتراف بـ«الحقوق المعنوية» في علم الفقه. هل مع الرأي المشهور لدى الفقهاء بعدم قبول الحقوق المعنوية مثل حق النشر (كوبي رايت) وغيره، هل يمكن مردمة الاقتصاد أساسًا؟
رضائي: موضوع الحقوق المعنوية يحتاج إلى بحث كثير ولا يُثبت بسهولة. على مدار التاريخ، إذا كتب أحدهم كتابًا ونسخه آخر، لم يعترض عليه أحد؛ بل كان الكاتب أحيانًا يفرح بأن كتابه لاقى اهتمام الآخرين.
مسألة الكوبي رايت أساسًا ظهرت مع ظهور آلة الطباعة. حتى أولئك مثل الإمام الراحل وآية الله الصافي الكلبايگاني الذين لا يقبلون هذا الحق، إذا كان الحق قانونيًا، يقبلونه من باب لزوم العمل بالقانون؛ لذا يبدو أن الفقهاء يقبلون حق الكوبي رايت إما ابتدائيًا أو ثانويًا (من باب لزوم العمل بالقانون).
فقه معاصر: من لوازم تشجيع الناس على الاستثمار في الاقتصاد، المواجهة الجادة للفساد والريع. مع فتوى مشهورة لدى الفقهاء بعدم حرمة الرشوة في غير القضاء وعدم حرمة الريع المعلوماتي، هل يمكن مردمة الاقتصاد أساسًا؟
رضائي: أن استخدام الريع المعلوماتي غير حرام محل بحث. مجالس إدارة الشركات والمسؤولون الوطنيون، وفقًا للعقود والقوانين الموجودة، ملزمون بحفظ أسرار ووثائق الشركة والجهة التي يديرونها، لذا إذا باعوا هذه المعلومات فهو إشكال. وبالطبع إذا وصلت هذه المعلومات إلى أحدهم دون قصد، فلا يُعلم إن كان فيه إشكال. على أي حال، بحث حرمة الرشوة المطلقة والريع المعلوماتي يحتوي على مباحث كثيرة.
فقه معاصر: من لوازم تشجيع الناس على الاستثمار في الاقتصاد، المواجهة الجادة لمخالفة القانون والتخلف عنه. مع فتوى مشهورة لدى الفقهاء بعدم حرمة مخالفة القانون مطلقًا وتقييدها بقيود مختلفة مثل حرمة المخالفة إذا أضرت بالمخالف أو حرمة المخالفة إذا وافق القانون فتوى أحد الفقهاء، هل يمكن مردمة الاقتصاد أساسًا؟
رضائي: لزوم العمل بالقوانين أمر واضح، وبعيد أن يعارضه فقيه. نحن جميعًا ملزمون بقبول القوانين التي تُجعل ما دامت لا تخالف الشرع صراحة. يقول أمير المؤمنين (ع): نحن جميعًا مكلفون بمراعاة النظام الاجتماعي.
فقه معاصر: هل نحتاج لمردمة الاقتصاد إلى فقه حكومي أو فقه اجتماعي؟
رضائي: ليس لدينا في الإسلام فقه فردي. مجرد أن الإسلام يحتوي على أحكام اجتماعية وحكومية، يدل على أن فقهنا اجتماعي وحكومي. ومن الطبيعي أن مردمة الاقتصاد تحتاج إلى فقه اجتماعي وحكومي؛ لكن الكلام هنا أن فقهنا هو كذلك بالفعل، لا أنه يجب أن يكون كذلك.
