إشارة: الأصول العملية في كتب علم أصول الفقه، عادة ما تُبحث بشكل عام ومجرد عن كل باب فقهي يُطبق فيه، مما يؤدي إلى عدم مناقشة الفروق المحتملة في كيفية جريان هذه الأصول في الأبواب الفقهية المختلفة. حجة الإسلام محمدجواد أحمدخاني، أستاذ السطوح العالية في حوزة قم العلمية، في هذه المذكرة الخاصة، بيّن ماهية الأصول العملية ووظيفتها وتحديات تطبيقها في الفقه والقانون الجنائي.
في دراسة العلاقة بين الفقه والقانون الجنائي مع الأصول العملية، يجب التفريق بين «الأساس والماهية» للأصول العملية وبين «نطاق وكيفية التنفيذ» لها. من حيث «الأساس والماهية»، فإن الأصول العملية (البراءة، الاستصحاب، التخيير، والاحتياط) قواعد عامة شاملة تجري في جميع أبواب الفقه، ولا تختص بباب معين. جوهر هذه الأصول هو تحديد واجب المكلف في حالة الشك وعدم الوصول إلى دليل قطعي. هذه الحالة من الشك، كما تتصور في المسائل العبادية أو المعاملات، تحدث أيضاً في المسائل الجنائية.
لكن الفرق الأساسي يظهر في «كيفية وشدة التنفيذ» و«الروح الحاكمة على التطبيق». الشارع المقدس في مجال الدماء (الأرواح)، والأعراض (الأعراض)، والحقوق الجنائية عموماً، أبدى حساسية أعلى بكثير. هذه الحساسية تجعل بعض الأصول العملية تُطبق في هذا المجال بقوة وتأكيد أكبر، بل وضعت قواعد فقهية خاصة لتعزيزها.
على سبيل المثال، «أصل البراءة» الذي يجري في جميع الأبواب، في الحقوق الجنائية يُعرف بـ«أصالة الإباحة» أو «قبح العقاب بلا بيان»، ويُتابع بجدية أكبر، ويُترجم إلى «افتراض براءة المتهم». هذا الأصل هنا يُعزز ويُدعم بالقاعدة المشهورة «ادرءوا الحدود بالشبهات» (ادفعوا الحدود بالشبهات)؛ لذا يمكن القول إن الفقه الجنائي لا يملك أصولاً عملية خاصة تختلف في الماهية، لكنه يتمتع بمنهج خاص في إعمال هذه الأصول ناشئ عن أهمية موضوعه. الفرق ليس في «النوع»، بل في «الدرجة» و«الشدة» في التنفيذ.
الأصول العملية الأكثر تطبيقاً في الفقه الجنائي
بناءً على المقدمة المتقدمة، فإن الأصول والقواعد الأكثر تطبيقاً وتأثيراً في هذا المجال هي:
أصل البراءة: هذا الأصل هو جوهرة الأصول العملية في الحقوق الجنائية. مفادُه أنه ما لم يثبت جرم شخص بدليل قطعي وبدون أي شبهة معقولة، يُفترض براءته. كامل عبء إثبات الدعوى على عاتق المدعي (المدعي العام)، والمتهم لا يحتاج إلى إثبات براءته.
قاعدة الدرء: كما أُشير، هذه القاعدة المستندة إلى روايات متعددة، تعمل عملياً كذراع تنفيذي لأصل البراءة. توجب على القاضي، في حال وجود أي شبهة أو تردد في وقوع الجرم أو نسبته إلى المتهم، الحكم لصالح المتهم وتجنب إصدار حكم العقوبة. هذه القاعدة واسعة الانتشار إلى حد أن بعضهم رفعها من قاعدة فقهية محضة إلى مبدأ يحكم النظام الجنائي الإسلامي كله.
أصل الاستصحاب: له تطبيق أيضاً، وإن كان أقل من أصل البراءة. مثلاً، إذا شككنا في أهلية شخص لتحمل العقوبة (كالشك في البلوغ أو العقل)، نستصحب حالته السابقة (الطفولة أو عدم الجنون) ونحكم بعدم المسؤولية الجنائية، ما لم يثبت الخلاف.
أصل الاحتياط: النقطة المهمة جداً في هذا الأصل أن اتجاه تنفيذه في الحقوق الجنائية ينعكس. في العبادات، الاحتياط يعني فعل العمل الذي يبعدنا عن العقوبة المحتملة (كقراءة الصلاة الكاملة في السفر)؛ أما في الحقوق الجنائية، خاصة في باب الدماء والأعراض، فالاحتياط في «ترك العقوبة»؛ أي إذا وجد شك، يوجب الاحتياط عدم معاقبة الشخص خشية إراقة دم أو إهدار عرض بريء.
إثبات العقوبات الدنيوية بالأصول العملية
يظن بعضهم أن بالأصول العملية الشرعية التي أساسها إنشاء العذر عند الشارع، يمكن إثبات العقوبات الدنيوية؛ لكن الجواب على هذا الظن، بقطع، «سلبي». هذا خطأ فادح في فهم فلسفة وجود الأصول العملية. الأصول العملية أدوات لـ«رفع المسؤولية» في مقام الشك، لا لـ«إنشاء المسؤولية». وظيفتها إنشاء المعذورية للمكلف أمام الله (الجانب التعبدي). إثبات الجرم والعقوبة الدنيوية يحتاج إلى أدلة إثباتية يقينية (كالبينة، الإقرار، وعلم القاضي القطعي) التي تنجز المسؤولية على عاتق الشخص (الجانب التنجيزي). الأصول العملية تأتي بالضبط حيث لا توجد مثل هذه الأدلة أو هي ناقصة. لا يمكن استخدام أداة صُممت للدفاع وإنشاء درع للمتهم، كسيف لإدانته. بعبارة أخرى، الأصول العملية يمكنها «نفي» جرم، لكنها لا تستطيع أبداً «إثبات» جرم.
هل الأصول العملية متعلقة بالماضي فقط؟
هذا التصور بأن الأصول العملية مجرد متعلقة بالماضي، ناشئ عن نظرة سطحية لهذه القواعد. صحيح أن تقدم العلوم الجنائية مثل علم الوراثة، وبصمات الأصابع، والطب الشرعي، قد ضيّق دائرة «الشك» بشكل كبير، وقربنا من «الواقع». هذه التقدمات ليست مرغوبة فحسب، بل من المنظور الفقهي واجبة الاستخدام لكشف الحقيقة ومنع إضاعة الحقوق.
لكن هذه العلوم لا تسقط الأصول العملية من الاعتبار، بل تجعل «موضوع» الرجوع إليها أكثر تحديداً ومحدودية. الأصول العملية تُطبق حين يوجد «شك». هذا الشك يمكن أن يكون له أسباب متعددة:
شك في اعتبار الدليل العلمي نفسه: أحياناً يوجد تردد في قطعية نظرية علمية أو خطأ بشري في المختبر.
شك في تطبيق الدليل على المتهم: قد يكون هناك بصمة لشخص في مسرح الجريمة، لكن نشك في أنها تعود إلى وقت الجريمة أو قبلها.
شك في العنصر النفسي للجريمة: العلوم التجريبية يمكنها إثبات وقوع فعل فيزيائي (كإطلاق رصاصة)، لكن إثبات «القصد والنية» (عمداً أو غير عمد) يبقى أمراً صعباً ومحلاً للشك.
لذلك، الأصول العملية لم تعد خط الدفاع الأول في القضايا، بل تعمل كـ«آخر حصن للعدالة» و«صمام أمان». كلما سكت العلم والأدلة القطعية أو التبست، تدخلت هذه الأصول لمنع الظلم وإصدار الحكم بناءً على الظن والتخمين. دورها تحول من قاعدة يومية واسعة التطبيق إلى مبدأ أساسي للحالات الاستثنائية والمبهمة، لكن أهميتها لم تنتهِ أبداً.
التحديات في التمسك بالأصول العملية في الفقه الجنائي
استخدام هذه الأصول رغم أهميتها الأساسية، يواجه تحديات:
التزاحم بين كشف الواقع وتنفيذ العدالة المبنية على الأصول: أحياناً الإصرار الزائد على قاعدة الدرء وأصل البراءة قد يؤدي إلى إفلات مجرمين حقيقيين من العقاب، ويخدش شعور الأمان في المجتمع. إيجاد نقطة التوازن بين حفظ حقوق المتهم وضمان الأمن العام تحدٍ دائم.
الغموض في مفهوم «الشبهة»: ما هو التعريف الدقيق لـ«الشبهة الرافعة للعقوبة»؟ أين الحد بين شبهة معقولة ووسواس أو تكلف؟ هذا الغموض قد يفتح الباب لتطبيق الرأي الشخصي للقضاة.
التداخل مع حقوق الضحية: في حالات يعني فيها تطبيق أصل البراءة للمتهم إضاعة حق الضحية تماماً (كفي حالات القتل حيث يطالب أولياء الدم بالقصاص)، ينشأ تحدٍ جدي في مقام القضاء.
في هذا الوسط، تتبادر إلى الذهن حلول، منها:
تنظيم مفهوم الشبهة (فقه الشبهة): يجب من خلال عمل فقهي وحقوقي دقيق، تصنيف أنواع الشبهة (موضوعية، حكمية، مصداقية) ودرجات تأثير كل منها في الجرائم المختلفة (الحدود، القصاص، التعزيرات) لتقليل التطبيق الشخصي.
التأكيد على «الالتزام بكشف الواقع»: يجب قبوله كمبدأ أن مهمة جهاز القضاء الأولى استخدام كل الأدوات الممكنة والمشروعة لكشف الحقيقة. الرجوع إلى الأصول العملية يجب أن يكون بعد اليأس من كشف الواقع، لا كطريق هروب أولي.
تدريب متخصص للقضاة: يجب أن يكون القضاة، إلى جانب إتقانهم للمبادئ الفقهية، على دراية بالطرق الحديثة لاكتشاف الجريمة وقيمة وحدود اعتبار كل منها، ليتمكنوا من التمييز الصحيح بين الأدلة العلمية والأصول العملية، واستخدام كل في موضعه. هذا يساعدهم على تمييز الشك الحقيقي من الشك غير المبرر.
