إشارة: إن الفقه الإسلامي، وإن كان يتحدث عن العدالة بين البشر، إلا أن ذلك لا يعني لزوماً المساواة في حقوقهم. وإن المساواة في حقوق البشر التي تُعد أمراً مسلماً به في الحقوق الغربية، عندما تدخل الفقه الشيعي والإسلامي، تواجه تحديات ومعارضات. وقد طرحنا هذه التحديات للنقاش مع حجة الإسلام والمسلمين الدكتور سجاد أميدي، الباحث في مركز البحوث الإسلامية للسلطة القضائية. وهو يعتقد أنه حتى في حال قبول حق المساواة الإنسانية، فإن تحديد مصاديق ذلك لا يمكن أن يكون موكولاً إلى العُرف؛ لأننا في هذه الحالة سنواجه العَلْمَنَة الدينية. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الباحث في مركز البحوث التابع للسلطة القضائية بين أيديكم:
الفقه المعاصر: ما هو حق المساواة الإنسانية، وما هي أبعاده؟
أميدي: تتكون أبعاده أولاً من المساواة الاجتماعية، وهي الأمور التي يكون فيها جميع أفراد مجتمع معين أو مجموعات في وضع متساوٍ في جوانب خاصة. وهذه الأبعاد قابلة للبحث من حيث الحقوق المدنية، وحرية التعبير، وحقوق الملكية، والوصول المتساوي إلى السلع والخدمات الاجتماعية، والفرص والتهديدات المتساوية. وعلى سبيل المثال، لا ينبغي أن يؤدي السن، أو الجنس، أو النژاد، أو التوجه الجنسي، أو النسب، أو الطبقة، أو الدخل، أو الأموال، أو اللغة، أو الدين، أو المعتقدات، أو الآراء، أو الصحة، أو الإعاقة، إلى معاملة غير متساوية تحت مظلة القانون وإلى تقليص الفرص بنحو غير عادل.
كما أن مباحث العدالة في الصحة، والمساواة الاقتصادية في جميع الأبعاد، والمساواة التعليمية، وغيرها، تُعد أبعاداً أخرى لحق المساواة الإنسانية.
وبشكل عام، فإن تساوي البشر يتصور في الأبعاد التالية:
- التساوي في الصلة مع الخالق (الروم: ٤٠)؛
- التساوي في حكمة الخلق (الذاريات: ٥٦)؛
- تساوي البشر في جدارة نفخ الروح الإلهية فيهم (السجدة: ٩)؛
- التساوي في غرس بذور المعرفة في باطنهم جميعاً (البقرة: ٣١)؛
- التساوي في عامل الكمال (البقرة: ٢٨٥، والشورى: ١٣)؛
- التساوي في الكرامة الذاتية مع الكرامة الأولية (الإسراء: ٧٠)؛
- التساوي في الاستعداد لتحصيل الكرامة القيمية والاكتسابية (الحجرات: ١٣)؛
- التساوي في التوجه الكلي نحو الهدف؛
- التساوي في مبدأ خلق البشر (النساء: ١)؛
- التساوي في المادة الأساسية للخلق (الحجر: ٢٦)؛
- التساوي في الماهية والخصائص ومنها العقل والوجدان (القيامة: ٢ و١٤ و١٥)؛
- التساوي أمام الحقوق الطبيعية والوضعية للقوانين اللازمة (المائدة: ٨ و١٣٥).
الفقه المعاصر: هل يمتلك حق المساواة بين البشر بوصفه حق مواطنة أو حقاً طبيعياً أدلته النقلية المثبتة له؟ وبالنظر إلى كون سيرة العقلاء محدثة في قبول هذا الحق، كيف يمكن إثبات إمضاء الشارع وعدم ردعه عنه؟
أميدي: توجد آراء مختلفة في الإجابة عن هذا السؤال، وقد شرح كل باحث هذا البحث بناءً على تخصصه ونطاق هذا التخصص.
يرى البعض أن المساواة الإنسانية ضرورة اجتماعية وحاجة نفسية؛ كما يرى أن الظلم يؤدي إلى أضرار نفسية وآفات اجتماعية، وهذا يعني أن السعي لتوسيع العدالة، فضلاً عن كونه ضرورة وحاجة نفسية، يمكن أن يُلاحظ أيضاً في الوقاية من الآفات الاجتماعية.
وفي الدين الإسلامي، جرى التأكيد على تماثل جميع البشر في الخلق. فقد جاء في القرآن الكريم: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}.
وهذه النظرة إلى الإنسان لا تختلف من إنسان لآخر، بل يشترك جميع البشر في امتلاك الروح الإلهية، والاشتراك في الروح الإلهية يعني مساواة الجميع في الخلق.
وفي آيات أخرى مثل الآية الكريمة {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ…} (الإسراء: ٧٠)، يقول الله تعالى أيضاً: لقد كرمنا بني آدم، أي إن جميع البشر من حيث كونهم بشراً هم محل إكرام الله، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً. فالجميع مكرمون وهم متساوون من هذا الحيث.
والبشر متساوون في حقوق المواطنة والحقوق الطبيعية، وهذا الأمر غير قابل للخدش؛ ونتيجة لذلك فإنه لا يوجد لدينا مواطن من الدرجة الأولى والثانية والثالثة.
والنقطة الأخرى هي العقل والاختيار. فقد منح الله تعالى العقل والاختيار لجميع البشر؛ أي إنه لا يوجد تفاوت بينهم من حيث كونهم بشراً.
ومن حيث الكرامة أيضاً لا يوجد تفاوت بين البشر. فالإنسان يمتلك الكرامة بسبب خلقه، وهذه الكرامة ذاتية واكتسابية في آن واحد. أي إن لديه قدراً من الكرامة بصورة ذاتية، كما يستطيع بسعيه واختياره اكتساب جزء آخر منها والوصول عن طريقه إلى المقامات والدرجات العالية. والبشر متساوون أيضاً من حيث هذا الاستعداد؛ لأن الجميع يمتلكون الاستعداد للوصول إلى أعلى المقامات.
وباختصار يمكن القول: إن الدليل على ذاتية المساواة بين البشر في الحقوق هو آيات القرآن. وعقلاً أيضاً قُبِلَ أصل المساواة وإن لم يُراعَ في بعض الحالات. والشارع يعتبر هذا الحق ذاتياً للإنسان، ويرى آخرون أنه حق طبيعي للبشر.
الفقه المعاصر: في حال كون المساواة الإنسانية أمراً توقيفياً ولزوم تعريفها من قبل الشارع المقدس، هل يؤدي قبول هذا الحق أساساً إلى إيجاد تفاوت في الأحكام الشرعیة؟
أميدي: كمقدمة أقول إن الموضوع الرئيسي لإنزال الكتب وإرسال الرسل هو تربية الإنسان، والبشر في الإسلام متساوون مع بعضهم البعض.
وإن أحد أصول الإسلام هو أصل تساوی البشر. وبموجب هذا الأصل الذي ينشأ من الكرامة الذاتية لكل إنسان، لا يُخلق أي إنسان أسمى أو أدنى من الآخرين. ولهذا السبب، لا يستطيع أحد السيطرة على الآخر دون دليل. وأصل تساوی البشر يرافقه أصول أخرى، منها أصل عدم السلطة الشخصية لشخص على شخص آخر. ومساواة الحاكم مع الشعب في المعيشة والعمل هي تجلٍّ لمساواة الأفراد في الإسلام. فلا توجد أي مزية للحاكم، كما لا توجد أي حصانة له أمام القوانين. وفي الإسلام، لا تُقبل الحكومة الوراثية؛ بل إن الأشخاص المؤهلين فقط هم من يستطيعون الوصول إلى الحكم وسائر الوظائف العامة كالقضاء. ويقول القرآن الكريم بشأن مساواة البشر: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
ومساواة البشر في الإسلام تشمل جميع الجوانب، بما في ذلك المساواة في الحقوق الأساسية من حيث المساواة أمام القانون، والمساواة أمام القاضي، والمساواة في الحقوق والواجبات. فالواجبات والمحرمات للجميع، كما أنه لا توجد حصانة للأشخاص، وكما أنه لا يوجد تفاضل بين أطراف الدعوى في الإجراءات القضائية الإسلامية ولا توجد مزية لأي متهم.
وبصورة طبيعية ومنطقية، تنشأ الحقوق عندما يُفترض البشر متساوين مع بعضهم البعض. وهذه المساواة تنعكس بوضوح في القرآن. فالقرآن يعتبر جميع البشر من أصل واحد ومتساوين: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} (الأنعام: ٩٨).
ومنشأ نشأة جميع الآدميين واحد؛ ومن هذا المنطلق لا توجد لأحد أولوية ذاتية على الآخر. والتفاضل الوحيد عند القرآن إنما هو بشخصية الأفراد التي ترتقي عن طريق التفكير والعبادة. ويقول القرآن في موضع آخر إن جميع البشر خُلقوا من أب وأم واحد، وهو ما يدل فضلاً عن المساواة الذاتية للجميع، على أن البشر إخوة ويجب أن يتعاملوا مع بعضهم بروح الأخوة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ} (الحجرات: ١٣).
وفي رؤية القرآن، يتكون المجتمع من الأفراد، وكل شخص بمفرده هو تجلٍّ للقيم التي يمتلكها المجتمع. والقرآن يعتبر الاهتمام بالفرد البشري اهتماماً بجميع الأفراد، بنحو أنه إذا قتل شخص أحداً فكأنما قتل الناس جميعاً، وإذا تسبب في إحياء حياة شخص فكأنما أحيا الناس جميعاً: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: ٣٢).
وهذا الحق ذاتي، والأحكام أيضاً متساوية للبشر في جميع الأمكنة والأزمنة بناءً على هذا الأساس. ولو كانت حقوق الإنسان وعمله واختياره متفاوتة، لكانت أحكامهم متفاوتة أيضاً.
وبالطبع يختلف الأفراد عن بعضهم في أداء الأوامر في الحالات الاستثنائية، مثل أحكام المسافر والمريض والمضطر. ولكن في الأصل، الجميع متساوون أمام الأحكام، وهذا ناشئ من حق المساواة.
الفقه المعاصر: في حال كون المساواة الإنسانية أمراً عرفياً ولزوم تعريف مفهومها وتحديد مصاديقها من قبل العُرف، ألا يؤدي قبول هذا الحق إلى علمنة الدين (عرفي شدن دین) وعدم الحاجة إلى الشريعة؟
أمیدی: أقول بنحو موجز إنه إذا كانت جميع حقوق الإنسان—ومنها أحكام الدين—عرفية، فسوف يؤدي ذلك إلى أن يكون كل ما حدده العُرف حكماً شرعياً، ولن تصبح هناك حاجة للحكم الإلهي واستنباط الأحكام من قبل الفقيه. وبتعبير أوضح، لن يعود الناس بحاجة إلى الحكم الشرعي الإلهي بل إن كل ما حدده العُرف هو الذي سيحدد الأحكام التي يحتاجها الناس؛ في حين أن الدور الذي قائل به فقهاء الإسلام للعُرف هو تحديد المصاديق والموضوع لا بيان الحكم الشرعي. وبناءً على ذلك، فإن علمنة الأحكام تؤدي حتماً إلى استغناء الناس عن الأحكام الشرعية؛ لأنها تؤدي إلى أن يحدد العُرف بنفسه الأحكام التي يحتاجها المكلف.
وعلى أية حال، فإن علمنة الدين وتنزيله إلى حد العقل هو وليد فكر غربي ونتاج لبيئة خاصة للحضارة الغربية وتفاعلها مع الدين المسيحي وسير تحولاتها الثقافية الخاصة. وبالطبع أُثيرت في المجتمعات الإسلامية أيضاً زمزمة السكولارية أو العلمانية وعلمنة القوانين والأحكام. وفي هذا السياق، فإن تحليل مباني الفكرين المتضادين في باب ورود العُرف ومنعه في النظام الفقهي والحقوقي للإسلام والمجتمع الإسلامي في ثلاثة أقسام: معنى تأثير العُرف في النظام الفقهي، ونطاق الشريعة والدين، ونطاق وميدان عمل العُرف، يمكن أن يوضح الموقع الصحيح لورود العُرف وكيفية تأثيرة في النظام الفقهي والحقوقي ويجيب عن بعض الشبهات في هذا الصدد.
وعلمنة الدين تعني السكولارية؛ والسكولارية بحسب معناها اللغوي هي المعارضة لتعليم الشرعيات والمطالب الدينية، والعرفية، والاعتقاد بأصالة الأمور الدنيوية. وفي اللغة الإنجليزية، فإن المترادف المضاد لـ secular (الدنيوي والعرفي) هو كلمة sacred (المقدس والديني). وفي اللغة الفارسية، تعني العَلْمَنَة (عرفي شدن دین) مصطلح “السكولارية”، وهو ما یعنی سلب القدسية والدين، ويمكن تعريفها كالتالي: العملية أو التيار الذي تتجرد بموجبه الشؤون السياسية والاجتماعية والأخلاقية للمجتمع من الدين والقدسية؛ أو بعبارة أخرى، هي العملية التي يفقد الفكر الديني والأعمال الدينية والمؤسسات الدينية بموجبها أهميتها ودورها الاجتماعي، ونتيجة لذلك ينقلب الدين—بشرط بقائه—إلى شكل أمر خاص. وفي هذه العملية، تُحذف المظاهر الدينية من المجتمع أو تُقلص، ويُصار إلى تدبير الأمور دون حضور الدين.
الفقه المعاصر: ما هو سبب عدم طرح هذا الحق وعدم قبوله من قبل الفقهاء غير المعاصرين وكثير من الفقهاء المعاصرين؟
أمیدی: بسبب أن علماء الشيعة على مر التاريخ كانوا بعيدين عن الحكومة، ولم يكن لهم في الماضي حضور الاجتماعي بمعناه المترابط مع الحاكمية والمراكز الجامعية.
والسبب الآخر هو أن العلماء صرفوا كل طاقتهم وجهدهم ووقتهم في المباحث العبادية في الفقه، وكانوا بعيدين عموماً عن هذه المباحث.
والنقطة الأخرى هي أنه في الحوزات العلمية، كانوا يعتبرون العُرف مرجعاً لتحديد مصاديق الأحكام وتعيين الموضوع ومعنى اللفظ، ولهذا السبب اعتبروا مباحثهم كافية ولم يتجهوا إلى البحث والدراسة بدرجة أكبر.
وبالطبع دخل أشخاص من ذوي الفضل بين المعاصرين في هذه المباحث، ونحن نشهد مؤلفات قيمة في هذه المباحث المستحدثة.
