حجة الإسلام والمسلمين إبراهيم باقري، في حوار خاص مع "الفقه المعاصر":

حق الكرامة والمساواة الإنسانية من منظور الفقه/24

ما يُستفاد من القرآن ونهج البلاغة هو أن الكرامة على نوعين: كرامة ذاتية بمقتضى أدلة مثل الآية الكريمة {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} التي تثبت الكرامة لجميع البشر؛ وكرامة خاصة للمتقين.

إشارة: إن حق الكرامة والمساواة الإنسانية، وإن كان في فلسفة القانون والحقوق الأساسية حديث العهد لم يمضِ على عمره أكثر من بضعة عقود، إلا أنه يمتلك في النصوص الدينية سابقاً يتجاوز ألف عام. ولعل من أهم مصادر حق الكرامة الإنسانية بين المصادر الإسلامية نهج البلاغة. وحول وجود هذا الحق في نهج البلاغة، أجرينا حواراً مع آية الله إبراهيم باقري، مدير قسم الفقه الجزائي بالمعهد العالي للفقه والعلوم الإسلامية. وهو يعتقد أن أصل إثبات حق الكرامة من نهج البلاغة أمر مُسلَّم به تدل عليه مقاطع كثيرة من هذا الكتاب. وفيما يلي النص الكامل للحوار الخاص لموقع “الفقه المعاصر” مع هذا الأستاذ في حوزة قم العلمية والعضو في جمعية الفقه والحقوق بالحوزة بين أيديكم:

الفقه المعاصر: هل حق الكرامة قابل للاستفادة من كلمات أمير المؤمنين في نهج البلاغة وسائر النصوص النقلية؟ وما هي الروايات التي تثبته؟

باقري: إن إمكانية استخراج أصل الكرامة من كلمات مولى الموحدين أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) أمر مُسلَّم به. وعلى سبيل المثال، فإن رسالة أمير المؤمنين (سلام الله عليه) إلى مالك الأشتر في نهج البلاغة طافحة بالكرامة من أولها إلى آخرها؛ كأمره لمالك بالتعامل المتساوي والمماثل مع جميع الناس، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين. وهَذا الأمر يُعرب عن أن مجرد كون الإنسان إنساناً يوجب الكرامة، بعيداً عن الدين والطقوس والمذهب والجغرافيا.

وفي موضع آخر من نهج البلاغة، عندما كان يتجه نحو الشام ومر بمنطقة الأنبار، خرج الأهالي وصاروا يمشون خلفه. وعندما التفت (عليه السلام) إلى هذا الأمر تأذى ورجع واعترض عليهم قائلاً إن عملكم هذا لا نفع فيه لكم: «وَ اللَّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ، وَ إِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَ تَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ»؛ أي ليس فقط لا نفع فيه لكم، بل ولا لأمرائكم وحكامكم أيضاً، بل لا يؤدي إلا إلى إيذاء أنفسكم ومشقتها؛ أي إن فيه ضرراً لدنياكم وآخرتكم معاً. والإمام ببيانه هذا يريد أن يقول إنكم إنسانٌ، والإنسان يجب أن يمتلك الكرامة، ولا ينبغي لكرامة الإنسان أن تسمح له بالركض والشي خلفي حتى وأنا أمير المؤمنين (ع).

وفي موضع آخر، يقول في وصيته:

«وَ اسْتَأْدَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَلَائِكَةَ وَدِیعَتَهُ لَدَیهِمْ وَ عَهْدَ وَصِیتِهِ إِلَیهِمْ فِی الْإِذْعَانِ بِالسُّجُودِ لَهُ وَ الْخُضُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ»؛ أي إن الله إنما أمر الملائكة بالسجود للإنسان لأجل كرامة الإنسان. وفي الحقيقة أرد الله بهذا الأمر أن يُفْهِم الكرامة الإنسانية لجميع الملائكة.

كما يقول لمالك: «وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْکَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِیهِ شَخْصَکَ وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَکَ وَأَعْوَانَکَ مِنْ أَحْرَاسِکَ وَشُرَطِکَ، حَتَّى یُکَلِّمَکَ متَكَلِّمُهُمْ غَیْرَ مُتَتَعْتِع؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلی‌الله علیه و آله و سلم) یَقُولُ فِی غَیْرِ مَوْطِن: لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لاَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِع»: يجب أن تجعل وقتاً للناس ليأتوا ويتحدثوا إليك بكلماتهم. وعندما تلتقي بهم، أَبْعِد عنهم القوات العسكرية والأمنية ليستطيع الناس طرح همومهم أو ربما انتقاداتهم للحكومة بارتياح ودون تلعثم في بيان المسائل؛ فإني سمعت رسول الله يصرح مراراً: لن تُقدس أمة لا يُؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع.

وهذه الرواية هي خير شاهد على أن الإمام يريد إعطاء الكرامة للناس.

وجاء في تقرير آخر أن شخصاً شكا أمير المؤمنين (ع) عند الخليفة الثاني. فبرز الإمام هناك وفي نهاية مجلس القضاء، جاء الخليفة الثاني ونادى الإمام بكنية “أبا الحسن”، وهي نوع من الاحترام عند العرب، ولكنه لم ينادِ الطرف المقابل بالكنية. وعندما رأى الإمام أن الخليفة ناداه بعزة ولم يخاطب الطرف المقابل باحترام، غضب وتغير وجهه. فقال الخليفة الثاني: يا أبا الحسن لمَ غضبتَ وتغيرتَ؟ فقال الإمام: ولمَ لا أغضب ونحن كلينا طرفا دعوى ولكنك تخاطب طرفاً باحترام والطرف الآخر دون احترام؟

وهذا يوضح أن الإمام يرى الكرامة لجميع الناس، ولا يرضى أبداً بأن يخص الكرامة بنفسه فقط.

وفي قضية أخرى، يقول شخص يُدعى الحارث بن حصيرة: كان رجل حبشي يستقي الماء في المدينة ورأيته مقطوع اليدين، أي مقطوع الأصابع الأربع. يقول الحارث بن حصيرة: قلتُ لهذا الرجل الحبشي: من قطع يدك؟ فقال: قطعني خير الناس. وكان يقصد أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام). ثم يوضح أننا كنا ثمانية أفراد وذهبنا للسرقة فُقِبض علينا. ثم أُتِيَ بنا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب واعترفنا جميعاً بالسرقة. وبعد أن اعترفنا، قال لنا الإمام: هل كنتم تعلمون أن السرقة محرمة أم لم تكونوا تعلمون؟ قلنا: كنا نعلم أن السرقة محرمة وارتكبنا السرقة مع علمنا بحرمتها. ولما ثبتت الجريمة عند الإمام، أمر بقطع أصابعنا الأربع باستثناء إبهامنا ولم تتبقَ إلا كف اليد.

وهنا توجد نقطة تعرب عن كرامة الإنسان حتى وإن كان إنساناً مجرماً. ففي استمرار هذه القضية، يقول الرجل الحبشي: بعد أن اعترفنا بالسرقة وقطع الإمام أصابعنا، أمر بوضعنا في بيت وتوفير السمن والعسل لنا لتلتئم جراحنا وتبرأ. وبعد التئام الجرح، أمر بإطلاق سراحنا وإلباسنا أفضل الثياب، وقال لنا في النهاية: إن تُبْتُم من هذه الجريمة التي ارتكبتموها وعملتم بأصالة بعد هذا، فهذا خير لكم ويؤدي إلى أن يفتح الله لكم أبواب الجنة وتدخلوا الجنة بيد سالمة؛ ولكن إن لم تتوبوا ولم تصلحوا أنفسكم، فأن الله سيرسلكم بأيديكم مرة أخرى إلى نار جهنم وهناك تُعَذَّبون.

إن هذا التعامل من الإمام الذي يأمر بعد قطع يد المجرم بإطعامه أفضل الطعام وإلباسه أفضل الثياب ثم ينصحه ويريد له الخير، لهو عين التعامل الكريم مع الإنسان.

وقد ذكرتُ رسالته إلى مالك الأشتر حيث قال إن الناس إما إخوة لك في الدين أو نظراء لك في الخلق، فعندما تواجههم احفظ احترامهم: «فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ».

وهنا يذكر الإمام بحق المواطنة والكرامة الإنسانية ويُجلّ البشر في الوقت نفسه.

وفي العهد نفسه لمالك الأشتر المذكور في نهج البلاغة، يقول (عليه السلام): وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس؛ أي أَبْعِد عنك أولئك الذين يضعون كرامة الناس الآخرين تحت التساؤل بالنميمة والتفتيش عن العيوب.

وفي مقطع آخر من نهج البلاغة، يوصي الإمام بني عبد المطلب—أي أقاربه—ألا يرتكبوا القتل وسفك الدماء.

وفي موضع آخر، يقول بشأن قاتله إنه إذا توفيتُ ضربني ضربة واحدة فاضربوه ضربة واحدة؛ وإذا بقيت حياً فأنا أعلم كيف أتعامل معه؛ ولكن لا يحق لكم أبداً أن تمثلوا به، لأن هذا العمل يخالف الكرامة الإنسانية.

إن من قتل أمير المؤمنين قد ضيع حتماً كرامته الذاتية؛ ولكن مع ذلك يقول الإمام: إياكم أن تمثلوا به.

ثم قال: إني سمعت رسول الله يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور. لا تمثلوا به أيضاً، فكيف بالإنسان!

وفي رواية أخرى بشأن الإمام الصادق عليه السلام، جاء أن شخصاً طالب بدَيْنِه من آخر بحضرته، ولكن المدين أهانه وقال له: أنت ابن زنيم/امرأة فاجرة. فنظر الإمام الصادق (سلام الله عليه) نظرة حادة إلى هذا الشخص. فقال: إن هذا الذي قلتُ له هذا ليس إنساناً مسلماً، بل هو مجوسي وحتى أمه هي أخته أيضاً. فقال الإمام: أليس هذا النكاح صحيحاً في دينهم؟ قال: بلى. فقال الإمام: إذاً لم يكن لك الحق في إهانته.

وهذه أجزاء من بيان الكرامة الإنسانية في لسان أهل البيت (ع).

الفقه المعاصر: ما هي المصاديق والأبعاد التي يشملها حق الكرامة المستفاد من نهج البلاغة؟ وبتعبير آخر، هل تُثْبَت أحكام فقهية أو تتغير بناءً على حق الكرامة هذا؟

باقري: ما يُستفاد من القرآن ونهج البلاغة هو أن الكرامة على نوعين: كرامة ذاتية بمقتضى أدلة مثل الآية الكريمة {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} التي تثبت الكرامة لجميع البشر؛ وكرامة خاصة للمتقين. وبناءً على ذلك، فإن قول أمير المؤمنين لمالك الأشتر أَبْعِد عنك من يطلب معايب الناس ويكشف أسرارهم، لا يعني أن مثل هذا الفرد لا يمتلك أي كرامة، بل المقصود هو سلب المرتبة العالية من الكرامة عنه. وبناءً عليه، يتمتع جميع البشر بحد أدنى من الكرامة ولذا لا يجوز التمثيل بأي إنسان، ولكن بعض الناس يمتلكون كرامة أكبر بسبب التقوى.