إشارة: يُعتبر حق المساواة الإنسانية للوهلة الأولى أمراً واضحاً وبديهياً ومطابقاً للفطرة البشرية. ولكن عندما ننظر إليه بعمق أكثر، ننتهي إلى هذا السؤال: هل يجب أن يمتلك البشر المتفاوتون في الاستعداد، والسن، والجنس، وسائر الأمور حقوقاً متماثلة؟ على الأقل في علم الفقه، لم يُقبل تماثل جميع الحقوق بين جميع البشر. وفي هذه المقالة الخاصة، يطرح حجة الإسلام محمد جواد أحمد خاني، الباحث في معهد دراسات الفقه المعاصر، التحديات الفقهية لقبول حق المساواة الإنسانية للنقاش.
في العقود الأخيرة، أصبح خطاب حقوق الإنسان والمفاهيم المنبثقة عنه إحدى أكثر الساحات جِدّية ومعاياة بين التراث الفقهي للإسلام والفكر الحديث. وفي مركز هذا الخطاب يقع أصل “المساواة الإنسانية”؛ وهو الأصل الذي يتساوى بموجبه جميع البشر—بعيداً عن أي تمييز عراقي، أو جنسي، أو ديني، أو عقدي—في الكرامة والحقوق الأساسية. وهذا الأصل الذي تجلى في الوثائق الدولية لحقوق الإنسان وصار سيرة غالبة لعقلاء العصر المعاصر، يواجه النظام الحقوقي للإسلام بأسئلة أساسية.
فالفقه الإسلامي، وهو نظام شامل لتنظيم العلاقات الفردية والاجتماعية بناءً على المصادر الوحيانية، قد وضع في أبوابه المختلفة—ولا سيما في مجالات حقوق الأسرة، والإرث، والقضاء، والشهادات، والحقوق السياسية—تفاوتات حقوقية بين المرأة والرجل وكذلك بين المسلم وغير المسلم. وهذه التفاوتات التي تثبتت بناءً على النصوص الصريحة للقرآن والروايات وإجماع الفقهاء، تبدو للوهلة الأولى في تعارض مع المفهوم الحديث لـ “المساواة المطلقة”.
وهذا التعارض الظاهري الذي أُجيب عنه في موقعه، كان منشأ لتشكل تحديات فقهية وكلامية عميقة دفعت المفكرين المسلمين—من فقهاء تقليديين ومتجددين دينيين—إلى التأمل والتصدي للإجابة. والسؤال الرئيسي هو: كيف يمكن ويجب للفقه المعاصر التعامل مع هذا المفهوم “المستحدث”؟ هل توجد طاقات في داخل الدين لقبول هذا الأصل وتطبيقه، أم أن تباين المباني بنحو يجعل أي تلاشٍ للتطبيق أمراً غير ممكن؟ هل يمكن الاستناد إلى الكليات مثل “العدالة” و”الكرامة” المؤكد عليهما في النصوص الدينية لإعادة النظر في الأحكام الجزئية التي تبدو تمييزية؟
١. ماهية “حق المساواة الإنسانية” وأبعاده
قبل الورود في تحليل التحديات الفقهية، من الضروري تعريف مفهوم “حق المساواة الإنسانية” بدقة وتحديد أبعاده كما يُطرح في الخطاب المعاصر؛ إذ إن عدم التفكيك بين هذه الأبعاد يؤدي غالباً إلى خلط المباحث والتقييمات غير الصحيحة. وبناءً على الأدبيات الحقوقية الموجودة، يمكن تحليل هذا الحق في أربع طبقات رئيسية:
-
المساواة الذاتية والكرامة الإنسانية: هذه الطبقة هي أكثر طبقات المساواة تأسيسية، وهي بمعنى أن جميع البشر يشتركون في أصل “كونهم بشراً” وفي القيمة الذاتية. وهذه المساواة هي منشأ ومنطلق سائر الحقوق، والتفاوت في اللون أو النژاد أو الجنس أو العقيدة لا يخدش هذه القيمة الذاتية. وهذا المفهوم يمتلك قرابة معنوية قريبة جداً مع التعليم الإسلامي لـ “الكرامة الذاتية للإنسان” المتجلية في الآية ٧٠ من سورة الإسراء {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، ويُعتبر نقطة الاشتراك الأولى بين الخطاب الفقهي والحقوق الحديثة.
-
المساواة أمام القانون: تشير هذه الطبقة إلى الجانب التنفيذي والقضائي للحقوق، وهي بمعنى وجوب تطبيق القوانين بنحو متماثل ودون انحياز على الجميع. ولا ينبغي حرمان أي فرد أو فئة بسبب خصائصه الهوية من حماية القانون أو وضعه فوقه. وهذا الأصل هو لازمة تحقق العدالة القضائية، ويبدو منسجماً مع الكليات الفقهية مثل “القسط” و”العدل”، وإن كان تطبيقه المصداقي على بعض الأحكام الخاصة محلاً للتأمل.
-
مساواة الفرص: تنظر هذه الطبقة إلى المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وتؤكد على وجوب امتلاك جميع الأفراد فرصاً متساوية للنمو، وتفتح الاستعدادات، والوصول إلى المواقع المختلفة. والهدف هنا هو إزالة العوائق التمييزية والهيكلية التي تسد الطريق أمام تقدم بعض الفئات. ويجب الانتباه إلى أن مساواة الفرص لا تعني نفي التفاوتات الطبيعية أو توحيد النتائج، بل تعني إيجاد أرضية عادلة للتنافس والسعي.
-
المساواة في الحقوق الأساسية: هذه الطبقة هي أكثر الطبقات إثارة للنزاع في المواجهة مع الفقه. والمقصود منها هو المساواة وعدم التمايز في الحقوق الأساسية للمواطنة، مثل حق الحياة، وحرية التعبير والعقيدة، وحق المشاركة السياسية (مثل حق الترشح لجميع المناصب)، وحقوق الأسرة (مثل الإرث، والطلاق، والحضانة). والتحدي الرئيسي يبرز تماماً في هذه النقطة؛ لأن الفقه الإسلامي بناءً على مصالح لم يضع في بعض هذه المجالات حقوقاً وواجبات متماثلة لجميع الفئات (ولا سيما المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم). وبناءً على ذلك، فإن النزاع الرئيسي للفقه ليس مع “المساواة الذاتية”، بل مع تعميم هذه المساواة إلى “المساواة في جميع الحقوق الأساسية” التي تُعتبر في الخطاب الحديث لازمة منطقية لها.
٢. تحدي الأدلة النقلية وإمضاء سيرة العقلاء
يعود أحد أهم المباحث المحورية في هذا المجال إلى كيفية الاستدلال بالأدلة النقلية (الآيات والروايات) واكتساب الاعتبار لـ “سيرة عقلاء المعاصرين”.
فيستند أنصار تطبيق الفقه مع المساواة الحديثة إلى مجموعة من النصوص الدينية التي تؤكد على مساواة البشر في أصل الخلقة ونفي التمييز القائم على اللون والنژاد. والآية ١٣ من سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} والرواية النبوية الشهيرة “الناس كلهم سواء كأسنان المشط”، هما من أشهر هذه الأدلة. ومن منظور هذه الفئة، فإن هذه النصوص تعرض الروح الحاكمة على الشريعة التي هي نفي الامتيازات الظاهرية والتأكيد على الكرامة الإنسانية، ويجب اعتبارها أصُولاً حاكمة على سائر الأحكام الجزئية.
وتبدأ المشكلة الرئيسية من أن “حق المساواة” بأبعاده الواسعة اليوم (الطبقة الرابعة المذكورة في الجزء السابق) هو مفهوم وسيرة مستحدثة لم تكن ذات سابق في زمان الشارع والفقهاء المتقدمين. وفي أصول الفقه بناءً على الرأي المشهور، فإن “سيرة العقلاء” يمكن اعتبارها دليلاً شرعياً معتبراً إذا كانت مستمرة ومتصلة بزمن المعصوم (ع) وأمكن إحراز “إمضاء الشارع” عن طريق عدم ردعه (منعه) عنها.
وإذا أردنا في باب المساواة التمسك بسيرة العقلاء، فإن مانعاً أساسياً يبرز، وهو وجود نصوص صريحة وخاصة شرعت أحكاماً متفاوتة لفئات مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإن الآيات المتعلقة بالإرث {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ}، والدية، والروايات المتعلقة بشروط القضاء، والشهادة، أو الولاية، تصرح بتفاوتات بين المرأة والرجل أو المسلم والكافر. ومن منظور هؤلاء الفقهاء، فإن هذه النصوص الخاصة هي بمنزلة “ردع” ومنع من الشارع عن قبول المساواة المطلقة. وفي مثل هذه الظروف، فإن سكوت الشارع أمام سيرة مستقبلية مفترضة يفتقد الاعتبار الأصولي في مقابل النص الخاص والصريح. وبتعبير آخر، أعلن الشارع مسبقاً رأيه المخالف للمساواة في هذه المجالات المحددة.
ويستدل بعض المتجددين الدينيين بطرح نظرية “مقاصد الشريعة” والتفكيك بين الأحكام الثابتة والمتغيرة، بأن الأحكام المتفاوتة المذكورة كانت ناظرة إلى المصالح والظروف التاريخية والاجتماعية لدورة نزول الوحي. ومن هذه الرؤية، فإن الهدف الغائي للشريعة هو تحقيق العدالة، وإذا اعتبرت السيرة القطعية لعقلاء عصر ما “المساواة” مصداقاً بارزاً ولازماً للعدالة، فيمكن اعتبار هذه السيرة ممضاة من الشارع بالاستناد إلى الروح العامة للشريعة ومقاصدها. ورغم أن هذا التوجه يفتح الطريق أمام تغييرات واسعة، إلا أنه يواجه بنفسه تحدي التعريف الدقيق للمقاصد وتحديد الحد بين الأحكام التأسيسية والإمضائية.
٣. النزاع بين التوجهين: توقيفية المساواة أم عرفيتها
يمكن صياغة الصراع حول قبول أو عدم قبول حق المساواة الحديث في قالب التقابل بين مبنيين كليين في المعرفية الفقهية: هل مفهوم “المساواة العادلة” أمر توقيفي أم عرفي؟
بناءً على رؤية التوقيفية، فإن تعريف العدالة والمساواة وتحديد حدودها وثغورها أمر محصور بالشارع المقدس، والعقل البشري بمفرده عاجز عن إدراك جميع جوانبها ومصالحها. ومن هذا المنظور، فإن قبول أصل المساواة في الكرامة الذاتية لا يعني لزوماً التشابه والتماثل في جميع الحقوق والواجبات. فالشارع الحكيم، بناءً على التفاوتات التكوينية والتفاوت في الأدوار والمسؤوليات، قد وضع حقوقاً وواجبات متفاوتة. والتفاوتات الحقوقية الموجودة في الفقه (مثل التفاوت في الإرث أو الدية)، من منظور هذه الرؤية، ليست “تمييزاً” بمعناه الظالم والسلبي، بل هي “تفاوت” قائم على الحكمة والمصلحة التي قد لا يصل عقلنا إليها بالكامل. وهذه التفاوتات تصب في النهاية في صالح الفرد، والأسرة، والمجتمع في نظام حقوقي كلي ومنسجم.
واللازمة المنطقية لهذه الرؤية هي عدم إمكانية إعادة النظر في الأحكام المنصوصة والثابتة للشرع بناءً على المفاهيم الحديثة والمتغيرة. وقبول حق المساواة هو مجرد تأكيد على الأصول القيمية للإسلام في نفي الفضائل الموهومة النژادية والقبلية، ولا يؤدي إلى تغيير في الهيكل الفقهي.
في المقابل، تعتقد الرؤية الثانية أن المفاهيم من قبيل العدالة والمساواة هي أمور عرفية (بمعناها العقلائي)، وأُوكِلَ فهم وتحديد مصاديقها إلى العُرف العقلائي في كل عصر. ومن هذا المنظور، فإن كثيراً من الأحكام الاجتماعية للإسلام ليست تأسيسية محضاً، بل هي “إمضائية”؛ أي إنها أمضت العُرف العقلائي لزمانها. ومع تغيير ذلك العُرف والتحول في فهم البشر لمصاديق العدالة، يمكن لهذه الأحكام أيضاً أن تتغير بما يتناسب مع مقتضيات الزمان وبهدف حفظ المقاصد الرئيسية للشريعة (مثل العدالة، والكرامة، والمصلحة العامة). والتحدي الأهم الذي تواجهه هذه الرؤية هو خطر “علَمَنَة الدين” وضياع مرجعية النصوص. فإذا كان المقرر في كل عصر أن يكون فهم العقلاء للعدالة هو المبنى لتغيير الأحكام، فيُطرح هذا السؤال: أين موقع النصوص الدينية الثابتة وكيف يُحدد الحد بين الأحكام الثابتة والمتغيرة؟ وهذا الأمر يمكن أن يؤدي إلى النسبية في العدالة وفي النهاية تضعيف موقع الشريعة بوصفها مصدراً مستقلاً وعابراً للتاريخ لهداية البشر.
ويجيب أنصار هذه الرؤية بأن العُرف المستند إليه ليس “العُرف اللغو” أو “الهوى والشهوة”، بل هو “السيرة القطعية العقلائية” الكاشفة عن الحكم القطعي للعقل، والدين الإسلامي لا يتعارض أبداً مع الحكم القطعي للعقل. ومع ذلك، فإن النزاع حول تحديد الحكم القطعي للعقل وكيفية استنباط الأحكام الجديدة بناءً على المقاصد يظل بحثاً جاداً وغير محلول في أصول الفقه المعاصر.
٤. تحدي التعارض مع “روح التعبد”
يُعد أحد أعمق التحديات التأسيسية التي يثيرها قبول “حق المساواة الكاملة” أمام الفقه الإسلامي هو تعارضه مع “روح التعبد”. والتعبد بمعناه التسليم والعبودية أمام الأمر الإلهي حتى في الحالات التي يكون فيها العقل البشري عاجزاً عن الإدراك الكامل لحكمته، يُعتبر ركناً من أركان الإيمان الديني. ومن هذا المنظور، فإن كثيراً من الأحكام الشرعية—ولا سيما تلك التي لا يمكن للعقل استنباط تفاصيلها—تتسم بجانب تعبدي، وفلسفة وجودها هي اختبار ميزان التسليم والإيمان لدى العبد أمام الخالق. والاعتماد على العلم الإلهي اللانهائي والتسليم أمام أمره هو أمر عقلاني في حد ذاته ولازمة للعبودية. وبناءً على هذه الرؤية، فعندما يواجه الفقيه نصوصاً صريحة تفاضل بين حقوق المرأة والرجل (مثل الإرث أو القصاص)، فإنه يرى وظفيته هي اتباع هذا الأمر الإلهي. والسعي لتغيير هذه الأحكام بناءً على المعايير الخارجية عن الدين مثل “المساواة الحديثة” هو نوع من ترجيح العقل البشري الناقص على الوحي الإلهي الكامل، ونتيجة لذلك خدش روح التعبد.
في النقطة المقابلة، يُعتبر “حق المساواة الكاملة” أصلاً حديثاً وقائماً بالكامل على العقل. ويقوم هذا الأصل على الفرض المسبق بأن العدالة تقتضي تماثل جميع البشر في جميع الحقوق الأساسية، وأي قانون يخرق هذا الأصل يُعتبر ذاتياً غير عادل وبحاجة إلى إصلاح. وهذه الرؤية تضع “العقلانية البشرية” بوصفها الحاكم النهائي لسنج عدالة القوانين الاجتماعية.
وعندما يواجه هذا البارادايم الفكري أحكاماً فقهية متفاوتة، فإنه يتجه نحو التساؤل والتحدي بدلاً من القبول التعبدي. فعلى سبيل المثال يتساءل: “لماذا تكون دية المرأة نصف دية الرجل؟” أو “لماذا يجب دفع فاضل الدية لقصاص الرجل بالمرأة؟”. ومن منظور هذه الرؤية، فإن الإجابة بـ “لأن الشارع حدد هكذا” ليست كافية ولا مقنعة. وتفتش هذه الرؤية عن إيجاد منطق عقلاني وعادل (بناءً على الفهم الحالي للعدالة) لكل حكم، وفي حال عدم العثور عليه تضع الحكم تحت التساؤل.
وهنا تنشأ نقطة الأزمة بدقة. فالفقه التقليدي لا يعتبر التفاوتات الحقوقية “تمييزاً” ظالماً، بل يعتبرها “تفاوتات” حكيمة بناءً على الهياكل والأدوار المتفاوتة التي يتطلب قبولها قدراً من التعبد والاعتماد على الشارع. ولكن القبول الكامل لأصل المساواة لا يطيق هذا التبرير ويعتبر هذه التفاوتات ذاتياً تمييزية.
ويُظهر تحدي “التعارض مع روح التعبد” أن قبول حق المساواة ليس مجرد تغيير في بضعة أحكام فرعية، بل يستلزم ثورة بارادايمية في المعرفية الدينية. وهذا التحدي يجبر المسلم المعاصر على التأمل في هذا السؤال التأسيسي: أين يقع الحد بين “التعبد المحض” و”العقلانية الناقدة”؟ هل يجب قبول الأحكام الاجتماعية للإسلام تعبدياً كالقربات والعبادات، أم أن هذه الفئة من الأحكام قائمة على أصول عقلانية مثل “العدالة”، وفي حال تعارضها مع الفهم القطعي للعقلاء عن العدالة يجب إعادة النظر فيها؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدد المسار المستقبلي للفقه ونسبته مع العالم الحديث.
بالنظر إلى المطالب السالفة، فإن مواجهة الفقه المعاصر لـ “حق المساواة الإنسانية” ليست تحدياً أحادي البعد، بل هي ظاهرة متعددة الطبقات ذات أبعاد كلامية، وأصولية، وفقهية، ومعرفية. والنزاع الرئيسي ليس حول “الكرامة الذاتية للإنسان” التي هي موضع اتفاق، بل حول تسري هذه الكرامة إلى “التشابه في جميع الحقوق”. وجهاز الاجتهاد التقليدي، بالاعتماد على “التزام النصوص” و”النظرة التوقيفية للأحكام”، لا يرى التفاوتات الحقوقية منافية للعدالة الإلهية. في المقابل، فإن التيارات التجديدية بالاعتماد على “مقاصد الشريعة” و”اعتبار العدالة أمراً عرفياً”، تمهد الطريق لإعادة النظر في الأحكام المتغيرة، ولكنها تواجه خطر النسبية وتضعيف مرجعية النص. ويبدو أن أي إجابة شاملة ومستقرة لهذا التحدي مرهونة بإعادات تفكير عميقة في مباني علم أصول الفقه، ولا سيما في مباحث مثل “حجية سيرة العقلاء المستحدثة”، و”العلاقة بين الأحكام الثابتة والمتغيرة”، و”نطاق الأحكام الإمضائية”، و”ضوابط الاستنباط من مقاصد الشريعة”. وسوف يظل هذا الموضوع إحدى أكثر الساحات البحثية حيوية وجدية للمجتهدين وأصحاب الرأي في الفقه المعاصر. ومن البديهي أن مجموع التحديات الماثلة أمام الفقه المعاصر في مواجهة أصل المساواة والمفاهيم الحديثة الأخرى لا تقتصر على الموارد المطروحة في هذه المقالة. ومع ذلك، فقد سُعِيَ في هذا المجال عبر اختيار وتحليل التحديات المحورية “النصوص”، و”التعبد”، و”المقاصد”، لتقديم صورة منسجمة ومترابطة لأبعاد هذه الأزمة المعرفية وتمهيد الأرضية للتأملات والبحوث المستقبلية.
