تبیین المنهجیة الاجتهادیة لقائد الثورة المعظم فی الندوة الثانیة والثمانین من “أیام الأحد: مناقشة المنهج”
وفقاً لما أفاد به الموقع الإعلامي لمعهد دراسات الفقه المعاصر، خُصِّصَت الندوة الثانية والثمانون من “أحد المناهج” لتبيين المباني الفقهية والمنهجية الاجتهادية لقائد الثورة المعظم، آية الله السيد مجتبى الخامنئي. وفي هذه الندوة التي عُقِدَت في ٢٤ شوال ١٤٤٧ هـ (الموافق ٢٣ فروردين ١٤٠٥ هـ.ش) بهدف المعرفة الممنهجة لمبانيه، جرى التأكيد على أهمية دراسة الآثار المتاحة والدروس المطبوعة والمحفوظة لسماحته.
في البداية، بعث الأمين العلمي للندوة، حجة الإسلام والمسلمين محمد كاظم حقاني فضل، مع التمني بانتصار مجاهدي الإسلام على العدو الأمريكي-الصهيوني، التحية إلى الروح الطاهرة لقائد الثورة الإسلامية الشهيد وشهداء جبهة المقاومة وسأل لهم الرضوان والدرجات العالية.
وأشار مدير موسوعة الفقه المعاصر إلى الأهمية الاستراتيجية لمعرفة مباني قائد الثورة المعظم قائلاً: “بالنظر إلى مكانته في تحديد الاستراتيجيات الكبرى لجمهورية إيران الإسلامية والتاثير العميق للأفكار الفقهية لقادة الثورة على الفضاء العلمي للحوزات العلمية، فإن دراسة منهجية الاجتهاد لديه تُعد ضرورة لا ملصص منها للباحثين”.
وأضاف الأمين العلمي للندوة: “بالنظر إلى أن جزءاً كبيراً من آثاره العلمية سيُنشر في المستقبل، فإن دراسة النصوص المحدودة المتاحة وتحليل دروسه تُمهد الطريق للمعرفة الممنهجة لمبانيه الفقهية وسنج نسبتها مع التراث الفقهي للشيعة”.
وفي الاستمرار، قدم حجة الإسلام والمسلمين مهدي كرامي پور، الأستاذ في السطوح العالية بحوزة قم العلمية والعضو في الهيئة التدريسية بجامعة قم، المطالب الخاصة به. وبناءً على تصريحاته، فإن المصادر الرئيسية المستخدمة شملت حدود ست إلى سبع سنوات من دروس أصول الفقه لقائد الثورة المعظم. فضلاً عن ذلك، جرى النظر في هذا البحث إلى مبحثين فقهيين هما الطهارة والنجاسة ومبحث الاستطاعة اللذين طرحهما الأستاذ (في إشارة إلى قائد الثورة المعظم).
وشرح الأستاذ في السطوح العالية بحوزة قم العلمية عملية الاجتهاد في فكر آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي “دامت بركاته” في عشر خطوات رئيسية: مواجهة المسألة، معرفة المسألة، استكشاف الدليل، استكشاف القرائن، تقييم اعتبار الأدلة، الاستظهار من الأدلة، الجمع الدلالي وحل التعارض، تقييم المرجحات، الرجوع إلى الأصل العملي، وإصدار الرأي المختار.
وأشار حجة الإسلام كرامي پور إلى الشبه بين الأسلوب الاجتهادي لسماحته وأستاذه آية الله الخامنئي (ره)، متناولاً تحليل المبحثين الفقهيين “طهارة الخمر ونجاسته” و”الاستطاعة”. ففي بحث الخمر، طُبِّقَت مراحل التحرير الدقيق للمسألة، واستكشاف المصادر، وتقييم الاعتبار، ومعرفة المفهوم، ومعرفة الموضوع، والاستظهار، ومعرفة الحكم، وإدارة التعارض، وترجيح النظرية المختارة. وتضمن هيكل هذا البحث روایات النجاسة، وروايات الطهارة، ووجوه الجمع بين الروايات المتعرضة، وبيان الرأي المختار.
وبحسب قوله، فإن الاجتهاد في هذه الآثار يعني تحويل مسألة إجمالية إلى حكم منقح ومستدل يتضمن تفكيك محل النزاع، واستخراج المصادر، وتنقية الروايات، وتحليل المفاهيم والموضوعات، وتقييم الدلالات، وإدارة التعارض؛ للوصول عبر الموازنة بين الأدلة إلى الرأي المختار. وتلك العملية لا تقتصر على العثور على الحكم فحسب، بل تتضمن التوضيح الدقيق للمسألة، وتحديد موارد الاختلاف، وتشخيص الأدلة المعتبَرة، والفهم العميق للنصوص.
وفي استمرار الندوة، شرح حجة الإسلام كرامي پور “منهجية تقييم اعتبار الروايات” في الفكر الفقهي لقائد الثورة المعظم، ووصفها بأنها رؤية “متعددة الطبقات”، و”مركبة”، و”رجالية-فهرستية” تعمل بما يتجاوز التحليلات السندية التقليدية.
الميزات البارزة لنظام تقييم الاعتبار:
نظام مركب يتجاوز الوثوقية الرجالية: في هذه المدرسة، لا يقتصر اعتبار الرواية حصراً على وثوقية كل راوٍ في السند بمفرده، بل هو حصيلة محصلة مؤلفات متعددة كاعتبار شخص الراوي، واعتبار الرواية نفسها، واعتبار الكتاب، وشهرة النسخة، وتلقي الأصحاب، وموقع الرواية في المصادر المعتبَرة، وقابلية جبر ضعف السند بالقرائن الخارجية.
التفكيك بين اعتبار “الراوي”، و”الرواية”، و”الكتاب”: إحدى النقاط المفصلية هي التمايز بين وثوقية الشخص واعتبار النص أو كتابه. وعلى سبيل المثال، في هذا المنهج، فإن وصف “الصحيح” للكتاب أو الرواية يتجاوز الوثوقية الفردية للراوي ليعرب عن الاطمئنان بصدوره؛ حتى وإن كانت في طريق أسناده نقاط ضعف جزئية.
الدمج بين المصادر الرجالية والفهرستية: لا يعتمد تقييم الاعتبار في هذا الأسلوب على كتب الرجال فحسب؛ بل تؤدي المصادر الفهرستية دوراً فعالاً. وعلى سبيل المثال، فإن اعتبار روايات راوٍ ما، فضلاً عن وثوقيته، يرتبط بكونه “صاحب كتاب مشهور” وطريق نقل كتبه من قبل المحدثين المتقدمين، وهو ما يوضح انتقال الاعتبار من مستوى “الشخص” إلى مستوى “التراث المكتوب”.
نفی النظرة الثنائية بالصحة أو الضعف للرواية: في هذه المنظومة الفقهية، لا تنقسم الروايات حصراً إلى فئتين مطلقين: معتبرة وغير معتبرة، بل تتمتع بدرجات مختلفة من الاعتبار. وبحسب قول العضو في الهيئة التدريسية بجامعة قم، قد يكون السند معتبراً “في نفسه”، ولكنه في مقام التعارض مع روايات أقوى يتضاءل اعتباره أو يُنحَّى جانباً (طرح الرواية).
الاعتماد على “تنقية المتقدمين”: يولي هذا المنهج اعتماداً خاصاً على تقييمات علماء الحديث المتقدمين بوصفها معياراً باثاً للاطمئنان. وعلى سبيل المثال، فإن عدم استثناء رواية ما في كتاب “نوادر الحكمة” من قبل ابن الوليد يُعتبر قرينة على اعتبار تلك الرواية؛ وهو موضوع يوضح أهمية الاعتماد على تقييمات التراث الحديثي للمتقدمين إلى جانب البحوث السندية.
وأكد حجة الإسلام كرامي پور أن هذه الرؤية متعددة الطبقات والشاملة قد ارتقت بتقييم الاعتبار من عملية أحادية المعيار إلى نظام دقيق ومَرِن يؤدي دوراً حيوياً في إنتاج النظريات الفقهية في المدرسة الاجتهادية لقائد الثورة المعظم.
وفي الاستمرار، شرح حجة الإسلام والمسلمين كرامي پور الأبعاد الدقيقة لـ “الاستظهار” في استخراج المعاني من النصوص الدينية، ولا سيما الروايات. وأشار إلى الموقع التأسيسي لهذه المهارة في عملية الاجتهاد، معيداً مشيداً بمنهجية الشهيد السيد محمد باقر الصدر، ومؤكداً على قوة وشمولية المنهج الاستظهاري لقائد الثورة المعظم.
المنهج الاستظهاري في المنظومة الفقهية لقائد الثورة المعظم:
استناداً إلى دراسة دروس سماحته في مباحث مثل “طهارة الخمر ونجاسته”، وصف حجة الإسلام كرامي پور منهج الاستظهار لديه بأنه ليس فحماً سطحيّاً لظاهر اللفظ، بل هو عملية “متعددة المراحل وممنهجة وعميقة”. وتتمثل المراحل المفصلية لهذا المنهج فيما يلي:
التحديد الدقيق للموضوع: الخطوة الأولى هي التمايز بين “الموضوع الحقيقي للرواية” و”موضوع المسألة الفقهية”. وهذا التحديد الدقيق يمنع الانطباق غير الصحيح للروايات على المسائل.
استخراج الظهور الابتدائي: استخراج المعنى الظاهري والأولي للرواية بوصفه نقطة الانطلاق.
تحليل القرائن (اللفظية والحالية): مراعاة ظروف صدور الرواية والقرائن اللغوية للوصول إلى المعنى المقصود.
الاستفادة من مناسبة “الحكم والموضوع”: دراسة العلاقة بين الحكم والموضوع لفهم مراد الشارع بنحو أفضل.
أصل “نفي اللغوية”: الاطمئنان إلى أن كل جزء من نص الرواية قد لُوحِظَ له معنى مستقل، وأن كلام المعصوم (ع) منزه عن أي لغوية.
تقييم الاحتمالات المنافسة: طرح وتقييم التفاسير المختلفة وسنج القوة الاستدلالية لكل منها للوصول إلى الاستظهار الأقوى.
الرؤية الشاملة (الابتعاد عن الانتقائية): على خلاف المناهج المحدودة، يؤكد قائد الثورة المعظم على الجمع الأقصى لروايات الباب. وهذا المنهج الذي يشبه بالهيكل مسلك الشهيد الصدر في الدراسة الشاملة لأخبار أبواب الفقه (كباب الغناء والموسيقى)، يؤدي إلى استظهار مستدل وشامل.
التأكيد على استمرار السنة الاجتهادية:
ضمن استحضاره لمنهجية الشهيد الصدر الذي كان يُدخل الدين إلى متن الحياة بفضل تسلطه على اللغة والذوق الأدبي والنظرة الاجتماعية لسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، ذكَّر حجة الإسلام كرامي پور بأن المدرسة الاجتهادية لقائد الثورة المعظم تسعى أيضاً بالاستفادة من هذه التدقيقات العلمية إلى إعادة بناء النموذج العملي للفقه للاحتياجات المعاصرة عبر الفهم الدقيق والممنهج للنصوص. وهذه الرؤية الممنهجة هي الضامن لصيانة التراث الفقهي للشيعة مع الاستجابة للتحديات المستحدثة.
وفي الاستمرار، جمع حجة الإسلام والمسلمين كرامي پور النقاط المفصلية للمنهجية الاجتهادية لقائد الثورة المعظم، مؤكداً على سبعة محاور رئيسية ونقاط قوة بارزة لهذا التوجه. ويقدم هذا الجمع صورة واضحة عن الدقة والشمولية وروح الابتكار في عملية الاستنباط الفقهي لسماحته.
الأركان السبعة للمنهجية الاجتهادية:
التحرير الدقيق لمحل النزاع: الخطوة الأولى ولعلها الأهم في الاستنباط هي التحديد الدقيق والواضح لموضوع الاختلاف في الرأي. وهذا التوجه، الذي يظهر بوضوح في مباحث مثل “الخمر” و”الاستطاعة”، يمنع انحراف البحث وضياع الوقت.
استقصاء الباب والنظرة غير الانتقائية للأدلة: على خلاف المناهج الانتقائية، يهتم قائد الثورة المعظم بالجمع الأقصى والممنهج لجميع الأدلة المتعلقة بباب فقهي معين. وتوفر هذه الرؤية الشاملة أساساً رصيناً للاستنباط.
التفكيك المنظم بين البحث السندي والدلالي: منهج مدرسي وكلاسيكي يُفحص فيه سند الروايات أولاً بدقة، ثم يُصار إلى تحليل دلالتها. وهذا التفكيك يمنع خلط المباحث ويضمن اعتبار النتائج.
التركيب المبتكر بين الرجال والفهرست: إن الدمج بين علم الرجال والفهرسة، مع إضفائه التعقيد على العملية، يؤدي إلى مزيد من دقة النظر ويزيد من احتمال الانطباق الأجود للتقييمات مع الواقع. وهذا المنهج، وإن كان يبدو أصعب في الظاهر، إلا أنه يقربنا أكثر من الحقيقة.
القوة في التحليل الدلالي والاستظهار المركب: تُعد القدرة على الفهم العميق للمعاني واستخراج المفاهيم متعددة الطبقات من النصوص من أكثر الجوانب إشراقاً في منهجية سماحته.
الدراسة الشاملة للاحتمالات المنافسة (الابتعاد عن القراءة الأحادية): في هذا المنهج، وبدلاً من المواجهة مع أدلة ضعيفة مصطنعة مسبقاً (مغالطة الفزاعة)، تُدرس وتُسنج جميع الاحتمالات والتفاسير المنافسة بصورة جادة.
المهارة في هندسة التعارض: تُعد القدرة النادرة على إيجاد التفاعل والجمع بين الروايات التي تبدو متفاوضة في الظاهر إحدى روائع الأعمال العلمية لقائد الثورة المعظم.
الابتكارات الأصولية واستقلالية الرأي:
وأشار حجة الإسلام كرامي پور في النهاية إلى الابتكارات الأصولية لقائد الثورة المعظم، ولا سيما في مجال “تعدد الحكم”، مؤكداً على استقلالية رأيه إلى جانب الاحترام العميق للتراث العلمي للمتقدمين. وتوضح هذه الرؤية المشهودة بوضوح في كتبه الأصولية حيوية الفقه الشيعي ونماءه.
وجدير بالذكر أن عدم قبول سماحته بنجاسة الخمر لم يكن عن تسامح، بل هو نتيجة لـ “احتياط منضبط” وناشئ من هذه المنهجية الدقيقة والشاملة نفسها.
وقدم حجة الإسلام كرامي پور في الندوة الثانية والثمانين من “أحد المناهج”، عبر تقديم صورة شاملة وممنهجة، دراسة لـ “المنهجية الاجتهادیة لقائد الثورة المعظم”، وهي دراسة تحظى بالأهمية من أبعاد مختلفة وتفتح نافذة جديدة نحو الفهم الأعمق للمباني الفقهية والعلمية لقائد نظام الجمهورية الإسلامية.
هذا العرض الذي بدأ بالدمج بين المصادر الرجالية والفهرستية، تطرق إلى نفي النظرة الأحادية بالصحة أو الضعف للرواية، والاعتماد على تنقية المتقدمين، وتشريح أبعاد الاستظهار.